» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:01 ص | عدد القراء: 1159


مرفأ الهاربين

اجتاز فناء النادي وهو يسرع الخطى في همة ونشاط وتألق إلى مبناه، كانت لفحات برد يناير النشطة تتناسب ولفحات النفس المتوثبة في داخل راشد، كان وقع خطوات قدميه تتناسق ونظرات عينيه.. التي تخترق ممرات الفناء..في عجل.. كما تخترق السهام هدفها دون اعوجاج.. وقعت عينا راشد على محياها الملائكي، بدأ يمعن النظر فيها والخواطر تنبعث في اضطرام وشوق"وحدقة العين تستزيد دقة وتركيزا، وهي تجول في فضاءات الأمل ومحيطه"..استقرت نظراته حيث كانت حصة جالسة على مكتبها في صدارة غرف الإدارة، تفحص

راشد ملامحها، فوجدها شاردة اللب، زائغة العينين، مشغولة بهواجسها التي ملكت عليها نفسها، وهي تطاول في انكسارها الرائع جمال الشمس العجيب عن المغيب، وهي تغالب الدموع المنسابة كما تغالب الشمس الأضواء الغارقة..كانت اللآلئ التي تضعها حصة على وجنتيها، سياط عذاب على ملامح وجهه.. ناداها في ذهول
- ما الذي يكدر صفوك؟
- سارعت بمسح دموعها بعد أن أخذتها المفاجئة بوقوفه أمامها وهي تتصنع عدم المبالاة قائلة لا شئ. لا شئ.
- إذن ما مبعث هذا الشرود، وتيه الخواطر، الذي أمسكا بك.
- قلت لك لا شئ يستحق الاهتمام..مجرد خواطر وظنون فرضت نفسها علي وأظنها راحلة..
- كيف، وأنت لست معي منذ جئتك، وكم سألتك وأنت، تعالجين حيرتك الواضحة فما الذي دهاك؟ ولم هذه الدموع؟ أتخفين علي وأنا من يتعرف أحوالك من نظراتك، وقسمات وجهك إن خالفتها كلماتك فأعرف متى تبدين سعيدة مرتاحة، أو مكدرة الصفو تائهة، وكيف ودموعك شاهدة.
- لا تشغل بالك يا راشد، فالأمور ستسير إلى خير، وسيوفق الله فيما هو آت.
- أتقصدين أنك ستخفين علي أمرك هذه المرة كما هي عوائدك.
- لا،لا. أبدا ما قصدت ذلك وأنت تعلم، كل ما أردته ألا أجعلك تعيش معي متاهات الظنون والفوضى في أمر لا ناقة لك فيه ولا جمل
- كم كنت أتمنى أن أكون جنبك يا عزيزتي، وكم تغمرني الفرحة وتحيط بي السعادة، وأنا أقدم لك ما يخفف من عبئك وعنائك الذي يثقل كاهلك، ولو كانت نفسي.
- لا عليك يا راشد، فالموضوع بسيط جدا، لكنك تعرف أن نفسي تحزنها التوافه، وتحيرها صغائر الأمور.
- كم أنت قاسية على نفسك يا حصة.
- بل أنت المفرط في حنانك. فلا تكل، ولا تمل من رعايتي والاهتمام بي.
- هذا عهد أبرمته على نفسي، وجعلته طوقا في عنقي ما حييت، ولكنك كم تصرين على خلافه.
- كم أنت رائع يا راشد.
- بل أنت المتألقة السالبة لكل حس ولب في وقار وحشمة.
- ازداد وجهها خجلا وغمرته حمرة في خلط عجيب وهي تقول: لا أخفي عليك يا راشد مدى إعجابي بك، وافتخاري بدماثة خلقك، وحسن سجاياك، وكم انكشفت وافتضح أمري لكثير إطرائي لك، وشرودي حال التنويه بك، بل لا أبالغ إذا قلت أنني لا ألتمس للحياة طعما بغير قربك.
- انتبهت حصة من شرودها الذي عاودها ثانية وهي تستحضر مساجلتها مع جنان، وكأنها عاتبت نفسه لهذا الاستغراق فأرادت أن تبتعد قائلة
- كما أسلفت فلا عليك يا راشد، وأرجو أن لا تشتغل بالك بمشكلتي، فليس فيها ما يستحق.
- ألم أقل لك أنك قاسية على نفسك، ولكني مع هذا مصر على أن أشاركك همومك ولو بالاستماع إليك.
انقطع الحديث بدخول ماجد الذي استفسر عن موعد اجتماع الإدارة وجدول أعماله فردت حصة قائلة بأن انعقاده سيكون في تمام السابعة وأن جدول أعماله سيكون حول النشاط الاجتماعي، غادر ماجد الغرفة وواصلت حصة الحديث قائلة:
- كيف أبدأ يا عزيزي، ترددت كثيرا في فتح هذا الموضوع معك ومخاطبتك فيه، رغم أنه أحاط كل كياني وشغل تفكيري، وكنت أرى فيك المنفس الوحيد وخلاصة هذا القلق أنني بدأت اضطرب وأشعر وكأنني أحتاج لفهم الحياة من جديد.
- تفهمين الحياة من جديد؟!
- نعم، الحياة لم أعد أفهمها كما يجب يا راشد، فالمتغيرات التي فرضت نفسها علي لم تجعلني قادرة على التأقلم معها ومسايرتها، رغم محاولاتي المستمرة، لكن دون جدوى!! ولا أدري بعدها كيف أتخذ نهجا واضحا متزنا.
- الحياة يا عزيزتي ليست بالأمر الهين البسيط، ولا أظنها تكون كذلك في يوم من الأيام، بل لون تكون معالجة الأمور والقضايا بالصورة والطريقة التي تتمنينها البتة فكل ما حولك أيتها العزيزة الغالية، تناقض وتباين واختلاف. حتى في البيت الواحد والأسرة الواحدة، ولا أبالغ عندما أقول أن الإنسان نفسه لم يسلم من حمل المتناقضات، فترى الإنسان يعيش الردة في داخله وذاته، فالاختلال سمة العصر، والردة والتمرد على النفس وعلى العادات والتقاليد هو القاسم المشترك لهذا الجيل، والله سبحانه وتعالى
يقول"ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها"
- أتعني أنك توافقني يا راشد.
- نعم أوافقك.
- مالذي نفعله وسط هذه الحيرة.
- بداية يجب أن تفهمي بأن الثوابت في الأفكار، وفي العادات والتقاليد مسألة غير صحيحة، وإن بدت كذلك، فإنا خلقنا في جيل غير جيل آبائنا، وأبناؤنا سيعيشون في أجواء غير أجوائنا، فلا بد من التغير والتباين في النهج والممارسة، بل إن طبيعة الإنسان ميالة للتمرد والعناد وخوض المغامرة، وظروف إنسان هذا العصر مشجعة وداعمة لرغبته الجامحة في التجديد، هذه وغيرها عوامل، بل مرتكزات تؤكد طبيعة التبدل والتغيير، وبذلك فإن هوية التباين والاختلاف هي شعار الإنسان وسمته الشخصية الواضحة الثابتة في كيانه، وما عداها فلا ثوابت!!
وإن وجدت القناعات فالمرونة والتجاوز أمران أساسيان ملاصقان لها
- أتقصد أن الإنسان يمكن أن يعيش مع الآخرين، وهو غير متفق معهم في آرائهم وقناعتهم؟
- نعم يستطيع، فأنا مثلا، وأظنك كذلك، نستطيع العيش مع جنسيات وأجناس مختلفة، واتجاهات وقناعات في أجواء عملنا، فنعايش الغربي المتحضر في نهجه، ونكون مع الشرقي الكادح في عمله البسيط في طبيعته ومسلكه..والقاسم المشترك الذي يجمعنا نحن الثلاثة، ويقرب علاقتنا، ويوثق روابطنا هو طبيعة العمل ونوع المسئولية، لا الاتجاه أو المسلك، فنعيش عادات وتقاليد بعضنا البعض، بل ونمارسها تحت لواء المجاملة، والمشاركة الأخوية والوجدانية، فالإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
- عبر هذا المسار تتضح مشكلتي، فالآراء والأفكار التي تزخر بها ذاكرتي، ينوء بها عقلي، صعبة مستعصية تلك القناعات المتناقضة، وليس فيها من سمات التأقلم شىء.
- نعم إنها نتيجة حتمية للسموم الفكرية، ودعوات التحزب، فالسموم الفكرية المقدمة لبني البشر أشد خطرا وفتكا من سموم الجسد، فكم هي قاسية سموم الهواجس والظنون، وكم تؤلم آهات الفتن وويلات الصراع من أجل المصالح والامتيازات. فقد تبلورت كل هذه الكيانات الهدامة وتشكلت بطريقة جذابة مغرية، وهانحن اليوم نجني ثمارها نكدا ومرارة وتأزما وتعقيدا.. وستظل الأجيال اللاحقة حبيسة رهينة لهذا المسار السقيم، الذي تبلور في شكل آراء وتوجهات وأفكار وعقائد ومبادئ وممارسات.
- ماذا نفعل وسط هذا الاضطراب؟ فما عدت أثق بما حولي، أهلي وطموحاتهم ونمط رقابتهم، مجتمعي ممارساته –وقضاياه- عاداته وتقاليده وطقوسه. عملي توجهات التباين والاختلاف وممارسات التناقض في النظرية والتطبيق، كل شئ يعيش الاختلال، فلم أعد أرى شيئين متفقين غير متناقضين، بل كل شئ يعيش الصراع، ويزعم الصواب، ويرى الأولوية والأحقية، بل يطالب بالصدارة والسيادة لمثله ومعتقداته.
- بما أنه لا وجود لثوابت ومرتكزات واحدة يا حصة، فإن مثل هذه الدعوات سترى الأرض الخصبة وستكون صيحات الفوضى هي الأقوى والأجدى، ولا سبيل لقبول اتجاه واحد، أو قناعة معينة، وليس باستطاعة الفرد أن يسلك خطا مستقلا دون اهتزاز! فإن تكن متدينا سترى القائمين عليه قد حملوه على التعقيد وجروه إلى المصاعب! واختلطت المفاهيم إلى درجة التطرف فانقلب الميزان وارتد السحر على الساحر!! كما ليس باستطاعتك أن تدعي الدعم والمؤازرة للمثل والقيم الغربية لأنها ليست وفق نظرة مجتمعك وعاداته وتقاليده! ولن تستطيع التباهي والافتخار بالحضارة والتقنية والتقدم العلمي المعاصر لأنه ليس من صنعك، ولا أحد يرتاح ويخلد لأجواء الانتهازية والتهتك، لأنه نمط من أنماط الاعوجاج وعدم الاستقامة. وباختصار شديد، فإنه لا قناعة ثابتة واضحة لأمة أو شعب واحد، بل إننا نرى البيت الواحد يعيش المتناقضات، على مستوى الفرد الواحد، وعلى كافة الأصعدة..
- أذن حيرتي في مكاناه يا راشد، وقد كنت اعتقد أن سذاجة ما ذهبت إليه، وأعملت فكري واعتبرته مجرد قلق عابر وحيرة مؤقتة ستتجلى عما قريب كساحبة الصيف.
- لا يا حصة، بل إن البشر سيعيشون حياة التأرجح والتناقض والتغيير الدائم من جيل إلى جيل وهذه سنة الحياة، ولن نتيقن ضرورة الوئام إلا من واقع الصراع.
- ومتى ستكون النهاية، والحل لهذا القلق الآدمي؟!
- لا أعتقد أن الحل من السهولة كما تظنين، فحسب اعتقادي فلا نهاية واضحة لمثل هذا الأمر، ولكن مع خذا فأنني أراك أيتها العزيزة قد خرجت عن موضوعنا!!
- لم نكن بعيدين يا لعي بل ربما أصبحنا نحوم حوله وهو جزء مما أعانيه.
- ما فهمت قصدك، فما الذي تعنيه بالقول؟!
- أقصد أنني الآن أعيش حيرة حقيقية تتمثل في ترددي في قبول شخص للزواج يكبرني بإحدى عشرة سنة، رغم وجود الميزات والحسنات الكثيرة في سلوكه وسجاياه، والذي تجعل المرأة تميل وتنجذب إليه في احترام وتقدير، إضافة إلى إمكاناته وقدراته المادية الممتازة ومكانته الاجتماعية المرموقة..ومع هذا فأنني أرى السن حاجزا بل سدا منيعا وعقبة كؤود في طريق الانسجام والتفاهم، لا سيما وأنا استمع إلى إشكاليات الواقع من صديقاتي.
- أعتقد يا عزيزتي أن فارق السن كما أفهمه لم يعد معوقا حقيقيا، وليس بالمقياس الدقيق لقياس الفارق الكبير، فتقارب السن ليس بالقادر على تهيئة الجو وتوفير الانسجام والتجانس لخلق أجواء الألفة بل الميول والقناعة هي مرتكزات الانسجام الداخلي.
- لم أعد أفهم قولك.
- أعني أن الرجل يضع في اعتباره من المعايير النفسية والعقلية ما يؤطر بها كيانه، ويشكل شخصيته، وكلها ترتبط بمستواه وقناعته وتوجهه في نظرته لمجتمعه نظرة مستقبلية آملة.
- أتراك أو غلت فيما لا فائدة منه يا راشد.
- لا أعتقد ذلك يا حصة، فأنا وكما فهمت منك، أن منبع خوفك فارق السن الذي يؤدي بدوره إلى عدم التجانس، وأنا لا أذهب إلى هذا المذهب، فحسب اعتقادي أن مؤثرات التغيير تتمثل في جوانب الإغراء، وأجواء الجاذبية، وما تبرزه شخصية الإنسان خلالهما من مؤهلات ومواصفات أخرى.
- الحقيقة أن الموضوع مرتبط بأهلي أيضا.
- لا اعتبار للأهل والأصدقاء في هذا المجال كما أتصور. بل المصلحة أن يقدر الإنسان الموقف فيبرز شخصيته ويحدد مسئوليته، ليعلم أن الأشخاص الآخرين، لن يكونوا غير أطر ثانوية مساعدة تعمل على التأقلم، ولن تسير الدرب أو توجهه، ولعلمك فإن الولاية الشرعية للأب نفسه تسقط حال رفضه للكفء، فكيف بالغريب كالعم والخال ممن لا ولاية لهم مع وجود الأب..وبعد بلوغ سن الرشد!!
- رأيك صريح واضح لكنه صعب.
- بل الصعوبة أن تداري الآخرين وتجامليهم على حسابك، فهل هذا منطق معقول؟!
- آمل أن يتحقق هذا الحلم الكبير وأن أتغلب على ما أنا فيه.
- الإرادة والعزيمة يصنعهما الإنسان لنفسه، ولا تمنحان له
- سأفعل ذلك بمساعدتك.
- ستريني طوع بنانك وفي خدمتك وهذا ما يفرحني ويغمرني سعادة واطمئنانا.

كتبت في : أبريل 96



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: