» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 9:24 ص | عدد القراء: 822



أسئلة وأجوبة ( 16 )

الموضوع : أجوبة الأستاذ عبد الوهاب حسين علي بعض الأسئلة التي وردت إليه .
التاريخ : 3 / صفر / 1426 هـ .
الموافق : 14 / مارس - آذار / 2005م .
ملاحظة : لقد قطع الأستاذ إجازة التوقف الاختياري عن الكتابة من اجل الراحة ، وذلك نظرا لأهمية بعض الأسئلة التي تشغل الرأي العام المحلي .

السؤال ( 1 ) : ما هو تعليق الأستاذ على ما تثيره السلطة في الوقت الحاضر من ضجة حول ( رفع ) ما أطلقت عليه : ( صور لرموز خارجية ) في عاشوراء ؟

الجواب ( 1 ) : وفيه عدة نقاط ..



النقطة الأولى : في القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تأكيد على الوحدة التاريخية والجغرافية للأمة الإسلامية .. وهذا ما يجمع عليه المسلمون .

أما الوحدة التاريخية : فتعني أن أتباع الأنباء ( عليهم السلام ) على امتداد التاريخ : من لدن آدم ( عليه السلام ) وحتى أن يرث الله ( جل جلاله ) الأرض ومن عليها .. هم أمة واحدة ، وأن دينهم الإسلام .

وإذا تأملنا جيدا في هذه الوحدة ، نجد أنها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الإيمان برموزها القيادية والتمسك بهم .. مثل : الإيمان بنبوة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد والتمسك بمرجعيتهم ( عليهم السلام ) ، وبغير ذلك لا يمكن أن تتحقق الوحدة التاريخية للأمة الإسلامية على امتداد التاريخ .

قال الله تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } ( البقرة : 258 ) .

وجاء في زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " السلام عليك يا وارث آدم صفة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ، السلام عليك يا وارث علي أمير المؤمنين ولي الله ، السلام عليك يا وارث الحسن الشهيد سبط رسول الله " .

فالإيمان بهذه الرموز القيادية والتمسك بها : هو السبيل الوحيد إلى تحقيق الوحدة التاريخية للأمة الإسلامية على امتداد تاريخها الطويل .

وأما الوحدة الجغرافية : فتعني أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وراء الحدود الجغرافية والسياسية في الزمن الواحد .

وإذا تأملنا في هذه الوحدة ، نجد بأنها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الإيمان والتمسك بالرموز الروحية والسياسية القيادية التي تمثلها على المستوى العالمي ، وبغير ذلك لا يمكن أن تتحقق الوحدة للأمة الإسلامية في شتى بقاع الأرض ، وراء الحدود الجغرافية والسياسية في العالم .

أضف إلى ذلك : أن التمسك بتلك الرموز يعطي للأمة حضورها الفكري والسياسي الفاعل على الساحة الدولية ، فتكون لها أطروحاتها الفكرية والسياسية على المستوى الدولي .. ويكون لها دورها كذلك .

ونخلص من ذلك إلى النتيجة التالية : أن ما تطرحه السلطة في البحرين ، يدخل ضمن المساعي والأجندة الهادفة إلى تجزئة الأمة الإسلامية وتهميش دورها .. قصدت ذلك أم لم تقصده ، وليس لذلك أية علاقة بالولاء للوطن .. لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار : عدم حصر مرجعية التقليد في الحدود الجغرافية والسياسية ، والمطلوب من السلطة في البحرين التراجع عن هذه الأطروحة الخاطئة .. مع التأكيد : أنها مهما أصرت فلن تنجح في تحقيق ما تريد ، ولن تجني من وراء إصرارها ومساعيها إلا الأشواك !!

النقطة الثانية : أرى بأن وراء أطروحة السلطة في البحرين لموضوع ( رفع ) ما أطلقت عليه : ( الصور لرموز خارجية ) في عاشوراء .. أهداف سياسية غير واقعية ، لا سيما وأننا لم نجد في عاشوراء هذا العام أي اختلاف لدى الناس في هذا الموضوع عن السنوات الماضية ، وأن بعض أهداف السلطة السياسية : يدخل ضمن الأجندة الأمريكية في المنطقة ، والتي نرى ونقرأ بعض مشاهدها في لبنان والتهديد لإيران وسوريا .. بل هي تعبير صريح عن جوهر هذه الأجندة ، وليس مجرد ركوب الموجة - كما يرى البعض - لتحقيق أهدافها السياسية الخاصة بها .

وأتوقع التالي في البحرين على ضوء ما يحدث حاليا فيها :

أن السلطة سوف تسعي لتحقيق بعض التقدم في ملف البطالة والخدمات في القرى والمدن ، وإجراء بعض التعديلات الدستورية ، من أجل كسب ثقة المواطنين الشيعة وتطمينهم .. ومطالبتهم بثمن ذلك : الاهتمام بأوضاعهم وشؤونهم الداخلية ، وقطع صلتهم الروحية بإيران وحزب الله ، وعدم التعاطف معهم في حال تعرضهم للاعتداءات الأمريكية الغاشمة ، ويعتبر تصعيد السلطة وأطروحاتها هذه في الوقت الحاضر تمهيدا لذلك .

وأنبه السلطة في البحرين : بأن الشعب المسلم في البحرين لن يسايرها في انجرارها وراء الأجندة والسياسة الأمريكية الاستكبارية ، ونطالبها بتطوير علاقتها مع إيران .. نظرا : لأنها أكبر دولة جارة في الخليج ، وللعلاقات الدينية والتاريخية التي تربطنا معها ، ولأهميتها في استقرارنا الأمني والسياسي ومصالحنا الاقتصادية ، وأن العلاقة معها أهم لنا دينيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا من العلاقة مع أمريكا الاستعمارية .

النقطة الثالثة : أرى بأن تصعيد السلطة في الوقت الراهن ، وأطروحاتها حول ( رفع ) ما أطلقت عليه : ( صور لرموز خارجية ) في عاشوراء .. ترتبط إلى درجة عالية : بما يشهده الشارع البحريني من تصعيد وجدية في المطالبة بحقوقه العادلة المشروعة ، وحمل ملفاته إلى المؤسسات الدولية ذات العلاقة ، وأن السلطة بدلا من مواجهة ذلك بالواقعية السياسية : تحاول أن تربط هذه الحركة بالخارج كما فعلت مع الانتفاضة الشعبية المباركة في التسعينيات من القرن المنصرم .

وأنبه السلطة في البحرين : أن ذلك لن ينفعها عمليا بشيء ، كما لم ينفعها من قبل مع الانتفاضة المباركة ، والمطلوب منها : التعامل بواقعية مع الحركة الشعبية ، والاستجابة لمطالب الشعب العادلة المشروعة ، وعدم تهديد الأمن والاستقرار في البلد ، وتضييع الوقت على أبناء الشعب فيما يتعلق بمصالحهم الجوهرية .

كما أنبه بعض الأشخاص الذين صرحوا وعلقوا على أطروحات السلطة باسم الطائفة ومؤسساتها حول ( رفع ) ما أطلقت عليه السلطة ( صور لرموز خارجية ) في موسم عاشوراء : بأن بعض تصريحاتهم تفتقد إلى الرؤية الواضحة والبعد الاستراتيجي ، وأنها واقعة تحت تأثير الضعف البشري .. وأسألهم : أن لا يحملوا أنفسهم وأبناء طائفتهم فوق طاقتهم .

السؤال ( 2 ) : يطالب البعض المعارضة في البحرين بعدم التعرض بالنقد لأمريكا واستعدائها في الوقت الراهن ، لأننا بحاجة إليها في تحقيق مطالبنا
السياسية الوطنية . ما هو تعليق الأستاذ عبد الوهاب حسين على ذلك ؟

الجواب ( 2 ) : وفيه عدة نقاط ..

النقطة الأولى : لقد أشرت في مناسبات عديدة إلى ضرورة استقلال النضال الوطني ، وبينت أن ذلك لازم لحفظ هويتنا ومصالحنا الوطنية ، وأوضحت بأن ذلك لا يعني عدم الاستفادة من الظروف المؤاتية محليا وإقليميا ودوليا .. أي كان مصدرها ، والاستفادة من العلاقات الخارجية الشرعية القائمة على أساس التكافؤ والمصالح المشتركة لخدمة قضايانا الوطنية .

النقطة الثانية : إن السياسة الأمريكية جادة في تجزئة العالمين : العربي والإسلامي وتهميشهما ، وفصل قضايا شعوبهما عن بعضها البعض لإضعافها والانفراد بها واحدا تلو الأخر . والمطلوب منا إسلاميا وعربيا : أن نحذر من هذه السياسية الاستكبارية الاستعمارية الخبيثة ، وأن لا نتيح لها فرصة التطبيق على أرض الواقع ، وفي الوقت الذي نهتم بقضايانا الوطنية آو المحلية ونركز عليها ، فإنه ينبغي علينا : أن لا نغفل عن الطرح والمواقف المشتركة لخدمة المصالح والقضايا العربية والإسلامية العامة ، ولمواجهة المخططات العالمية الاستكبارية الأمريكية وغير الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي .

النقطة الثالثة : أن الإدارة الأمريكية الحالية إدارة مؤدلجة ، و حساباتها الأيديولوجية مقدمة على حساباتها السياسية ، وأن المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط ذو أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية مناهض للمشروع العربي والإسلامي . وقد طالب بوش في بروكسل في أول زيارة أوربية له في ولايته الثانية ، طالب الحكومات العربية : بإصلاح المناهج الدراسية ومقاومة التطرف ، وإطلاق الحريات ( بالمفهوم الغربي طبعا ) وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني . وهذه المطالب تمثل المحاور السياسية الرئيسية للمشروع الأمريكي في المنطقة ، وهي محاور مناهضة للمشروع : العربي والإسلامي ، وأنها تمثل حزمة واحدة لا يمكن تجزئتها ، ولهذا فأمريكا لم تلتفت للأسس الديمقراطية ولرغبة الأكثرية في لبنان ، لأنها على خلاف أجندتها ، وأنها تسعى هناك لقلب الموازين بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني ، وتسهيل تطبيع العلاقة معه ، وفرض هيمنته على المنطقة برمتها .

وفي البحرين : وقفت أمريكا إلى صف السلطة رغم انقلابها السافر والخطير على الدستور وميثاق العمل الوطني وتراجعاتها في مشروع الإصلاح ، وفي وسع أمريكا لو كانت تريد دعم الديمقراطية ، أن تطالب السلطة في البحرين بأن تلتزم ب( دستور : 1973 ) وميثاق العمل الوطني على أقل تقدير .. ولم تفعل ذلك ، وإنما فعلت العكس : فقد امتدحت السلطة في البحرين وأثنت على مشروعها ، وغضت النظر عن انقلابها على الدستور العقدي وميثاق العمل الوطني وتراجعاتها السافرة والخطيرة في المشروع الإصلاحي .

النقطة الرابعة : المسلمون مكلفون شرعا بحمل المشروع الرسالي الإسلامي إلى العالم ، وهو مشروع السماء إلى الأرض ، وبه تعرف هويتهم ومكانتهم ودورهم في العالم ، وبدونه يفقدون هويتهم ومكانتهم ودورهم العالمي .

قال الله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) .

وأمريكا لا تريد الحوار معنا ، وإنما تريد سحق المشروع الإسلامي لصالح مشروعها الاستكباري ، والمطلوب منا : مواجهتها وعدم تمكينها من تطبيق مشروعها الاستكباري في العالمين : العربي والإسلامي ، وأن نتحمل مسؤوليتنا الدينية والإنسانية تجاه المشروع الإسلامي في الداخل والتبشير به في الخارج ، من أجل المحافظة على هويتنا وكرامتنا واستقلالنا ومصالحنا ، ومن أجل إنسانية الإنسان على وجه الأرض ، وسعادته في الدنيا والآخرة ، لا أن نتلقى المشروع الأمريكي بالترحاب من أجل بعض المصالح المادية الدنيئة ، على حساب المصالح الوطنية الجوهرية والمشروع الإسلامي العظيم .

وأذكر هنا بقول الله تبارك وتعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } ( العنكبوت : 41 ) .

وقد أوضحت في النقطة الأولى : أن استقلالية النضال الوطني لا تعني عدم الاستفادة من الظروف المؤاتية والعلاقات المشروعة مع الأطراف الخارجية القائمة على أساس التكافؤ والمصالح المشروعة المشتركة .

النقطة الخامسة : موجهة إلى الرموز والقيادات الإسلامية على وجه الخصوص .. وفيها : أن السماح للمشاريع غير الإسلامية بالسيطرة على الساحات الإسلامية على حساب المشروع الإسلامي العظيم ، وما يترتب علي ذلك من تعطيل المفاهيم والأحكام الإسلامية عن التطبيق ، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج خطيرة يجب عليهم أن يأخذوها بعين الاعتبار .. أهمها :

أولا : عدم القدرة على فهم الإسلام فهما صحيحا ، وصياغة مفاهيمه وأحكامه صياغة واقعية واضحة .

ثانيا : سلب الواقع بعده الإنساني ، وعدم إتاحة الفرصة لتقييمه وتطويره على أساس فكري رباني .

ثالثا : تضييع القيمة العملية والإنتاجية للمشروع الإسلامي كمنهج رباني للحياة ، وأخذه في صورة مجردة بعيدة عن الواقع وهموم الناس ، وحبسه في الغرف المغلقة من أجل الدرس من الأوراق وبطون الكتب ، مما يؤدي بالضرورة إلى تخلفه ، وعدم قدرته على خدمة الإنسان والحياة ، وهذا خلاف الغاية من وجوده قطعا .

والخلاصة : أن الدعوة إلى عدم التعرض بالنقد لأمريكا وعدم استعدائها نظرا لحاجتنا إليها في تحقيق مطالبنا السياسية ، تتسم بالسطحية السياسية وقصر النظر .. على خلاف إدعاء أصحابها ، والغفلة الثقافية والجهل بحركة التاريخ وفلسفته ، والتجرد من البعد الحضاري والرسالي .. وقد أوضحت الموقف منها فيما سبق من النقاط .

السؤال ( 3 ) : ما هو تعليق الأستاذ على الاعتقالات الأخيرة ؟

الجواب ( 3 ) : لقد قلت في ندوة أقيمة بمناسبة الإغلاق الأول لبحرين أون لاين ومواقع الكترونية أخرى : " اليوم تغلق المواقع الالكترونية ، وغدا تفتح أبواب السجون " وذلك يقوم على أساس معادلة واضحة .. وهي : أن دستور ( 2002 ) أسس لنظام استبدادي ، والاستبداد يضيق دائما بالحريات ، وقد توالت مساعي السلطة وتنوعت للتضييق على حرية التعبير ، وتعددت اعتقالات أصحاب الرأي ، وسوف تتسع الدائرة كثيرا كلما تقدمت الأيام وتصاعدت حركة المطالبة بالحقوق الشعبية العادلة ، ما لم يحصل التقدم في حل المسألة الدستورية وإصلاح المؤسسة البرلمانية وتطويرها .

والخلاصة : أن دستور ( 2002 ) أسس لنظام استبدادي وصادر الحقوق والمكاسب الشعبية ، وأقام مؤسسات مشلولة ، وقضى على فرص الحراك السياسي والتنموي في البلاد ، وهذا من شأنه أن يهدد الاستقرار الأمني والسياسي ، وقد بدأت بوادر عدم الاستقرار بالظهور ، وعلى السلطة أن تتدارك الأمر قبل أن تتسع الرقعة على الراقع .

السؤال ( 4 ) : لقد سمعنا في عاشوراء من الخطباء أطروحات متناقضة حول ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .. منها : أن بعض الخطباء يقول : بأن الإمام الحسين ( عليه السلام ) خرج من اجل السيطرة على الحكم ، وبعضهم يقول : أنه ( عليه السلام ) كان يعلم بشهادته قبل خروجه ، وانه خرج من أجل الشهادة . ما هو رأي الأستاذ ؟

الجواب ( 4 ) : التناقض في الأطروحات المذكورة ، ناتج عن الخلط بين ثلاث مسائل وعدم التمييز بينها .. وهي :

المسألة الأولى : أن الأئمة ( عليهم السلام ) هم خلفاء الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأنهم أصحاب الحق الوحيدين في حكم الأمة الإسلامية ، وقد أوضحوا ذلك بكل جلاء ووضوح ، ولم يتركوا فيه أي لبس ، ومن ذلك قول الإمام الحسين ( عليه السلام ) للوليد بن عتبه والي يزيد على المدينة المنورة : " أيها الأمير ! إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة " .
( مقتل الحسين . المقرم . ص 139 ) .

وعلى هذا : فإن مطالبة أهل البيت ( عليهم السلام ) بالحكم وسعيهم إليه ، لا ينتقص من مكانتهم المعنوية وزهدهم في الدنيا ، بل هو حق لهم ، وواجب عليهم .. إذا توفرت الشروط الموضوعية ، وأن ذلك ليس من أجل الرئاسة والمنافسة عليها أو الحرص على زخارف الدنيا الفانية وحطامها الزائل ، وإنما هو من أجل الله ( عز وجل ) وفي سبيله .

المسألة الثانية : ثمة دورين رئيسيين للأئمة ( عليهم السلام ) شأنهم في ذلك شأن الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأنبياء المرسلين ( عليهم السلام ) .. وهما : الهداية والحكم .

أما الهداية : فهي غير قابلة للتعطيل ، فالنبي أو الأمام يستطيع أن يقوم بهذا الدور رغم معارضة قومه له ، ولا يستطيع أحد أن يوقفه عن ممارسة هذا الدور ، كما فعل نبي الله نوح ( عليه السلام ) .. قال : { إني دعوت قومي ليلا ونهارا } { ثم إني دعوتهم جهارا . ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرار } .

كما يستطيع كل واحد من قومه أن يؤمن به ويأخذ من عنده كما فعل مؤمن آل فرعون ، وكما فعل المسلمون في مكة المكرمة في بدأ الدعوة .. رغم إيذاء المشركين لهم ، وكما يفعل الشيعة في الإيمان بإمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) والأخذ منهم .

وأما الحكم : فهو قابل للتعطيل من قبل المعارضين كما كان حال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة المكرمة في بدأ الدعوة ، وقد وصل الحال أن حاصره المشركون مع المؤمنين به في الشعب ، وهكذا كان حال الأئمة ( عليهم السلام ) .

وفي هذه الحالة : يحق للأئمة ( عليهم السلام ) المطالبة والسعي للسيطرة على الحكم .. إذا توفرت الشروط الموضوعية .

ومن الناحية العملية : لم يسعى الأئمة ( عليهم السلام ) للسيطرة على الحكم ، وذلك لعدم توفر الشروط الموضوعية ، ولمزاحمة القيام بهذا الدور مع الدور الأهم .. وهو : الهداية ، وعلى حسابه ، وقد أوضحت ذلك بالتفصيل في مناسبات عديدة .

المسألة الثالثة : لقد أكد الأمام الحسين ( عليه السلام ) حقه في الحكم ، وتكليفه الديني الخاص كإمام والعام كأحد أبناء الأمة في المطالبة بالإصلاح الديني والسياسي والاقتصادي في الأمة الإسلامية والسعي من أجل ذلك ، غير أن المتتبع لسيرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) من أول خروجه من المدينة المنورة ، وحتى وصوله إلى كربلاء المقدسة ، لا يجد أنه كان يتبع تكتيك السيطرة على الحكم ، وإنما تسطير ملحة الشهادة ، وهكذا كانت تصريحاته ، لأنه كان يعلم بأن الشهادة هي الطريق الوحيد إلى الإصلاح المطلوب في الأمة الإسلامية في ذلك الوقت .. لأسباب يصعب حصرها في هذه العجالة ، وقد أخبر الرسول العظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بشهادته ( عليه السلام ) في كربلاء .. وبكاه .

قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأخيه محمد بن الحنفية : " شاء الله أن يراني قتيلا ، ويرى النساء سبايا " ( مقتل الحسين . المقرم . ص 56 ) .

وقال ( عليه السلام ) لأم المؤمنين أم سلمة : " إني أعلم اليوم الذي أقتل فيه ، والساعة التي أقتل فيها ، وأعلم من يقتل من أهل بيتي وأصحابي "
( نفس المصدر ) .

وكان يعتقد ( عليه السلام ) بأن شهادته فتحا كما جاء في كتابه إلى بني هاشم .. قال : " من لحق بنا منكم استشهد ، ومن تخلف لم يبلغ الفتح " .
( نفس المصدر . ص 58 ) .

مما يدلل على تقديره لأهمية شهادته ( عليه السلام ) ودورها في تحقيق الإصلاح الذي أعلن بأنه الهدف من خروجه .

قال ( عليه السلام ) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية : " وإني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم " .
( مقتل الحسين . المقرم . ص 151 ) .

السؤال ( 5 ) : جاء على لسان الكثير من الخطباء والمفكرين الشيعة في تفسير سلوك المسلمين مع الأئمة عليهم السلام في زمانهم : أن معظم أبناء الأمة الإسلامية لم يكونوا يعرفون إمامة أهل البيت وعصمتهم ( عليهم السلام ) في ذلك الوقت .. حتى الشيعة منهم .

ويقول صاحب السؤال : أنه يترتب على ذلك : أن المسلمين معذورين في عدم إتباعهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) وأن الكثير مما يقال عنهم وعن عصمتهم أمر مستحدث . فما هو جواب الأستاذ ؟

الجواب ( 5 ) : يجب التمييز بين أمرين .. وهما :

الأمر الأول : معرفة التكليف .
الأمر الثاني : معرفة الحقيقة .

وهذا التمييز يدخل في موضوع النبوة والإمامة .. والشعائر أيضا .

فالمسلمون على عهد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعلمون بنبوته ووجوب طاعته ، ولكن معظمهم يجهلون حقيقة النبوة ومكانته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولهذا نجد بعضهم يتصرف معه تصرفات غير لائقة بمقامه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان القرآن الكريم كثيرا ما ينبههم إلا ذلك .. كما في سورتي الفتح والحجرات .

وهذا ما ينطبق على الأئمة ( عليهم السلام ) : فالتكليف بوجوب إتباعهم بعد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان في غاية الوضوح ، كما تدل على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة ، غير أن المعرفة بحقيقة الإمامة لم تكن معروفة لدى أغلب المسلمين والمؤمنين .. ولا تزال كذلك ، وأن المعرفة بها نسبية تختلف من مؤمن لآخر .. كل حسب علمه .

وهذا ما ينطبق أيضا على الشعائر مثل الصلاة والصيام والحج : فالتكليف بها معروف لجميع المسلمين ، ولكن العلم بحكمها ( من الحكمة ) وأسرارها لا يعرفها إلا القليل منهم ، وأن معرفتهم بها نسبية تختلف من مؤمن لآخر .. كل حسب علمه .

أكتفي بهذا المقدار ..
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم ..
واستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء ..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: