» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:03 ص | عدد القراء: 1085


صفعة القهر

كانت الشمس تجر أذيال الاستكانة والخنوع، وهي تودع يوم الخميس، الخامس عشر من نوفمبر 93، المتلبد بغيومه السوداء القاتمة التي رسمت بظلالها الثقيلة الكآبة الذابلة في الأفق المعتكر، فمنعت إشراقها الجميل، وحرمت الناس من إشعاعات ضيائها الرائعة، والمغيب هو الآخر آخذ يبعثر سرابيل عتمته، ويرخي أردية سوداه على طرقات المدينة ومتاجرها، وأزقة بيوتها وأحيائها، في فضاء يتشابك السواد فيه بخلطة الصفرة والحمرة الباهتتين، وبندى الضباب الذي أعان الغزاة على حجب الضوء.. والناس تزحف فرادى وجماعات، نحو

السوق في سرعة لافتة وكأنها تسابق الضيف الثقيل، لتلبي حاجاتها قبل أن يسعف القادم الزمن، فيفرقهم في ديجور الظلام.. فوق هذا الضجيج والصخب الهائج، علا صوت نشاز من وسط البسطات والبيعات المبعثرة يمنة، ويسرى، بمحاذاة أرصفة شوارع السوق، ومواقف السيارات فيها، ليخمد صوت باعتها، ويوقف حركة المارين المائجة المتداخلة بينهم، ويشد عيونهم نحوه.
وكان الصوت صوت أحد مفتشي البلدية، الذي اعتلى مدارج الجبروت، وتربع عرش الغطرسة، ومارس الطيش والهيجان الأرعن، كبطل من أبطال الوغى، وفرسان الهيجاء، وهو يوجه صفعة من يده الآثمة إلى رجل ضعيف، ليطرحه أرضا، ثم يرفع راية النصر خفاقة وكأنه هزم جيوش كسرى، ودك حصون قيصر، متناسيا أنه اقترف جناية مزرية، واختط منهجا أعوجا لم يعرفه الناس الطيبون في هذا الوطن المعطاء الآمن في معالجة الإشكاليات وكان خطأ الرجل بسيطا، ويمكن له كموظف إصلاحه بطريقة أكثر تسامحا ونبلا وأخوة، وتطبيقا للقانون؛ لكن الموظف تناسى ذلك كله، وتجرأ على إهانة عجوز كأبيه أمام الملأ بهذه الوقاحة والتعجرف، من غير مراعاة لفارق العمر، ضاربا بالأعراف والتقاليد وعرض الحائط، وكأنه من رعاع العصر الحجري، أو غوغائي العصور المتخلفة السوداء من الحمقى والسذج.
كان شعوري، ومن شهد الحادثة الذهول والاستغراب، وقد وقفوا جميعا مبهوتين وهم يشاهدون العجوز الهرم يرفع ظهره مكابرة، ويقاوم ضعفه اضطرارا، محاولا إخفاء ملامح العناء والإعياء، لكي لا يفتق شرخا ولا ينكث جرحا، فيشغل من حوله به، وهو يحاول، أن يمسح عن وجهه بصمات اليد الآثمة التي صفعته قهرا، وينفض عن نفسه وثيابه وسخ المستنقع الذي نزل به من هول الحادثة المشينة.
كانت البداية حين اقترب مفتش البلدية من العجوز، وباغته بركلة وصوت منكرين بدأ بها خوض المعركة الضارية، وشمر من خلالها عن سواعد الإباء!! وهو منفوخ الأوداج، تبدو على قسمات وجهه المهين سفاسف الأنفة الكاذبة، والتعالي المقيت لمن هم دونه مرتبة! وهو يقول وصحب قوله بركلة أخرى وجهها لخاصرة العجوز المتهالك فأردته طريحا:
- متى تتوقفون عن هذه التجاوزات؟
- متى ننتهي من متاعبكم؟ ألا تفهمون الكلام؟! وتحترمون القانون؟!... وما كاد يقطع كلماته، حتى أوصلها بملامسة يديه الآثمتين لحاجيات العجوز المنهمك، وأخ يبعثرها شملا ويمينا، وهو يقول:
- متى سترعوي أيها العجوز الخرف؟
- متى تكف عما أنت فيه؟ فقد أتعبتني!!
كان نعيق الجاني يعلو، وملامح وجوه المحيطين بهما تتغير وتتبدل بتبدل الصوت والنبرة، وبألفاظ وتعابير الكلمات الخافتة التي تتبدى بين الفينة والأخرى من شفتي العجوز متخللة كلامه المأفون، واستمر ذهول واستغراب الحضور باستمرار الجاني المنهمك في كلمات التوبيخ والسباب التي لازمت الركلات، ولكن الموقف ازداد ذهولا حينما رفع يداه القذرتين وصفع العجوز صفعة قوية أردته طريحا، فسقط المسكين المجهد صامتا في وجوم، وقد ركن إلى الأرض، لينهي فصلا من فصول المهانة والتوبيخ وهو يشيح بوجهه عمن ينظر إليه، وعلامات التجلد بينة والصبر بلد، والعجوز يتوسل في خضوع زادته السنون أسى ومرارة.
ويرمقه بعينين زائغتين زادهما الذل ذبولا وهو يقول:-
- إنها المرة الأخيرة يا ولدي..
- لا تقل يا ولدي!. فلا سماح هذه المرة، ولا تنازل!! فكم أنذرتك! وكم زجرتك! وكأنك وحدك شغلي الشاغل في هذه السوق.
- أقسم لك بكل عزيز عندك ستكون الأخيرة.
- لا أستطيع تصديقك فقد أتعبتني، يقولها الجانب بعد أن استراح استراحة المقاتل وكأنه يريد المزيد من كلمات الإطراء والاستجداء المعتادة، وكأنه الذئب الذي يحلب النمل لينسى المحيطين بهما سوء تصرفه، ويغمض أعينهم عن فعلته الشنيعة.
- سامحني سامحك الله، والمسامح كريم، ولن ترى إلا ما يسرك مرة ثانية.
- أتعني أني سأراك مرة ثانية في هذه السوق؟!
- لا، لا.. أبدا لن تراني، فقد أخذت جزائي"
"قالها والدموع تنهمر بغزارة" لتسير في قنوات وجهه الذي حفرتها السنون، وزاده الشحوب شجونا وترهلا، وهو يحاول تغطيته بكمه المهلهل الرث.
أشاح الجاني بوجهه الثقيل عن العجوز بعد أن استيقظ على استصغار الحضور له، واحتقارهم لسلوكه، وهو يقول:-
- لن ترى ما يسرك إذا حالفني الحظ ورأيتك مرة أخرى، فهذه هي الفرصة الأخيرة لك، ولن أرحمك بتنازلي عن فعلتك هذه المرة، والمرات السابقة، لكي لا أعرض نفسي للمسألة والحساب من أجلك!
نفض العجوز ثيابه، وهو يتوثب للنهوض في عجل قلق، خوفا من نظرات العيون التي التهمته، وملكت عليه أمره، لينهي فعلا آخرا، وكأسا مرا تجرع غصصه على مرأى ومسمع الجميع.
تابعت ليلى حركة هذا العجوز، وهو يهرول متحاملا على نفسه ليغادر المكان مسرعا، وأسرعت خطاها لتحلق به، فأدركته وبدت ملاصقة له وهي تقول:-
- ألهذا السبب أهانك، وحقرك هذا الصفيق المدعي؟!
- ما رأيت شيئا يا بنتي، فما قاسيته اليوم حلقة من مسلسل الألم الذي تجرعته يوميا في ذلة وهون نحن باعة هذه البسطات الحقيرة، ودعائي ان يبعدك الله عما تكرهين، ولا يريك ذلا أو هوانا لعزيز.
- لم كل هذه القسوة بكم؟! والتجبر عليكم؟! وأنتم بالكاد تبلغون لقمة عيشكم من هذا الكدح الصعب.
- هذا الرجل لا يكلم أحدا أبدا وهو في صفاء، لكنه يتربص بنا الدوائر ويبحث عن التجاوزات التي يريدها!! وعندما يأتي ممسكا بذلة!! يأتي كأنه مالك الأرواح الذي يريدنا بين يديه صاغرين.
- لماذا يفعل بكم هذا؟
- لأننا ضعفاء، فإذا زجره أو أهانه من هم فوقه، فرغ شحنات حقده فينا، وأنزل سخطه بنا.
- وأنتم صامتون؟! لا تحركون ساكنا؟!
- ماذا نفعل، فلا سند لنا، ولا ناصر لظلامتنا، وأنا كما تشاهدين رجلا عجوزا، شاخ جسدي، وانقضى عمري، وقد تجاوزت الخمس والستين سنة، ولا أعتقد أن هناك من يقبلني أعمل عنده فالتجأت إلى هذا السوق.
- لماذا تعمل وأنت بهذا الحال؟! أما آن لك أن تستريح وأنت في هذا العمر؟! ألا يكفيك شقاء سنوات ماضيك؟!
- يا بنتي.. إن بلغت أرذل العمر، وشارفت على انقضاء أجلي في هذه الدنيا، فلم تنقض مطالب عائلتي، وحاجات بناتي، وقد قطعت على نفسي عهدا، أن أكدح من أجهلن حتى آخر رمق في حياتي ورحمة الله تضللهن بعد موتي. "قالها ودموعه تنهمر كالسيل وهو يردد.. بناتي أماناتي في هذه الحياة، بناتي وديعتي حتى ألقاه.
- "ربتت ليلى على كتفه" وشاركته الدموع وهي تقول: أطال الله عمرك أيها الأب الطيب الكادح وأعانك على ما أنت فيه؛ ثم فتحت محفظتها، وعندما رآها أمسك بيديها لكي لا تفتح، فأقبلت على يديه تقبلهما، فبادلهما بأن رسم قبلة الحنو والدفء على يديها وقال:
- لا. لا يا عزيزتي.. لست متقاعسا، وأملي في الله وفي عرقي كبير ولست محتاجا لمساعدة ما دام هذا الرأس على الجسد وما دامت روحي تنبض بالحياة، وإذا مت فرحمة الله أوسع وهو الرزاق الكريم وافترقنا وأنا في ذهول فظيع كلما استعرضت شريط هذا الحادث المؤلم وترنحت بداخلي صورة، صورة، صورة، وهي تجوب في فضاء مخيلتي وتسبح في أجواء الواقع الوهم!! وأخذت أردد وأنا أسير على غير وعي.
- من لهؤلاء، ومن هم على شاكلتهم ليبعد عنهم شر الجناة والمتعسفين؟!
من لمثل هذا المجترئ المتجاوز؟؟
- من لهؤلاء الكادحين من أجل لقمة العيش، الذي يموتون ويحيون مرارا ليتعاطوا الحياة؟
- من يوقف تجاوزات الآثمين المتكررة في روض هذا التراب اليعربي الأشم؟
- من سيحميهم من تخبطاتهم الرعناء الملوثة بوشم الإهانة والاحتقار؟

كتبت في : أكتوبر 93



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: