» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:00 ص | عدد القراء: 1284


وصارالدم لبنا

مع شروق شمس السبت وقف على أمام المرآة ليعدل هيئته قبل المغادرة. وبدأ يتفحص قسمات وجهه، وملامح الشحوب فيه، رغم أنه لا يزال في ريعان شبابه.. ولم يقض سوى خمس سنوات من عقده الثالث. نظر بعينيه، فوجدهما ذابلتين، واستطلع جسده فرأى الحزن أكسبه نحفا وصفرة. واستدار إلى الوراء بمخيلته فغمغم لتفشي الأسى بعمق في دواخله، وطغيان الكآبة والاضطراب على نفسه.. شخص بعينيه الداميتين في التفاتة المستغيث نحو السماء قائلا:


- رباه.. أنت وحدك أدرى بما في، ولن أشكو غيرك..
ثم أغمض عينيه وفتحها على صوت فاطمة يخترق مسامعه مناديا
- علي..علي.. لقد تأخرنا عن موعدنا..
- أجابتها بصوت متحشرج.. أنا قادم يا فاطمة.. قادم الآن..
- انتزع وجهه من المرآة انتزاعا وغادر غرفته مسرعا بعد أن أحكم قفلها، ودفع بقدميه المترددتين خارج فناء البيت..وهو يمسك بالأمل الذي يعايشه في صبر وتحمل، والشوق إلى فضاء المجهول يداعبه، أحاطته موجات نسيم هواء الصباح العليل، واستقبله عبق الهبات البكر..المختلطة..بروائح الورد واللوز والنخيل..وأصوات البلابل وزغردة العصافير فالجو لا يزال معتدلا، وبساتين القرية تضفي المزيد من الروعة والجمال على الطبيعة في منتصف أبريل 98م..
رسمت هذه الطبيعة ابتسامة الرضا الحانية على وجه علي المصفر.. وسأل فاطمة وهو يقترب منها في هذا الصباح المفتون
- هل اصطحبت معك الأوراق، وفحوصات المركز يا عزيزتي؟
- أجابته بلهجة ودودة، نعم فمحفظتي ملأى..فيها بطاقتانا.. وفحوصات المركز، وقطعتا خبز بالجبنة البلدي.
اطمأن علي.. وزاد من اطمئنانه لحظات الخلوة التي ناجى فيها ربه في استعطاف ورزانة.
ولزما بعضهما، وسارا في الطريق إلى أن اقتربا من محطة باص القرية وبالتحديد عند موقع الحادثة.. عندها هاجمت عليا ذكريات العداء والخصومة لفتاة أحلامه، التي طالما تمنى ومنذ سني عمره الأولى أن يعيش لها ومعها.. ولكن القدر المر كان لهما بالمرصاد، فهي من تسببت في دهس أمه بإحدى سيارات الشحن التي دخلت القرية منذ عشر سنسن لتفريغ حمولتها من مواد البناء، فأرادتها قتيلة في لحظات، وهي تهم باحتضان زوجة آخر عناقيدها، وتفتح ذراعيها لتحميها من شقاوة الأطفال، عندما رأتها فاطمة مقبلة تسير في تؤدة وثقل وهي راجعة من زيارة أختها في القرية المجاورة، ولكن الموت سارع لاحتضانها قبل أن تحتضن فاطمة..فبدأ منظرها كئيبا مؤلما وهي مضرجة بدمائها، والكدمات وعلامات التهشيم بارزة في رأسها وعموم جسدها الواهن ومما زاد المنظر سوءا تكشف أثوابها البالية عن جسدها الواهن المترهل، الذي زادته عليه آثار حفر السنين وويلاتها، فكانت خلطة صارخة بالآهات والتضرج.. خلطة مخزنة تبعثرت فيها خصلات شعرها الموشى بالحناء والبياض وخليط الدماء العجيب، وهو ينحني مقبلا وجهها وعينيها، بعد أن ساقت الريح قناعها بعيدا عنها، فغدا هو الآخر ضحية كجسدها تتقاذفه أجنحة الريح وسط صخب الرجال وولولة النساء، وصراخ الأطفال وهو يتلوى كطير متكسر الجناح حتى استقر عند مخلفات النخيل وبقايا الأحجار كجثة صاحبته...
نعم استعاد على هذا المنظر الفظيع في خاطره، وكأنه في عرس جنائزي لأحد وجهاء القرية وأعيانها في كثافته وحشده وحجمه، وغمض عينيه وأطبق فاه متوجعا في صمت.. لكن مشاعره انتفشت، واضطرم أوراها، مثلما انتفشت مشاعر الناس آنذاك، وهاجت دواخله من جديد وهو يرى هيجان الحيرة في ذاته، وكأنه المصاب الجلل لتوه قد حدث، وقد طوى السنوات العشر في لحظة، وعاد به الزمن للوراء يوم كان ابن السادسة عشر سنة عند ظهيرة يوم قائظ هو يوم الروع والجناية لابنة الاثنى عشر ربيعا، وقد ذرفت اليوم على الثانية والعشرين من عمرها.. ولا يزال شبح الجناية رفيقها، يغيب فترة وتظهره الذكرى..ويزيد من ألمها عفوية الحدث وبراءة الجناية، فأطفال القرية هم من اربكوها وهم يسمعونها كلمات بشأن علي مع قدوم أمه، فأسرعت محتمية بها، فتراجعت الأم إلى الوراء لاحتضان فاطمة، لكنها ارتطمت برصيف الشارع وانقلبت بداخله وهي تحاول احتضان فاطمة.. فدهستها سيارة الشحن المسرعة دون انتباه.. ويزداد ألم علي وتفجعه لأن هذه الساحة هي التي احتضنت آمالهما وهما صبيان، تصافح وجهيهما المشرقين إطلالة كل صباح، وتظللهما بظلال المساء الحاني، بل تتفرس بهما وهما يهيمان عندها، بعد أن ينأيا عن البشر، ويعيشان يرسمان أحلامهما، ويكتبانهما فوق ترابها، بعد تمكنهما من الحروف العربية، فهما من أوائل المتعلمين في القرية. ولكن هذه الساحة في ذات الوقت موقع المأساة والمصاب الجلل، الذي فرقهما لست سنوات خلت، بعدا اقتربا ولكن بقلبين شجيين، وعينين زائغتين، وروحين منهوكتين قلقا وضجرا.
كانت قسمات وجه علي توحي بالضجر والتأزم حينما اقترب من الموقع الذي جفاه من ذلك الحين، وبدا يخطو في تثاقل وهو يستوحي المأساة. أحست فاطمة بدواخل علي، فطلبت منه الإسراع للحاق بباص المحطة، حتى يدركا الموعد مبكرين قبل أن تغلق عيادة الدكتور حسان أو تنتهي مواعيدها، فالناس يتكالبون عليها من الصباح الباكر. وقد نصحهما أحد أقاربهما ممن له دراية وخبرة بمواعيد عمل العيادة للذهاب مبكرين، لكن علي ازداد تثاقلا وبدا يعايش الحادثة، وكأنها بنت لحظتها، فتراءى له المنظر وكأنه ركن ثانية لحالة التردد التي تخلص منها بعد طول إلحاح من قريبه وكثر بكاء من فاطمة..أمه المضرجة بالدماء ثانية. فثارت نفسه واضطربت، وتذكر وساطة الحاج محمد لتزويجه من فاطمة، وهو في أوج غضبه وهيجان مشاعره، فحمحم متبرما، رغم إقناع الحاج له، وإظهاره لبراءة فاطمة، ودفاعه عن سلامة موقفها وأن الأطفال هم السبب في مقتل أمه وليست فاطمة. ومع هذا تراه حين تجيش نفسه يرى في من فاطمة عذاب وندم، وعقاب حصيلته حرمان الذكر والخلف، وأنه جزاء جزيرة هذا المشئوم..وجزاء عقوق الوالدين الذي نهى عنه الدين والقرآن. فماذا لو ترك فاطمة وتزوج غيرها رغم حبه لها لكي لا يكون عرضة لفضول أله القرية الذين يستعرون من عرض نسائهم على الطبيب لا سيما في مسألة كهذه، هل سينخسف الكون لو تزوج بأخرى؟! لكن الله يريد تعذيبه، ليجزيه قدر فعلته الشنيعة،
هذه هي مشاعر علي وتمتماته طوال الطريق ولكن فاطمة كورت ندائها وراحت كمن توقظه
- علي..علي..
- أجابها..اتركيني واصمتي من فضلك.
واصلا طريقهما في صمت إلى أن وصلا محطة الباص فركباه حيث صادف وصولهما وصوله، واستمر صمتهما طيلة مكوثهما في الحافلة..وعند النزول استل استل علي بعض الكلمات قائلا:
- هل تريدين شيئا من السوق قبل أن نذهب إلى الدكتور؟
فردت في إيماءة رافضة.
اقتربا من عيادة الدكتور حسان، بعد أن مشيا خمس دقائق محاذاة سوق الخضار المدينة كما وصف لهما القريب انشغلا فيها بأصوات الباعة المرتفعة، بعد أن مشيا خطوات صامتة ثقيلة، إلى أن دخلا العيادة، رحب بهما الطبيب وقدم لهما كأسين من الماء البارد بيد أم مريم. بعدها شرع الطبيب في فحوصاته بعد أن عرف قصتهما، عندها طلب الطبيب من علي الانتظار خارج الغرفة فغدا يمسح رواق العيادة جيئة وذهابا وبعد مدة تجاوزت الساعة والنصف قضاها في القلق والتردد باغته نداء أم رميم بصوتها المبحوح..
- علي..علي..
- فأسرع ونظراته سهام مشرعة في وجه فاطمة وهي تصاحب خطواته اللاهثة في تردد..ولكنه ما إن دخل الغرفة حتى بادره الطبيب قائلا:
- الفحوصات تؤكد خلوك وفاطمة من أي عيوب أو موانع من الإنجاب مستقبلا، بل وتؤكد فاعلية علاجات المركز لكما خلال السنوات التي أتت ألكها زيادة في الإخصاب، والجنين كما هو واضح في الأشعة ابن خمسة أسابيع وهو بخير ولكن...
- قاطعاه: ماذا تقول يا دكتور؟! جنين..هل أصبحنا أبوين
- نعم أنتما أبوان، وآمل أن تكونا سعيدين بالضيف الجديد، ويجب عليكما أن تهتما برعايته في أشهره الأولى ليتجاوز مرحلة الخطر، فلا تتبعي نفسك يا فاطمة ولا تجهديها. وأنت يا علي كن مهتما بها..
لم يتمالك علي نفسه في حضرة الدكتور فاحتضن فاطمة بشغف وشوق وكأنه للتو يقبلها بعد عشر سنين من الجفاء والغربة.
وتلاشت ملامح الشحوب من وجهه..وطوقت فاطمة هي الأخرى بيديها الرقيقتين خاصرة علي وترقرقت عيناها بالدموع. وقالت وهي تشد على خاصرته
- "ها قد صار الدم لبنا" ولسوف أسقي الحبيب الغالي حفيد فقيدتنا العزيزة اللبن المحب لها ليكون عزاءنا فيها.

كتبت في : يونيو98



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: