» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:03 ص | عدد القراء: 1146


عندما يموت الصمت

كان منطويا على نفسه، منعزلا عن أبناء مجتمعه، لا يكاد يراهم إلا في الأوقات التي لا غنى لهم عنه، ولا غنى له عنهم، أي في أوقات الضرورة كموت قريب أو جار، أو مشاركتهم في أفراحهم ممن لا يستطيع تناسيهم، وإلا فقد كان همه العمل وملازمة البيت بعد انقضاء فترته، ولا يخرج أمام الناس إلا لاحتياجات الاكل والشراب التي كان يبتاعها من خارج حيه، حتى زملاؤه في العمل لا يكلمهم إلا لحاجة العمل، وزميلاته ينظر إليهن ناشزا، وكأن بينه وبينهن ثأر قديم، وهكذا دارت به الأيام وهو في طاحونة ظلمتها حتى ذرفت به على الخمس

والثلاثين، ودونما زواج، أو صديق حميم يشاطره همومه، ويخرجه من صومعة أحزانه، وخيالاته اليائسة التي كان يستغرق فيها حتى ساعات فراغ عمله، فيعيش رهبة القمقم القاطن فيه طوال عمره المأساوي الذي نزل به فجأة منذ ثلاث عشرة سنة أي قبل وفاة والده بشهرين، فقد مات والده حزينا متألما واجما لجرح خفي، وسر مكتوم لم يدرك كنهه، وهو في مقتبل العمر لم يبلغ الخمس والأربعين وكان قوي البنية، لكن الزمن قهر قوته فجأة، فأحاطت به الأحزان فصرعته، فقدم إلى ربه، وسره مقبور معه، لم يعرفه أحد سوى والدته التي تركته هي الأخرى لتتزوج من رجل ثري من أهل حيها قبل عشر سنوات، بعد أن عالجت أمرها طوال ثلاث سنين، وهو في صدود ووجوم قاتلين، فيئست من تقبله لها كأم، فقد كانت نظراته لها حادة في هدوء، عاتبة في غبن، رافضة في زيغ، لأنها حملت في صدرها السر المكنون الذي لم تبح به، وقدمت له التبريرات الملتوية بصيغ وأشكال مختلفة دوى جدوى في إقناعه بها، وكانت كلما تأتيه يعرض بوجهه عنها، وإن أقبلت عليه نفر عنها، وكم منته بالعيش الرغيد، والحياة الزوجية الهانئة السعيدة، مع أجمل جميلات الحي .. لتخرجه من آهات العزلة وويلاتها .. وكم تضرعت وتشفعت به إليه، لأنه وحيدها من الذكور وابنها الأكبر .. لكن دون فائدة .. فقد آثر حياة البساطة بل والعوز أحيانا، دون أن يبادلها رأيا، أو يقف إلى جانبها، أو حتى يبتسم لها ابتسامة عابرة مذ فقد أباه، وكم حاولت مرات ومرات بغير مردود، فأرسلت بعدها أخته، لتمنيه وتغريه بما يريد ويرغب من مال أو عقار .. أو سيارة فارهة .. لكنه لم يكترث ولم يأبه بأخته التي تحامل على نفسه ليتناسى عشرتها لتسع سنين قضتها معه، منذ السابعة من عمرها في بيت أبيه الذي خلفه لهما كوريثين يتيمين بأثاثه المتواضع، وبنائه البسيط والمكون من حجرتين ومرافق أساسية لبيت في حي شعبي قديم ... وعليه فقد تنازلت الأخت لأخيها بعد أن أغرتها الأم بالأفضل، وبما يتناسب وطموحها لبناء حياة سعيدة لوليدها القاطن في أحشائها منذ ستة أشهر وكم تعز على أخيها هذه الفتاة وهي قريبة من قلبه، ولكن همومه وصمته قاتلان، لم تستطع مقاومتهما فاضطرت إلى أن تتزوج من شاب اختارته أمه لها وهي بنت الستة عشر ربيعا من أقارب زوجها الثري، ومنذ ذلك الحين تغيرت نظراته لها.. كانت عيناه تلمعان في اضطراب .. فتؤجج مشاعرها وتستثيرها للسؤال فتسأل، فيلوذ بالصمت، لينغمس في متاهات خيالاته وهمومه حتى تأخذ منه مأخذه فتلقيه أرضا مغشيا عليه في حالة غثيان ودوار مقيتين. وهذا هو دينه.. كلما أمعن النظر إلى أمه أو أخته .. يعتصر قلبه ألما، وتتفتت كبده حسرة فتزيدها العلل والآهات مجتمعة، لتضعف قواه، وتزيد من تأزمه، فيصرخ كالمجنون وهو في بكاء مرير:
لا أريد هذه الحياة.. لا أريد هذه الحياة.. لا أريد أحدا..
فيسقط مغشيا عليه فيخرج من كان عنده، إلا أن أخته هذه المرة انتظرته حتى أفاق وهو يقول:-
- تمنيت لو أنني مت .. تمنيت لو أنني مت .. أما لهذا العذاب أن ينتهي.
ماذا تقول يا أخي؟ أبعد هذا الصمت الذي جثم على صدرك ردحا من الزمن تتمنى الموت؟!
- نعم الموت أحق بي. فما قيمة هذه الحياة الملوثة؟!
- ما الذي دهاك؟
- حياة الخطيئة التي نعيش بها، لا طاقة لي بها، فكل ما حولي تافه لا يساوي شيئا.
- نحن بجانبك وكم تمنينا خدمتك، لكنك تلوذ بصمتك الأليم.
- لا أريد مساعدة أحد، أريد العزلة، فما عدت أثق بأحد.
- ما ذنبنا حتى تقابلنا بمثل هذا الموقف؟!
- قلت لك لا أريد مساعدة أحد. ألا تفهمين؟! اتركيني وشأني.
أخي أنا ما نسيت أفضالك علي، ومعروفك بي، وأياديك البيضاء التي غمرتني حيث جعلتني لا أحتاج لأحد، حينما تركتني أمي لتعيش حياتها مع زوجها وأنا بنت السابعة...
ولكن مما اضطرني إلى تلبية رغبتها صمتك المخيف، فكم كان يقلقني، بل ويخيفني منك أحيانا رغم نظرات عطفك، فهل تراني استحق منك كل هذا؟!.
- أمك هي مصدر تعاستي، ولهيب أحزاني، ووهج أحزاني، بل هي كارثتي.
- ماذا تقول؟!
- نعم أمك من قتلتني بقتلها أبي.. "ثم بكى بصوت مرتفع" وهو يقول:
- أمك قاتلتني، أمك قاتلتني، أمك قاتلتني..
- ولكني وكما سمعت من عمي، أن أبي لم يمت مقتولا، بل اغتم لبضعة أيام بشكل مفاجئ، فامتنع عن الكلام ومخالطة الناس، حتى لقي ربه.
- ليتها قتلته بسيف أو خنجر، أو رشقته بسهم مسموم فصرعته.
- ماذا إذن تعني؟!
- إن قتل أبي لم بسيل الدماء..
- لم أفهم قصدك..
- اسألي أمك تجبك
- ماذا تريد أن تقول.. هل تقصد أن أمي.. لا أصدق.. لا أصدق.. تتأوه وتغطي وجهها بكفيها.
- نعم حبست سرها، وأرادت دفنه معي في قبري عندما ازدادت علتي، ولكن لا قدرة لي بعد اليوم، نعم لا قدرة لي على الصمت..
- أأنت متأكد أن أمي.. لا.. لا.. لا
تجهش بالبكاء في جنون.
يتحامل على نفسه، فيستقل سيارته المتواضعة ليغادر البيت قبل غروب الشمس متجها نحو الشاطئ الذي ألف تلاطم أمواجه، ورهبة ظلمة ليله، فقد كان أنيس سهره، فهو كل يوم يقف على إحدى صخوره الصماء عندما ينام الناس ليسامره ويناجيه، هذه كانت عادته منذ بداية أزمته، ولكن خروجه في ها الوقت الجميل، والجو الشاعري الرائع أثار دهشة الجميع... من أبناء حيه.. ممن تواجد على الشاطئ المكتظ.. وبينما هو جاثم على إحدى الصخور الصماء لمح عن قرب امرأة حسناء تتجه نحوه حاول أن يشيح بوجهه عنها، لكن الذكريات التي هاجمته كالبرق، وعصفت به، أجبرته على إمعان النظر ثانية فإذا هي ماثلة أمامه بكاملها وجمالها وباغتته قائلة:-
- كيف حالك يا أحمد؟؟ أعرض بوجهه عنها، كررت السؤال عليه فأقبل بوجه حزين وكلمات لا تكاد تبين.
- بخير والحمد لله..
- لا يبدو ذلك.
- اتركيني وشأني أرجوك.
- أما زلت تعتقد بغدري؟
- لا فائدة من الكلام في هذا.. فلدي ما يشغلني.
- ولكن أقولها بصراحة "قاطعها"
- لا داعي فإني لا حول ولا قوة لي على تحمل ويلات أخرى.
- أحمد.. لقد عشت الحياة الزوجية التسع مع إنسان لم يفهم الحياة في جوهرها، فقد عاش رحمه الله حياة البساطة في أقصاها، دون اكتراث بحياة منظمة هادفة وهذا ما دعاني إلى أن أعيش الهم والغم، وأتنكر للعرف البائد، وآهات سطوته وجبروته خوفا على مستقبل أبنائي، رغم إصرار أهلي وغلبتهم على أمري، وأنت تعلم كيف حال المرأة في بيئة كهذه، فخضعت، وحاولت التأقلم ما استطعت بعد أن وضعت أمام الأمر الواقع.
- وأنا ماذا أفعل الآن؟ بعد كل هذا، بعد فوات الأوان؟
- أنت تعلم أن زوجي توفي منذ أربع سنوات.
- أحقا توفي جاسم؟!
- نعم، لقد مات في حادث سيارة عندما اصطدم بإحدى الحافلات في المخرج الجنوبي للحي المرتبط بالشارع العام لحيكم.
- "في وجوم هادئ" ما شأني أنا بذلك؟
- أنا أعلم أن قطار العمر فاتني، ولن أكرر تجربة العيش ثانية مع رجل وما جئتك مستجدية، فأنا قد سخرت حياتي لأبنائي، ولكن أردت أن أقول لك بأني لست كما كنت تظن وتتصور من غدري وربما خيانتي وآمل أن يكون حديثي هذا مدعاة لإخراجك مما أنت فيه، وليخفف عبئا من القتام الجاثم على صدري طوال السنين، خاصة بعدما تناوشتني ألسن الحي في سوء علاقتي بزوجي وعدم رضائي وقناعتي به.
- لقد ضاعفت ألمي، وزدت من أحزاني وليتني لم أرك.
- لماذا...؟!
- لا أدري، ولكن فجوة الزمن، ووهج الألم في النفس. قد أذابا كل عواطفها، وأخفيا كل مشاعرها.. ولا رصيد في ذاكرتي لشيء جميل، فكل ما حولي واقع مرير، وأفق مظلم قاتم.
- أنت متشائم، وقد حطم تشاؤمك حياتك.
- بل أنت المفرطة في الثقة والطمأنينة العمياء في مجتمع الوحوش والكواسر رغم معاناتك.
- ماذا تعني؟!
- لا شيء دعيني أذهب.
نزل من صخرته يتهاوى، وغادر الشاطئ ليعود إلى البيت، أوقف سيارته وأخذ يفتح باب البيت، ومازالت الشجون تعصف به والهموم تتناوشه، وبينما هو يخترق فناء المنزل قاصدا حجرته احس بلغة حوار ساخن، استرق السمع أدرك أنه لأمه وأخته، تمالك نفسه والهموم متكالبة ورغم المشاعر الساخطة التي تحفزه على الجريمة، وقف خلف باب الحجرة التي بها الحديث.
- أنت يا أمي سر تعاسة ابنك كما قلت لك، ورأيه فيك كما أسفلت.
- ماذا تريدني أن أفعل له؟! كل ما في وسعي قدمته له.. وقناعته هذه ما تغيرت منذ فقد والده.
- يجب عليك توضيح الأمر وإزالة الغموض فهذه أمور لا يحسن السكوت عليها طوال هذه السنين التي عانينا مرارتها.
- الأمور واضحة، ماذا فعلت ليعاقبني عليه، فهل ترين وأنت امرأة نضجت أن زواجي وأنا في ريعان شبابي خطأ؟ أم حرام؟! بعد أن مات أبوه بثلاث سنوات وبعدما عملت المستحيل له.. دون فائدة.
- لكن كلام أخي لا يفهم منه رفض الزواج في ذاته بل... "تقاطعها"
- أخوك علته في حبيبته نوال..
- ما شأنها؟ فقد نساها منذ زمن بعيد، وهي الآن أرملة ذات ولدين وبنت وأظنها منهمكة في رعايتهما.
- لكن آثار صدمته لرفض والديها كان عنيفا، ولايزال متعلقا بها فكم حاولت مساعدته في الشهرين الأوليين من أزمته وكان يقبل علي. وبغتة توفي والده فما عاد يسمع كلامي حتى يومنا هذا.
- لا أتوقع أن الأمور بالبساطة التي تروينها، ولابد من وجود خطوط متشابكة عقدت هذا الموقف، فأنت كم كنت تتحدثين عن مواقفه، ومشاركاته بل وفضوله وتطفله حال مجالسته قبل وفاة والدي وخطوبة نوال...
"مع شيء من الغضب"
- قلت لك هذه الحقيقة، ولا أعلم سواها.
يدخل فجأة.. لا.. لا.. لا هذه ليست الحقيقة بل هو التمويه والمماطلة يا زوجة الثراء وبائعة....
- أحمد لا تقل لأمك هذا....
- من تعاستي أن قدر الله لي أما كهذه....
- فكيف تفسرين يا أيتها الأم الوفية مشادة أبي لك يوم قدم إليك؟
- صبيحة لقائك به.؟!... ما علة صراخه؟ ثم تراجعه في هدوء المتخاذل المنهمك وتوسله إليك بأن.. تكوني عاقلة ورزينة، مراعية للقيم والأعراف؟ هل كنت منصفة بعد هذا في مقولتك لابنتك؟
- أنت شقي ووقح، وكم تكابر وتشبع أنانيتك، فها أنت تنبش الماضي الذي لا فائدة منه.. وكأنك تحاكمني..
- إنها الحقيقة التي دمرتني، والآفة التي طوقتني طوال حياتي وعشش الحزن برأسي بسببها، فحرمني من عيشة الأسوياء كأبناء مجتمعي، فأنا لا أريد عيشة كهذه. بل لا رغبة لي في الحياة بعد اليوم.
- لا يا أخي فأنت في مقتبل عمرك، وكل شيء بالعزيمة والصراحة سيعود كما كان وأفضل...
- ما عدت أثق بأحد، والجرح لم يندمل بعد وسيبقى نازفا إلى نهايتي القريبة.
- هون عليك، وخفف من تعذيب نفسك فربك غفار رحيم.
- عذابي، بل موتي الحقيقي هو بقائي في هذه الحياة الخائنة.. أرجوكم اتركوني.. اتركوني.. اتركوني وعذابي، حتى تزهق روحي.
- لن نغادر حتى نحسم الأمر، ونصلح ما فات، ولابد من رأب الصدع وعودة روح الأسرة.
- (في تهكم حزين) وهل يصلح العطاء ما أفسد الدهر؟
- بل الأمل عضد الحياة الواثقة في إصلاح ما خربته الأيام.
- لا أمل لي في حياة كهذه، لا أمل لي في حياة كهذه.
(( كررها حتى أغشي عليه في بكاء مرير))
انتظرت أمه وأخته فترة بعد غشاوته فنادته أمه ولدي، ولدي، ولدي حبيبي ثم صرخت معولة وا حر قلباه.
اتبعتها الأخت أخي أخي.. أحمد.. ثم صاحت واحسرتاه على شبابك ووفاتك.. لم يجد الصراخ والعويل والتأسف وانهماك الأم باكية مستغفرة لربها في خضوع الآبق المستكين راجية العفو والغفران، فقد أسدل الستار على صمت السنين..

كتبت في : فبراير 94



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: