» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:03 ص | عدد القراء: 1135


قلق الفضول

العقول مشوشة، والنفوس قلقة مضطربة غير مستقرة يوم أقبل الجمع لحضور الاجتماع الأول لتأسيس كيانهم الذي سعى لأجله السابقون قبل سنوات، وحاولوا غرس بذرته دون جدوى، ولكن الأيام خالفت حسابهم، والأحداث تقربت منهم محاباة وتلطفا، فاجتمعوا وهم لبعضهم منكرون.. يجهلون بعضهم البعض في طبائعهم، وقدراتهم وتوجهاتهم ورغم صعوبة التأسيس، وحرك البداية وقسوتها على النفس في فرض الوجود واحتلال الصدارة، إلا أن الأيام تكفلت بخلق الألفة، فعرفت الطبائع، وبانت القدرات، وتجلت المواقف والتوجهات، وبدأ العمل

بهمومه وطموحاته، كانت خطواته بطيئة ثقيلة صعبة، وأحيانا مستعصية، ولكن إصرار الأخوة خلق من الآمال والأماني والطموحات بستانا أخضر، سعى الجميع ولا يزالون لجني ثماره وتحقيق حصاده، فبالمغالبة والعزيمة والإصرار اختطوا الدرب وخلقوا النواة القوية رغم ما اختلط في النفوس من صعاب.
ومرت الشهور والأيام والعمل هذا حاله، لم يتحرك من موقع التأسيس إلى أطر العمل الواسعة إلا خطوات متثاقلة، وظلت الأماني والآمال خواطر مشوهة، وإشاعات باهتة، واستمر الحال على ما هو عليه والجهود المخلصة الفردية من هنا وهناك تتضافر لتضع مستقبلا أمثلا، لكن عظم الدور، وبعد التوجه، أسلم الجميع للإحساس بالعجز الفردي وضرورة التواجد الجماعي، وعلى إثرها اضطر ربابنة السفينة الثلاثة إلى تفجيرها واقعة مشهودة يجب ان يتحمل تبعاتها الجميع، فالسفينة شارفت على الغرق، والمواقف المنفردة دون رابط لا تجدي لتحقيق هذه الطموحات ولن ينقذ الجمع من الغرق الذي لا مفر منه إلا موقف حاسم سريع.. وكانت المواجهة ساخنة في إطار ودي صريح، وكانت معالجة التجاوزات في غاية التعقيد والصعوبة، لكنها خطوة انفتاح جزئية كان لها من الأثر ما أجج المشاعر، وحركها نحو الفهم الأوضح والأعمق، ورغم الإطار الودي إلا أن طبيعة المجادلة تفرض التوتر والاشمئزاز أحيانا، لكن في جو مفعم بالموضوعية والحوار العقلاني ظهرت هذه البداية الفاصلة لموقف حاسم، فعملت على الإبانة والتوضيح، ولكن الطاقة دون العمل فمحدودية القدرات والطاقات لا تزال هي العقبة الكؤود في وجه العمل، ورغم ذلك انطلقت الكلمة الداعية إلى المسامع واضحة، كان صداها مدويا ولكن ثمرها ليس بعد، فالنخوة لم تلامس الأذهان بعد، والمواقف تصدعت لظروف متعددة.. فاضطر الثلاثة بعد هذا كله إلى الأخذ بزمام الأمور، وتحمل المسئولية الشاقة على عاتقهم، كان هذا الجهد العنيد بمثابة صخرة أخرى جثمت فوق صدورهم فأضافت إلى همومهم هما، وضاعفت تجشمهم بالموقف الحرج فحاصرهم القبول، فتحملوا الدور على مضض وكره لا مفر منهما كان الإنفاق على تحمل المسئولية مدخلا قويا، وبداية موضوعية للانفتاح الواضح الصريح فيما بينهم، وتوطيد العلاقة المبنية على مبادئ الإيثار والتضحية والتفاني الذي زرعها الإخلاص الذي يتمتعون به وهم يخوضون معركة حادة، ويرسمون خطوط التأسيس واسعة، لكيان له دور وفاعلية وتأثيره، فإدراكهم دفعهم إلى التعاهد على العمل الجاد الدؤوب، وكان عهدا ثقيلا على حساب الأهل والأصدقاء والذات، ولكن عزيمة العمل والوعي بضرورته وقيمته كاتفت الجهود، أنست الجراحات والمعوقات، وجعلت اللهفة في تنام وازدياد واضحين، حتى نظر إليهم كمثلث متساو في أضلاعه وزواياه، لا يفرق بين أحدهم في العطاء والتضحية، وبلورة المواقف، وكم كانت أنفسهم تضطرب في كل ظرف ونائبة، يرون فيها الصراع، ودوامة الخلافات السائرة.. إلى الهاوية،. وكانوا عندما يختلفون تتصارع القيم في داخلهم، وكم يحسون ويتمتعون بحلاوة الأخوة ورعشة الألفة وهي تحيط بكيانهم فتنهمر دموعهم فرحا، وتطمئن قلوبهم اغتباطا، فيعيشون عندها ساعات يومهم متسامرين متقابلين في انس وهيام، وعلى حين غرة من واقع عملهم وهم في زحمة العمل وأوجه،، تسلمهم الأيام للشهر السابع من ولادة ها الكيان دونما تهيؤ أو استعداد فتذهلهم عجلة الزمن فيصرون على العطاء المتواصل بلا هوادة لينجزوا الواجب الذي تعهدوه فتراهم في شغل شاغل وعمل لا ينقطع، وبينما هم منهمكون في عملهم.. رفع أبو جاسم رأسه وهو يقول:
- أما آن لنا أن نخرج من صومعة العمل لنروّح عن أنفسنا؟
- أجابه أو محمد.. نعم يجب أن نخرج للعشاء.
استجاب ثالثهم أبو عبدالله للمطلب، وكانت هذه دائما رغبته ومطلبه، فقضاء ساعات الأنس مع الأحبة والأصدقاء لا توصف بهجتها.
استقل الثلاثة سيارة أحدهم، انطلقوا بها مسرعين بعد أن اتفقوا على أن يجلسوا كعادتهم في مقهى أحد الأحياء الشعبية البعيدة عن مكان عملهم الذي يتواجدون فيه عصرا، فهم من أماكن مختلفة ولكن المهنة وهمومهما وطموحها من دفعهم لذلك... فهم قد اعتادوا.. بعد عناء العمل وقضاء اليوم المكتظ بالمهام أن يركنوا إلى أحد المقاهي أو المطاعم للعشاء.

تجاذب الثلاثة أطراف الحديث في نواح شتى.. حتى استدرجهم للوقوف على تقييم عملهم الذي هم بصدده فقال أحدهم وهو أبو محمد:
- لقد سمعت عن مؤسستنا الكثير..
- أبو عبدالله: ما الذي سمعته؟
- أبو جاسم: اتركنا الآن من المؤسسة وهمومها، ألا يكفينا هذا العناء فنحن منذ الرابعة وها هي العاشرة مساء قد اقتربت.
- أبو عبدالله: دعه.. فرغم العناء الذي نحن فيه فإننا بحاجة ماسة لتقييم عملنا، وسماع ما يقال عنا.
- أبو محمد: كل ما هنالك أننا لسنا وحدنا في المؤسسة وإن ما يدور في المؤسسة سرعان ما تتلقفه الألسن وتلوكه في مجالسها.
- أبو عبدالله: وماذا في ذلك؟
- أبو محمد: ليس هناك من شيء ذي بال لو أن المنقول من الحديث صواب أو من مضانه الصحيح، بل المشكلة كامنة في الرتوش والنتوءات التي تظهر من هنا وهناك لتصبغ الحديث بأهواء وأمزجة المتحدثين.
- أبو جاسم: أي نتوءات هذه.. دعنا ممن العربية..
- أبو محمد: ببساطة نحن نعمل وغيرها يقيمنا بطريقته الخاصة
- أبو عبدالله: ما قصدت الاتهام بمعناه، ولكن الفضول الآدمي البغيض هو من يخترع هذه الإشاعات ويعمل على المزايدة والمبالغة في كثير من الأمور، وهذا هو داؤنا ..
- أبو جاسم: وما ذنبنا عندما لا يفهمنا الآخرون ! نحن نعمل في واقع واضح، و الكل يعرف ذلك فنحن في الظلام كخفافيش الليل، بل أقبلنا على العمل بعد أن تركه الآخرون .
- ترنم أبو محمد شاجبا: ومع هذا فواجبنا يحتم علينا أن نتخذ من السلوك و الممارسات ما يدعم مواقفنا و آراءنا الواضحة .. دونما التواء أو اعوجاج يفهمه الآخرون لقصور في ذواتهم، لكن لا نترك للفضول فرصة لمزاحمتنا .
- أبو جاسم : ماذا تريد ان تقول يا أبا محمد ..
- أبو محمد : أريد أن أقول إننا نعمل بإخلاص و حسن نية و الآخرون بدوافع مختلفة يقيمون و يفسرون أعمالنا بمزاجية تختلف في أحيان كثيرة عن تصوراتنا .
- أبو عبدالله : والحل كيف ترونه؟
- أبو محمد : ليس لدي موقف أو رأي واضح، ولكن التأمل والتأني و الرصد المستمر ستأخذ بنا إلى بر الأمان، وتعمل على اتخاذ الـلازم .. ولا تنسوا أننا في مؤسسة تربوية .
- أبو جاسم : وهل تريدنا أن نصبر إلى ان تلتهمنا الألسن وتحتوشنا الاتهامات المشيئة فنحشر فيما لا نحب؟!
- أبو عبدالله : لا تنزعج يا أبا محمد، فليس في إمكان أحد أن يرمينا بسهام جائرة، ما دمنا على وعي من عملنا ونعمل في إطار واضح ومحدد.. وباختصار شديد الواجب يدعونا لأن نأخذ الحيطة والحذر وان نقيم أعمالنا كما يجب، و إن هذا الفضول المتعالي بصيحاته هنا وهناك لن يكون مدويا أو مؤثرا إلا حال غفلتنا، فهو مع إيذائه لنا، إلا أنه سيدفعنا إلى الأجدى والأمثل، وكم نحن في حاجة لذلك، فقد استحوذت علينا مشاكلنا الداخلية حتى أنستنا محيطنا الفضولي .. الذي يشرأب عنقه بين الفينة والأخرى ليطل علينا، ولكنه لن يلامس الواقع أو يفهم الحقيقة، فالفضول عادة ما يلامس القشور دون اللباب، فلا تقلقا، وكونا على يقين من عون الله وسنده، وافترقنا بعد أن ودع كل منا صاحبه بعناق الود ودموع الرضا .

كتبت في : أكتوبر 92



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: