» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



11/09/2008م - 6:57 م | عدد القراء: 1526


كلمة الأستاذ في مولد الإمام الحسين عليه السلام

الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .
العنوان : وقفات مع الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى الشهادة .
المكان ( 1 ) : قرية جبلة حبشي - حسينية فاطمة الزهراء ( ع ) .
اليوم : مساء الجمعة - ليلة السبت .
التاريخ : 3/ شعبان / 1425 هـ .
الموافق : 17 / سبتمبر - أيلول / 2004 م .
المكان ( 2 ) : النعيم - ساحة مسجد الشيخ يعقوب .
اليوم : مساء الأحد - ليلة الاثنين .
التاريخ : 5 / شعبان / 1425 هـ .
الموافق : 19 / سبتمبر - أيلول / 2004 م .
ملاحظة : ألقيت خلاصة الكلمة موزعة في المكانين المذكورين .


أعوذ الله السميع العليم من شر نفسي الأمارة بالسوء ، ومن شر الشيطان الرجيم .
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين .

اللهم صل على النبي المصطفى محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
اللهم أرحمنا بمحمد وآل محمد ، وأهدي قلوبنا بمحمد وآل محمد ، وعرف بيننا وبين محمد وآل محمد ، واجمع بيننا وبين محمد وآل محمد ، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآل محمد طرفة عين أبداً في الدنيا والآخرة .. يا كريم .
اللهم معهم .. معهم .. لا مع أعدائهم .



السلام عليكم أيها الأحبة ...
أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .

في البداية : أرفع أسمى التهاني إلى مقام إمامنا ومولانا وسيدنا وشفيعنا يوم القيامة الحجة بن الحسن العسكري ( أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ) وإلى مقامات مراجع الأمة وفقهائها وعلمائها ، وإلى كافة المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .. وإليكم - أيها الأحبة الأعزاء - بمناسبة الذكرى السنوية للمولد المبارك لسبط الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .. الإمام الشهيد : ( الحسين بن علي بن أبي طالب ) عليه السلام .

وكما هو في العنوان : سوف تكون لنا وقفات مع الإمام الحسين عليه السلام في طريقه الذي شقه إلى الشهادة والفوز العظيم ، لنستلهم منها الدروس والعبر في حياتنا وطريقنا إلى الله ذي الجلال والإكرام .

الوقفة الأولى - التاريخ السياسي قبل الإمامة : ولد الإمام الحسين عليه السلام بتاريخ : ( 3 / شعبان / 4 هـ ) وكان في السابعة والنصف من عمره الشريف حينما توفي جده الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الاثنين بتاريخ : ( 28 / صفر / 11 هـ ) ، ولم يسجل لنا التاريخ مشاركاته في الشأن العام .. إلا في عهد الخليفة الثالث ( عثمان بن عفان ) ، حيث اشترك مع أخيه الحسن عليهما السلام في بعض الغزوات في أفريقا وبلاد فارس ، كما اشترك مع أخيه الحسن عليهما السلام في حماية ( عثمان بن عفان ) من الثوار .. لكي لا يقتلوه ، حيث وقفا بأمر والدهما أمير المؤمنين ( علي بن أبي طالب - عليه السلام ) على باب داره ليصدا الثوار عنه ، وقد تهيب الثوار من الدخول على ( عثمان ) من الباب الذي يقف عليه الحسنان عليهما السلام ، فتسلقوا الجدران ودخلوا عليه بيته وقتلوه . واشترك مع أبيه عليهما السلام خلال خلافته في كافة الشؤون السياسية والإدارية والعسكرية ، فقد شارك في حروب أبيه .. الثلاث : الجمل وصفين والنهروان . وبايع أخيه الإمام الحسن بعد شهادة أبيه عليهم السلام جميعا .. في : ( 21 / رمضان / 40 هـ ) ، ووقف إلى صفه في جميع التدابير السياسية والعسكرية في كل المراحل .. ولم يخالفه في شيء من أموره - على خلاف ما يزعم بعض المؤرخين - وكان شديد الاحترام والتقدير لأخيه عليهما السلام ، حتى أنه لا يتكلم في المجلس الذي يكون أخوه الإمام الحسن عليهما السلام .. حاضرا فيه . وتسلم الإمامة بعد وفاة أخيه الإمام الحسن عليهما السلام .. بتاريخ : ( 25 / ربيع الأول / 50 هـ ) .

الدروس التي نستفيدها من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : لقد كان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام مختلفين فكريا وسياسيا مع الخلفاء ، إلا أن ذلك لم يمنعهم عليهم السلام من العمل مع الخلفاء على كافة الأصعدة السياسية والثقافية والعسكرية .. وغيرها لتحقيق الأهداف المشتركة ، كما لم يمنعهم العمل المشترك مع الخلفاء من التحرك على أجندتهم التي ينفردون بها من موقع الإمامة التي نصبهم الله رب العالمين فيها لتحقيق الأهداف الرسالية في الساحة الإسلامية الكبيرة ، وهذا الدرس في غاية الأهمية لفهم حقيقة وأبعاد الدعوة للوحدة الإسلامية ، وقواعد التحالفات بين القوى السياسية وعملها المشترك .

الدرس الثاني : ضرورة مشاركة الشباب المسلم واهتمامهم بالشؤون العامة للمسلمين ، وتربيتهم على ذلك وإفساح المجال لهم للعمل والتعبير عن أنفسهم وتوظيف طاقاتهم ومواهبهم في خدمة الدين والوطن ، فهم القوة الفاعلة والضاربة في المجتمع والأمة ، وهم أمل المستقبل وصانعوه . وفي الحديث الشريف عن الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .. أنه قال : " من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم " .

الدرس الثالث : ضرورة توافق القيادات وتنظيم الحالة القيادية وتأطيرها وضبط آليات عملها واتخاذها القرار ، كشرط من شروط المحافظة على وحدة صف الأمة وقوتها - كما كان الحال بين الإمامين الحسنين عليهما السلام - فإذا وجد في أي ساحة إسلامية أكثر من رمز قيادي واحد ، ولم يوجد بينهم التنسيق والتعاون وضبط آليات اتخاذ القرار ، فسوف يؤول أمر الأمة إلى الشتات والضعف والفشل كما هو حادث فعلا في الكثير من بلاد المسلمين .

الجدير بالذكر : أن القيادات الدينية تأخذ على الحكام الظلمة المستبدين تجزأتهم للأمة الإسلامية .. وتمزيقها ، من أجل مصالحهم الذاتية على حساب مصلحة الدين ومصالح الأمة الجوهرية في الدين والدنيا ، ولم يأخذوا على أنفسهم فشلهم في توحيد صفوفهم وعملهم المشترك .. وهم الأتقياء والحريصون على الدين ومصالح المؤمنين !! مما يجعل الأمة حائرة في أمر الحكومات والعلماء والقيادات الدينية على حد سواء !!

الدرس الرابع : ضرورة الحذر من الإعلام المضاد ومساعيه لخلق النزاعات بين القيادات الرسالية والوطنية الشريفة ، والعمل على تضليل الجماهير وتعمية الحقيقة عليها.

فقد سعت وسائل الإعلام الأموي إلى تشويه حقيقة العلاقة بين الحسنين عليهما السلام ، فأشاعت بأن الإمام الحسين عليه السلام كان رافضاً لصلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية ، حتى قال الإمام الحسن لأخيه الإمام الحسين عليهما السلام : " لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطينه عليك حتى أقضي بشأني هذا وأفرغ منه ثم أخرجك منه " - على حسب زعم ابن كثير في البداية والنهاية - وذلك من أجل الإساءة إلى الأئمة من أهل البيت عليهم السلام عامة ، ولتشويه صورة ثورة الإمام الحسين عليه السلام خاصة ، واتهامه بالتطرف وعدم الاعتدال ، على خلاف ما كان عليه أخيه الإمام الحسن عليهما السلام .

وذلك أن وسائل الإعلام الأموي نقلت عن الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .. قوله عن ابنه الحسن عليه السلام : " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتن من المسلمين " ولازم ذلك : أن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن مصيباً في موقفه من صلح أخيه الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية .. وأيضا : لم يكن مصيباً في ثورته ضد يزيد عليه أللعنة الدائمة والعذاب الأليم أبد الآبدين .

الوقفة الثانية - خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة : لقد امتنع الإمام الحسين عليه السلام عن البيعة ( ليزيد ) بولاية العهد يوم حاول أبوه ( معاوية بن أبي سفيان ) أن يأخذها له في المدينة ، رغم مراوغة معاوية ومحاولته خداع رموز المعارضة الرئيسية .. وهم : ( الإمام الحسين عليه السلام ) و ( عبد الله بن عمر ) و ( عبد الله بن الزبير ) و ( وعبد الرحمن بن أبي بكر ) بقوله : " إن الأمر لكم والتخطيط بيدكم وليس ليزيد من الخلافة إلا الاسم " إلا أنهم لم ينخدعوا وطلبوا منه أن يأخذ بأحد الخيارين الذين عمل بهما الخليفتين : الأول والثاني ، فرفض ذلك وغضب عليهم ، ولجأ إلى خديعة المسلمين ، وذلك بأن أوقف في المسجد على رأس كل واحد من رموز المعارضة الرئيسية سيافا وأمره بضرب عنق من يعارضه منهم ولو بكلمة واحدة .. وخطب وقال : أنه عرض ولاية عهد ابنه ( يزيد ) عليهم على أن لا يقطع دونهم أمراً ولا يقضي بغير رأيهم حاجة فوافقوه على ذلك ، ولم يتكلم الأربعة لأن السيوف كانت مشهورة على رؤوسهم ، فظن الناس صدق مقالة معاوية .. فبايعوا ، وتم لمعاوية ما أراد بهذا النوع من التضليل والخداع ، وهو الأسلوب الذي يلجأ إليه حكام الدنيا دائماً لتحقيق أهدافهم السياسية غير المشروعة .

ولما توفى معاوية في : ( 15 / رجب / 60 هـ ) سعى ابنه ( يزيد ) لانتزاع الاعتراف من الإمام الحسين عليه السلام بشرعية ملكه ، وكتب إلى عامله على المدينة ( الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) أن يأخذ له البيعة من الإمام الحسين عليه السلام خاصة ومن الناس عامة ، وأكد عليه أن يأخذ الإمام الحسين عليه السلام أخذاً شديداً لا هوادة فيه ولا رجعة .. حتى يبايع ، وقد أشار ( مروان بن الحكم ) على الوالي .. أن يدعو الإمام الحسين عليه السلام إلى داره ، فإن بايع وإلا يضرب عنقه .

وكانت ( لمروان بن الحكم ) أغراض سياسية خاصة .. منها : حقده على أهل البيت عليهم السلام .. وطموحه في الحكم ، وذلك بأن يستثمر النتائج السلبية المترتبة بصورة حتمية على قتل الإمام الحسين عليه السلام لصالحه .

فلما ذهب الإمام الحسين عليه السلام إلى دار ( الوليد ) وقد اتخذ الاحتياطيات اللازمة للحالات الطارئة المتوقع ظهورها في تطورات الموقف ، بأن اخذ معه إخوته وبني عمومته ومواليه وطلب منهم الوقوف خلف الباب لا يبرحوها حتى يخرج إليهم .. وأوصاهم : " إذا سمعتم صوتي قد ارتفع من داخل الدار فاقتحموها " .

فلما دخل الدار نعى إليه ( الوليد ) موت ( معاوية ) ثم قرأ عليه كتاب ( يزيد ) وطلب منه البيعة .. فقال الإمام الحسين عليه السلام : " مثلي لا يبايع سرا ، فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم .. فكان أمرا واحدا " فقبل ( الوليد ) العرض .. وقال : " انصرف يا أبى عبد الله راشداً وموعدنا غداً المسجد " ، فتدخل مروان - وكان حاضراً - وقال : " إن فارقك الساعة ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتل بينكم ، ولكن احبس الرجل حتى يبايع أو تضرب عنقه " فغضب الإمام الحسين عليه السلام على ( مروان ) واحتدم النقاش بينهما ، وأعلن الإمام الحسين عليه السلام عن موقفه بصراحة .. فقال : " إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة " وكان قد ارتفع صوته ، فدخل أهل بيته وخلصوه .

وفي هذه الليلة بعد خروجه من دار ( الوليد ) زار الإمام الحسين عليه السلام قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاره أيضا في الليلة الثانية .. وصلى ركعات ، وعند الصبح وضع رأسه على القبر الشريف فغفا فرأى جده رسول الله صلى الله عليه في المنام .. فأخبره بما يجري عليه في كربلاء ، وأخذ الإمام الحسين عليه السلام يستعد للخروج من المدينة المنورة ، و خرج منها ليلة الأحد : ( 28 / رجب / 60 هـ ) ومعه بنوه وأخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته وعياله وبني عمومته وبعض أصحابه .. متجها إلى مكة المكرمة ، وهو يتلو قول الله تعالى : { فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } ( القصص : 21 ) .

ومضى في طريقه إلى مكة في الأشهر التي يخرج فيها المسلمون لأداء العمرة والحج ، وقد سلك الطريق الجادة التي اعتاد الناس أن يسلكوها .. فقيل له : " هل تنكبت الطريق ؟ " فأبى أن يظهر خوفا أو عجزا وأن يسير على غير الجادة .. وقال : " والله لا أفارق الطريق الأعظم حتى يقضي الله ما هو قاض " .

الدروس التي نستفيدها من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : يجب أن يتصف الإنسان القيادي بالوعي والبصيرة في الفكر والواقع ومعرفة ما يريده بالتحديد ، والصلابة في المواقف عدم الانفعال فيها ، والتخطيط لها بدقة متناهية ، وأنه يعلن عن مواقفه وأهدافه التي يتحرك من أجلها بوضوح .. ويبلغها للناس لكي يجمعهم حولها .

وهنا تأتي أهمية التوقيت والطريق التي سلكها الإمام الحسين عليه السلام إلى مكة المكرمة.

وقد التزم الإمام الحسين عليه السلام نفس الأسلوب والمنهج في خطبته التي خطبها في مكة قبيل خروجه منها ، وفي وصيته لأخيه ( محمد بن الحنفية ) وطريقة خروجه من مكة ، وفي خطبته في جيش ( الحر بن يزيد الرياحي ) في طريقه إلى العراق ، وفي خطبه في جيوش بني أمية في كربلاء قبيل المعركة - كما سيوضح في مكانه .

الدرس الثاني : يجب أن يأخذ الإنسان المسلم بالقيم المعنوية العالية .. مثل : الإباء والعزة والكرامة .. ويفضلها على المصالح المادية ، وأن يرفض الاستسلام للواقع المنحرف ، وعليه مقاومة الظلم والفساد والانحراف ، وأن يكون مستعدا للتضحية والاستشهاد في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمة الحق وإحياء العدل بين الناس ، ونيل العز والكرامة ، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام ، وسوف يأتي تفصيل ذلك في الدرس الثاني من الوقفة السابعة .

قال الله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }
( المنافقون : 8 )

الدرس الثالث : يجب أن يلجأ القائد المحنك إلى توظيف عناصر القوة لديه في المواقف السياسية الحاسمة .. وعدم تعطيلها أو التفريط فيها ، ومنها دعم ومساندة الجماهير ، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام حينما عرض على والي ( يزيد ) على المدينة المنورة ( الوليد بن عتبة ) أن تكون بيعته ( ليزيد ) مع الناس نهارا في المسجد ، ولم يكن عليه السلام يريد البيعة ( ليزيد ) وإنما أراد أن يعلن عن موقفه منها أمام الناس ليحرضهم على رفضها .

الوقفة الثالثة - الحسين عليه السلام في مكة : دخل الإمام الحسين عليه السلام مكة المكرمة في يوم الجمعة بتاريخ : ( 3 / شعبان / 60 هـ ) وهو يتلو قول الله تعالى : { ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ( القصص : 22 ) ، وأقام بها أربعة أشهر وخمسة أيام ، وكان مهوى القلوب والأفئدة ، فقد التف حوله المسلمون يتعلمون منه العقائد والأحكام ، ولم يتعرض له والي مكة ( يحي بن حكيم ) فعزله ( يزيد ) وولى مكانه ( عمرو بن سعيد بن العاص ) وضم إليه في شهر رمضان من نفس العام المدينة المنورة بعد أن عزل منها ( الوليد بن عتبة ) بسبب موقفه الطيب من الإمام الحسين عليه السلام ، وعدم أخذه بمشورة ( مروان بن الحكم ) بشأن الإمام الحسين عليه السلام .

وقد تطايرت الأنباء إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي عن امتناع الإمام الحسين عليه السلام عن بيعة ( يزيد ) فاتجهت إليه الأنظار وعلقت عليه الآمال ، وسمع أهل الكوفة بذلك فاجتمع زعماؤهم في دار ( سليمان بن صرد الخزاعي - رضي الله تعالى عنه ) وبعد حوار ومشاورات استقر رأيهم على أن يرسلوا وفداً من قبلهم إلى مكة لمقابلة الإمام الحسين عليه والسلام ، وكتبوا مع الوفد كتبا من رموزهم وزعمائهم وقياداتهم السياسية يؤكدون له فيها أنه أولى بالخلافة والإمامة من غيره .. وأنهم ناصروه على عدوهم وعدوه . وتوالت الكتب من أهل الكوفة حتى ملأت خرجين .

كما توالت الوفود والكتب من البصرة والمدائن واليمن وسائر بلاد الإسلام ، وكلها تعرض عليه الولاء والنصرة .

وقد رأي الإمام الحسين عليه السلام بحكمة القائد .. وحجية الإمام ، أن يبعث ابن عمه وثقته : ( مسلم بن عقيل - رضوان الله تعالى عليه ) إلى الكوفة ليقف على حقيقة الأمر فيها ويبعث له بالخبر عنها ، وكان من ذوي الرأي والخبرة والشجاعة ومن أفضل ثقات الإمام الحسين عليه السلام .. ومن خريجي مدرسته ، فلما وصلها في : ( 5 / شوال / 60 هـ ) استقبله أهلها بالترحاب ونزل ضيفاً على ( المختار بن عبيد الثقفي ) وتقاطر عليه أهل الكوفة حتى بلغ من بايعه على الموت ( أربعون ألفا ) .. وكان الوالي عليها من قبل ( يزيد ) : ( النعمان بن بشير ) ، وكان مسالماً يكره الفرقة ويؤثر العافية - كما يصفه المؤرخون - وقد حاول أنصار ( يزيد ) أن يجروه إلى معركة مع أنصار سفير الإمام الحسين عليه السلام : ( مسلم بن عقيل ) .. فأبى ذلك ، فكتب أحد أنصار الأمويين كتاباً إلى ( يزيد ) يخبره بحال الكوفة .. ومما قال فيه : " إذا كان لك في العراق حاجة فأرسل إليه من تثق بحزمه وقوته وصلابته " فلما وصل الكتاب إليه ، جمع مستشاريه وكان فيهم النصراني : ( سرجون الرومي ) ، وكان من المقربين إلى أبيه .. فقال له : " أرأيت لو نشر لك معاوية وأشار عليك كنت تقبل قوله ؟ " .. فقال ( يزيد ) : نعم ، فأخرج له كتابا كان قد كتبه معاوية قبيل وفاته وسلمه إليه ، وفيه يشير ( معاوية ) على ابنه ( يزيد ) أن بولي ( عبيد الله ابن زياد ) على الكوفة عند ما تدعوا الحاجة لذلك .

فلم يتردد ( يزيد ) في العمل بمضمون الكتاب ، وأرسل من ساعته إلى ( ابن زياد ) يأمره بأن يستخلف على البصرة من يراه مناسباً ، وأن يتوجه إلى الكوفة ويتدبر أمرها ، وأمره بقتل ( مسلم بن عقيل ) وقتال الإمام الحسين عليه السلام .. وقتله إن تمكن منه ، وأن يبعث إليه برأسه الشريف .

وفور وصول الكتاب إلي ( ابن زياد ) نفذ ما أمر به ، وتوجه إلى الكوفة في عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، ودخلها الشيطان متلثما متنكراً ، فانخدع الناس وظنوه الإمام الحسين عليه السلام ، فكان كلما مر على مجلس قابلوه بالهتاف والترحيب ، وهو صامت لا يتكلم ولا يسلم على أحد إلا بالإيماء ، ومضى حتى انتهى إلى القصر .. وكان ( النعمان ) قد أغلقه على نفسه ، فأبى أن يفتحه له ، ظنا منه أنه الإمام الحسين عليه السلام .. وقال : " يا ابن رسول الله ! والله ما قاتلتك حتى تقاتلني ، ولا يحل لي أن أفرط في أمانتي ، فاذهب عني وتنقل حيث شئت في الكوفة ، فالله لا أقاتلك ما كففت عني " فكشف ( عبيد الله ابن زياد ) عن هويته وقد امتلأ غيظا وحقدا وهو يرى الوالي معزولاً محاصرا في قصره ، والجماهير في طريقها إلى القصر وهي تهتف مرحبة بالحسين عليه السلام .. فقال له : افتح فقد طال ليلك .. أنا ( عبيد الله ابن زياد ) وقد ولاني أميرك مقاليد هذا البلد .

وعرف أهل الكوفة بقدوم ( ابن زياد ) ، وكانوا يعرفون عنه القسوة وانعدام الضمير ، فأحدث وجوده هزة أمنية في أوساطهم ، وخاصة أنه قد جمعهم في الصباح في المسجد الجامع وخطبهم وحذرهم ورغبهم في العطية إن هم تعاونوا معه ضد ( مسلم بن عقيل ) ، فأحدث وجوده تخلخلا شديدا في الموقف السياسي هناك .

ولجأ ( مسلم بن عقيل ) إلى رسم سياسة أمنية جديدة ، فانتقل إلى بيت ( هانىء بن عروة ) أحد أبرز الزعماء في الكوفة والمطاعين فيها ، وتكتم في تحركاته إلا عن خاصة أصحابه ، وأخذ ( ابن زياد ) يتحراه بوسائله الخاصة حتى استطاع أن يعلم بمقره ، واستطاع أن يقبض على ( هانىء بن عروة ) ويقتله وألقى بجثمانه الشريف من أعلى القصر إلى الجماهير المحتشدة حوله ، فاستولى الخوف والتخاذل عليهم .. فتفرقوا وذهب كل منهم إلى بيته وكأن الأمر لا يعنيه.

ولكن ( مسلم بن عقيل ) خرج في ( أربعة آلاف ) من أصحابه وحاصروا ( ابن زياد ) اللعين في القصر ، وكان مجموع من في القصر ( خمسون رجلا ) تقريبا ، واشتد الحصار عليهم ، ولم يكن في وسعهم المقاومة ، إلا أن ( ابن زياد ) استطاع بدهائه ومكره أن يخدع القيادات الضعيفة المهزومة روحياً ونفسيا ، وأن يخدع سائر الناس ويخذلهم عن ( مسلم بن عقيل - رضي الله تعالى عنه ) ، وذلك حينما خوفهم بجيوش الشام وتاريخ المعارك السابقة الطاحنة ، فانصرفوا عن ( مسلم بن عقيل ) وخذلوه ، وبدخول الليل صلى العشاء بالمسجد ومعه ( ثلاثون ) رجلاً من أصل ( أربعة آلاف ) حاصر بهم القصر ، ثم خرج من المسجد وحيداً لا ناصر له ولا معين !! وأقفل أهل الكوفة أبواب بيوتهم في وجهه ، ولم يجد حتى من يدله على الطريق ، ثم هداه الله تعالى برحمته إلى بيت المرأة الصالحة ( طوعة - رضي الله تعالى عنها ) التي احتفت به أحسن حفاوة .. وأكرمته ، إلا أن ولدها اللعين عرف بوجوده في بيتهم ، وكان ( ابن زياد ) قد جعل مكافأة مالية كبيرة جداً لمن يخبر عن ( مسلم بن عقيل ) فلما أصبح الصباح أسرع اللعين إلى ( محمد ابن الأشعث ) واخبره بمكان ( مسلم بن عقيل ) فقام الأخير بإبلاغ ( ابن زياد ) فزوده بأكثر من مائتي مقاتل للقبض على ( مسلم ) إلا أنهم فشلوا في ذلك ، فأمدهم ( ابن زياد ) بالخيل والرجال حتى تمكنوا من القبض عليه .. ومضوا به إلى القصر ، فأدخل على ( ابن زياد ) ولم يسلم عليه ، وجرت بينهما محاورة شديدة أغضبت ( ابن زياد ) واخذ اللعين يشتم عليا والحسن والحسين عليهم السلام ، ثم أمر زبانية القصر أن يصعدوا ب ( مسلم ) إلى أعلى القصر ويقتلوه ويرموا جسده إلى الناس ويسحبوه في شوارع الكوفة ويصلبوه إلى جانب ( هانىء بن عروة - رضي الله تعالى عنه ) ، وكانت شهادته في : ( 8 / ذي الحجة / 60 هـ ) في نفس اليوم الذي خرج فيه الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة .. وقيل في يوم العيد .

الدروس التي نستفيدها من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : أن الموظفين الكبار في الدولة ، إذا كانوا من أصحاب الشرف والمروءة ، فإنهم لا يبيعون دينهم ووطنيتهم من أجل مناصبهم ، وإنهم يتنازلون عنها ويضحون بها ، إذا طلب منهم الحكام الظالمون والمستبدون ما يتنافى مع الدين والأخلاق والوطنية ، كما فعل ( الوليد بن عتبة ) و ( ويحي بن حكيم ) و( النعمان بن بشير ) ولو أن كل الموظفين الكبار فعلوا ذلك ، لما كان لحاكم ظالم مستبد وجود على وجه الأرض .

وإذا وجد الحكام الظالمون والمستبدون في أي بلد ، فإن كبار الموظفين في الدولة هم أول من يتحمل مسؤولية ذلك ، لأنهم هم المعينون لهم على الظلم والمثبتين لأركان حكمهم ، ولولاهم لما تمكنوا من فرض سيطرتهم على البلاد والعباد .

قال الإمام الصادق عليه السلام : " لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم ويجيء لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا ، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم "
( البحار . ج 75 . ص 375 ) .

وقال الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوانهم ، من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مد لهم مدة قلم ، فاحشروهم معهم " ( البحار . ج 75 . ص372 ) .

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " العامل بالظلم ، والمعين عليه ، والراضي به .. شركاء ثلاثة "
( البحار . ج 75 . ص 312 ) .

الجدير بالذكر : أن دول الظلم والاستبداد لا يمكنها أن توجد وتستمر إلا أن يقوم بعض الموظفين - لا سيما الكبار - بأدوار قذرة .. منها : قتل واعتقال وتعذيب الشرفاء والمخلصين وتقييد الحريات وهتك كرامة الإنسان وسلب الحقوق .. بغير حسيب ولا رقيب ، كما فعل ( عبيد الله بن زياد ) في الكوفة و(عمر بن سعد ) و ( والشمر بن ذي الجوشن ) في كربلاء .. وغيرهم ، فالويل لهم ولأمثالهم ومن على شاكلتهم في كل زمان ومكان .. من عذاب يوم عظيم !!

الدرس الثاني : إذا غلبة السذاجة على الجماهير وغاب عنها الوعي بالشأن العام .. ولم تتفحص الأحوال والمواقف ولم تدقق فيها ، فإن من شأن ذلك أن يضيع جهودها وتضحياتها الضخمة في سبيل التغيير ، والأخطر من ذلك ضعف الزعماء والقيادات ، وقلة خبرتهم ، وضعف بصيرتهم ، وانخداعهم بالألاعيب السياسية الخبيثة ، واتخاذهم المواقف الضعيفة المهزوزة .. تحت تأثير عوامل الضعف البشري ، مما يؤدي إلى تضييع الفرص ، وتحويل الانتصارات إلى هزائم .. كما حدث لأهل الكوفة في موقفهم من ( مسلم بن عقيل ) و ( ابن زياد ) اللعين !!

الدرس الثالث : ليعلم الزعماء والقادة ، ولتعلم الجماهير والشعوب في كل زمان ومكان .. بأنه : لا مكاسب جوهرية ولا تقدم ولا عدل ولا عزة ولا كرامة لأمة أو لشعب .. بدون تضحيات .

قال الله تعالى : { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين . ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } ( الأنفال : 7- 8 ) .

أيها الأحبة الأعزاء : يجب أن تتنبهوا بأن ثمة فرق بين التمنيات والخطابات وبين التطبيق والعمل . لقد تمنى أهل الكوفة وكتبوا وخطبوا ولكنهم انهزموا وقت الوثبة ، وهذا نفس ما حدث على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسجله لنا القرآن الكريم ليكون لنا عبرة ، فقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن فاتهم شهود بدر يتمنون الموت بالشهادة ، وذلك لما أخبرهم الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالثواب العظيم الذي حصل عليه شهداء بدر ، فطلبوا منه أن يدعو لهم بالشهادة ليحصلوا على مثل ذلك الثواب .. وقالوا : " اللهم ارزقنا قتالا نستشهد فيه " فلما رأوه يوم أحد انهزموا ولم يثبتوا إلا من شاء الله منهم ، فعاتبهم الله الجليل على ذلك ، وليكون للناس عبرة إلى يوم القيامة !!

قال الله تعالى : { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } ( آل عمران : 143 ) .

أيها الأحبة الأعزاء : إن هذا يفرض علينا الجد في تربية أنفسنا ، وأن لا نكون سطحيين ونخدع أنفسنا بالطموحات والأماني الكاذبة والخطب الرنانة بعيداً عن التربية الجادة التي تنزل إلى أعماق الفكر والنفس لتعالج عوامل الضعف فيها، ثم نفاجأ بضعفنا أمام التحديات الفعلية وعدم قدرتنا النفسية على مواجهتها .. فننهزم وقت الوثبة .

وفي هذه الحالة الناس على قسمين ...

القسم الأول : يمتلك الشجاعة الأدبية ليعترف بضعفه .. وهذا من الأمانة والتقوى ، ومن ثم يسعى لإعادة صياغة نفسه .. وتربيتها ، ولا يتحمل من المسؤوليات .. إلا ما يطيق .

القسم الثاني : لا يمتلك تلك الشجاعة ، فيبرر لنفسه وللآخرين ما صنع ، ويصدق ما يسوله له الشيطان الرجيم من الكذب والغرور ، فيضر بذلك نفسه والآخرين ، ويضيع مصالحهم الجوهرية في الدنيا والآخرة ، وهذا خلاف الأمانة والتقوى . اللهم إنا نعوذ بك من ذلك فأعذنا .. ونستجير بك منه فأجرنا ، إنك أنت السميع البصير .

الدرس الرابع : ضرورة التدقيق في اختيار القيادات والممثلين وأصحاب المناصب من بين أصحاب الكفاءة والأمانة في الدين والدنيا .

الدرس الخامس : أن الحكام الظالمين والمستبدين ، لا يرتدعون عن ارتكاب أي جريمة .. في سبيل السلطة والحكم والاحتفاظ بالمكاسب المحرمة والامتيازات غير الشرعية ، ولا يقفون في ذلك عند حد ، مما يوجب على كافة الشعوب في كل زمان ومكان .. أن تضرب على أيدهم ، وتمنعهم من ارتكاب جرائمهم ، وإلا أنهم سوف ينتهكوا لهم كل حرمة ، ويسلبوا منهم كل حق ، ويضيعوا عنهم كل مكسب ، ولن يرقبوا في أحد منهم إلاً .. ولا ذمة .

الجدير بالذكر : أن الضعف والانكسار أمام المستكبرين والظلمة ، والخوف من تقديم التضحيات لا يقلل منها .. وإنما يزيد فيها ، لأن الضعف والخوف ، يشجعان الحكام المستبدين وقوى الاستكبار الغاشمة .. والظالمين ، على ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الشعوب والكيانات الضعيفة والأفراد ، كما أثبتت ذلك التجارب التاريخية والمعاصرة ، وينسجم مع نتائج الدراسات في علم النفس والاجتماع .

الوقفة الرابعة - خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكة : لقد كتب من الكوفة ( مسلم بن عقيل - رضوان الله تعالى عليه ) إلى الإمام الحسين عليه السلام .. في مكة المكرمة ، يخبره بما رأى وسمع من إقبال الناس عليه .. في الكوفة ، وإلحاحهم في طلب قدومه إليهم .. وأستعجله على القدوم .

ومن جهة ثانية : فإن يزيد قد علم بما يجري في الكوفة ، فلجأ إلى إجراء آخر خبيث لمواجهة حركة الإمام الحسين عليه السلام ( بعد أن ولى ابن زياد الكوفة ) .. فاستغل موسم الحج العظيم ، ودس عددا كبيرا من أشرار عملائه ، وأمرهم بقتل الإمام الحسين عليه السلام .. ولو كان متعلقا بأستار الكعبة .

فلما علم الإمام الحسين عليه السلام بذلك : أحل من إحرامه قبل أن يتم حجه ، وخرج من مكة المكرمة ، وكان ذلك في : ( 8 / ذي الحجة / 60 هـ ) مخافة أن يقتل في الحرم فيضيع دمه ، ولا يعطي ما ينبغي أن يعطي من التأثيرات الإصلاحية في الساحة الإسلامية المباركة .. وكانت وجهته إلى العراق ، وقد نصحه الكثير من أصحاب الرأي والتجربة وحذروه من غدر أهل الكوفة وتخاذلهم .. منهم : ( عبد الله بن العباس ) و ( عبد الله بن مطيع ) و ( محمد بن الحنفية ) .. وغيرهم ، ولكنه أصر على رأيه والمضي في طريقه ، وقد قال له ( ابن عباس ) : " أما والله لو أعلم إن أخذت بشعرك وتلابيبك وصحت حتى يجتمع الناس علينا أنك تطيعني وتنصرف عن رأيك .. لفعلت "

فقال الإمام الحسين عليه السلام في رده : " ذاك أمر قد قضاه الله ولا بد من تنفيذه "

ولم يكن الاختلاف في الرأي بين الإمام الحسين عليه السلام .. وبينهم ، وليد الاختلاف في تشخيص الوضع في الكوفة ، وإنما هو .. وليد الاختلاف في المنطلقات والأهداف ، فالإمام الحسين عليه السلام يريد أن يسجل موقفا رساليا كريما من ولاية الظالمين ، وأن يرد الأمة إلى النبع الصافي من ولاية أهل البيت عليهم السلام .. ولو بقتله وقتل أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه وأطفاله ، كما سيوضح في بحث نتائج الثورة المباركة الميمونة ( الوقفة الثامنة ) إن شاء الله تعالى .

وقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام للناصحين : بأن بقاءه في مكة لن ينجيه من بطش الأمويين وظلمهم ، وإنهم لن يتركوه .. حتى يبايع أو يقتل .

وقد خالف ( عبد الله بن الزبير ) في نصحه للإمام الحسين عليه السلام كافة الناصحين ، حيث أنه لما بلغه موقف أهل الكوفة ورسائلهم إلي الإمام الحسين عليه السلام ، نصحه وبإجابة طلبهم .. وقال : " لو كان لي مثل أنصارك ما ترددت لحظة واحدة في إجابتهم " .

ولم يكن ( عبد الله ابن الزبير ) غير مدرك لحقيقة الوضع في الكوفة ، فهو من السياسيين المخضرمين وأصحاب الخبرة الواسعة في أوضاع الأمة الإسلامية والساحة الإسلامية المباركة ، وإنما كانت له أغراض سياسية ، حيث كان ينافس على السلطة ويطمح إليها ، وكان يعلم بأن المسلمين لا يعدلون بالإمام الحسين عليه السلام أحداُ ، وأنهم لا يحسون بوجوده في ظل وجود الإمام الحسين عليه السلام بينهم .. ولا يلتفتون إليه ولا يعيرونه انتباههم ، وبالتالي فمن مصلحته سياسيا خروج الإمام الحسين عليه السلام .. من مكة المكرمة ، لكي يصفوا له الجو فيها ، ويسعى لتحقيق أجندته السياسية .. من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة على الحكم .

الدروس المستفادة من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : وجوب تحلي القائد بالفطنة واليقظة السياسية وإدراكه لما يدور حوله وسرعة تحركه قبل فوات الأوان ، وهذا يتطلب منه المتابعة الدقيقة للأحداث والتطورات في الساحة وتحليلها في ظل رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار كافة العناصر والمؤثرات في الموقف أو الحدث ، وعدم النظر للحوادث وتحليلها مع المواقف في قوالب جامدة .
وفي ضوء ما سبق نفهم الطريقة التي خروج فيها الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة .. وتوقيتها ، فلم يكن خروجه عليه السلام لمجرد خوفه من هتك حرمة الحرم - كما يريد أن يفهم البعض ويسعى لتوظيف فهمه سياسيا - لأن الله العزيز الجبار قد جعل البيت حرما آمنا لكل من يدخله ، ومن يلجأ إليه ليحتمي به .. لا إثم عليه قطعا ، وإنما الإثم على الذين يعتدون على حرمة البيت ويهددون أمن ساكنيه واللاجئين إليه والمحتمين به . وفي الحقيقة أن الإمام الحسين عليه السلام صاحب قضية رسالية عظيمة ، وأن قتله غيلة في الحرم لا يخدم تلك القضية .. وإنما يضيعها ، لهذا استعجل الخروج من مكة ، وكان لخروجه عليه السلام دور كبير في لفت الانتباه إلى قضيته ، ولفت النظر إلى نوعية أعدائه وخطورتهم على الدين والدنيا ، وبالتالي فإن استعجال خروجه عليه السلام من مكة وبالكيفية التي خرج فيها ، يحقق أكثر من هدف كبير لخدمة قضيته الرسالية الربانية العظيمة .

الدرس الثاني : يجب على القائد أن يكون بصيرا بمن يستشيرهم أو يشيرون عليه ، وأن يكون واعيا برؤاهم ودوافعهم ، وان يميز بين صحة الموقف في نفسه .. وبين الدوافع والأهداف لصاحب الرأي ، فقد اتفق ( ابن الزبير ) مع الإمام الحسين عليه السلام في الموقف ، ولكن ذلك الاتفاق لم يكن وليد الاتفاق في الرؤية السياسية للحدث ، ولا الاتفاق في التشخيص الموضوعي للوضع ، ولا الاتفاق في المنطلقات والأهداف ، وإنما هو اتفاق عرضي يخدم المصالح السياسية الذاتية ( لابن الزبير ) ، ولقد كان الإمام الحسين عليه السلام بصيرا بذلك كله .. ولم يعطه أكثر من حجمه ، ولم ينخدع به ، ولم يقيمه خارج دائرة دوافع وأهداف ومنطلقات ( ابن الزبير ) ورؤيته السياسية للحدث ، فالقائد الحكيم والبصير بحقائق الأمور وعواقبها الدقيق في حساباته .. لا ينخدع بمثل ذلك ، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه القادة في كل زمان ومكان .. وإلا فلا .

الدرس الثالث : يجب على الأمم أو الشعوب أن تكون بصيرة بمن يعمل لمصالحها بصدق وإخلاص من أصحاب القيم والمباديء والتضحيات ، وأن تميزهم عن الذين يظهرون في وقت اليسر والغنائم .. ليخدموا مصالحهم الذاتية ، ويخدعون الناس بالكلام المعسول ليتسلقوا على ظهورهم لتحقيق مآربهم الخاصة ، ويسلقون المخلصين والشرفاء والمضحين بالسنة حداد .

وقد بحث هذا الموضوع بشيء من التفصيل في ورقة ( العبور من الواقع إلى الطموح في البحرين ) ( الورقة التفصيلية ) فليراجع إليها من يرغب في التفصيل .

الوقفة الخامسة - مع الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء : خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة بتاريخ : ( 8 / ذي الحجة / 60 هـ ) ومعه أهل بيته وعياله وأولاده وإخوته وبني عمومته ومواليه وبعض شيعته الذين انضموا إليه أيام إقامته في مكة المكرمة .. من أهل الحجاز والبصرة والكوفة ، وخلف وراءه في مكة المكرمة أخيه ( محمد بن الحنفية ) .. وقال له : " أما أنت يا أخي فلا عليك أن تبقى في المدينة لتكون لي عينا عليهم فلا تخفي عني شيئا من أخبارهم " .

وقال محمد بن الحنفية للإمام الحسين عليه السلام : " يا أخي تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وأبعث رسلك إلى الناس فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب مروءتك " فقال له الإمام الحسين عليه السلام : " جزاك الله يا أخي خيرا ، فقد نصحت وأشفقت وأنا عازم على الخروج من مكة أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ، والله يا أخي : لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية " .

وقد كتب الإمام الحسين عليه السلام وصيته لأخيه ( محمد بن الحنفية ) جاء فيها : " بسم الله الرحمن الرحيم - هذا ما أوصى به الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن الحنفية ، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور .

وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين .

وهذه وصيتي إليك يا أخي ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب "

كما أن الإمام الحسين عليه السلام قد خطب في مكة قبل خروجه منها .. وقال : " الحمد لله .. ولا قوة إلا بالله .. وصلى الله على رسول الله ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلاء ، فيملآن مني اكراشا جوفا واجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشد عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده . ألا من كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا أن شاء الله تعالى " .

ومضت قافلة الإمام الحسين عليه السلام تشق طريقها إلى العراق ، وعين الله الجليل ترعاها ، وفي الطريق رأى الشاعر المعروف : ( الفرزدق ) وهو من الشيعة الموالين لأهل البيت عليهم السلام فسأله عن الكوفة .. فقال له : " يا ابن رسول الله عد إلى مكة ، فإن ألسنة القوم وقلوبهم معك ، أما سيوفهم فمع بني أمية عليك ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء " .

فقال الإمام الحسين عليه السلام في جوابه : " ما قضي كائن لا محالة " .

واستمرت القافلة الميمونة المباركة في طريقها ، وأخبار العراق تتواصل على نسيج واحد إلى الإمام الحسين عليه السلام ، فقد بلغه مقتل رسوله إلى ( مسلم بن عقيل ) وأهل الكوفة : ( عبد الله بن يقطر ) حيث قبض عليه ( الصحين بن نمير ) في منطقة ( القادسية ) وبعث به إلى ( عبد الله ابن زياد ) فقال له : " اصعد المنبر والعن الحسين وأباه ثم انزل لأرى رأيي فيك " .

فصعد ( رضوان الله تعالى عليه ) المنبر .. فلما اشرف على الحاضرين ، لعن ( معاوية ) و ( يزيد ) و( عبيد الله بن زياد ) .. ثم قال : " أيها الناس : إني رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم لتنصروه وتؤازروه على ( ابن مرجانة ) و ( ابن سمية الدعي ) " فأمر به ( ابن زياد ) فالقي من فوق القصر فتكسرت عظامه ، ثم جاءه أحد الأشقياء وذبحه .

ثم بلغه مقتل( مسلم بن عقيل ) و( هاني بن عروة ) وما جرى من التنكيل بجثتيهما .. وأنه قال : " لا خير في العيش بعد هؤلاء "

وتذكر الأخبار : أنه وقف خطيبا فيمن كان معه وأخبرهم بواقع الحال في الكوفة .. ثم قال : " فمن أحب منكم الانصراف فليس عليه منا ذمام " فتفرق عنه أصحاب المطامع ، ولم يبقى معه إلا أصحابه المخلصين الذين وطنوا أنفسهم على الموت معه في سبيل الله ونصرة الحق والعدل والدين .

وفي الطريق التقي بالقائد الأموي : ( الحر بن يزيد الرياحي ) ومعه ( ألف ) فارس من جند ( ابن زياد ) وكانت المهمة الموكلة إليهم : قطع الطريق على الإمام الحسين عليه السلام ، وإنزالهم على غير ماء ولا حصن ، أو النزول على حكم ( يزيد ) و ( ابن زياد ) ، ودارت بينه وبين الإمام الحسين عليه السلام محاورات طويلة ذكر فيها الإمام الحسين عليه السلام الكتب التي وصلته من أهل الكوفة .. فقال الحر : " لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك يا أبا عبد الله " .

وقد أبى الحر على الإمام الحسين عليه السلام أن يدخل إلى الكوفة ، فعرض عليه الإمام الحسين عليه السلام أن يرجع إلى الحجاز فرفض الحر العرض ، وتحمس أصحاب الإمام الحسين عليه السلام للقتال ، وقال ( زهير بن القين ) : " إن قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم ، فلعمري ليأتينا ما لا قبل لنا به " إلا أن الإمام الحسين عليه السلام رفض هذا الاقتراح ، وكره أن يبدأهم بقتال .. فقال : " ما كنت لأبدأهم بقتال " وذلك لأن القوم لم يعلنوا الحرب على الحسين عليه السلام وأصحابه ، وأخيرا اتفق الطرفان على أن يسلكا طريقاً وسطا : لا توصلهم إلى الكوفة .. ولا تردهم إلى المدينة ، حتى نزلوا في كربلاء .

الدروس المستفادة من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : لقد سبق القول في الدرس الأول من الوقفة الثانية ، أن القائد يجب أن يعلن عن أهدافه التي يسعى لتحقيقها من أجل أن يجمع الناس حولها ، وهذا ما لمسناه أكثر في خطبة الإمام الحسين عليه السلام قبيل خروجه من مكة المكرمة ، وفي وصيته لأخيه ( محمد بن الحنفية ) ، وسوف نلمسه في مواطن أخرى - كما أشير إليها في الدرس الأول من الوقفة الثانية .

الدرس الثاني : من الواجب على القيادات أن تلتزم الصدق والشفافية والوضوح مع القاعدة وأن لا تخدعها ولا تمنيها بخلاف الواقع .. وما لا تقدر عليها .

الدرس الثالث : أن الضعفاء وأصحاب المصالح والمطامع الدنيوية يمثلون خطرا على الحركات الجهادية والنضالية .. ويجب تنقيتها منهم .

قال الله تعالى : { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين . إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون . ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين . لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين } ( التوبة : 44 – 47 ) .

الدرس الرابع : القيادة الحكيمة تصر على أهدافها والطرق التي توصلها إليها ، وتبدي المرونة فيما لا يضر بالأهداف والاستراتيجية الموصلة إليها .

الوقفة السادسة - مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء : نزل الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء .. في يوم الخميس بتاريخ : ( 2 / محرم / 61 هـ ) .

وما أن حط رحله في كربلاء حتى تكدست حوله جيوش بني أمية ، وقد بلغت حوالي ( ثلاثون ألف ) وقيل أكثر من ذلك بقيادة اللعين ( عمر بن سعد ) ، وفرضوا عليه الحصار ومنعوا عنه الماء - حسب الأوامر العسكرية الصارمة الصادرة عن اللعين ( ابن زياد ) !!

ولم يهتز جفن الإمام الحسين عليه السلام .. ولم ترتعد فرائصه لذلك ، ولم يتعامل بعاطفية وانفعال مع الموقف ، ولم يقل : إن معي أطفال ونساء ومرضى !!

لقد كان دقيقا في تشخيص الوضع وكان مستعدا له .. ولم ينخدع ، وأصبح وجها لوجه أمام الموقف الرسالي والتاريخي الذي كان ينتظره من زمن طويل ، ليحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، فهو صاحب قضية عظيمة آمن بها وأخلص لها ، وهو مستعد لأن يدفع حياته وحياة أبنائه وأحبته ثمنا مستحقا لها .

وكان لا بد من إلقاء الحجة على أولئك القوم الذين اجتمعوا على قتاله ، فتعمم في اليوم العاشر بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وركب ناقته .. وأخذ سلاحه ، ثم دنا منهم فحمد الله وأثنى عليه ، وسألهم عن كتبهم التي أرسلوها إليه وعهودهم التي قطعوها على أنفسهم .. وفيهم من كتب إليه فناداهم بأسمائهم ، ثم سألهم عن دوافعهم لقتله : هل لثأر لهم عنده ، أم لمال اغتصبه منهم ، أم لبدعة أدخلها في دين الإسلام ؟

ثم سألهم : إن كانوا يعرفون على ظهر الأرض كلها ابن بنت نبي غيره ، وعن قول جده ( نبيهم ) صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أخيه الحسن عليهما السلام : " الحس والحسين سيدا شباب أهل الجنة "

ثم قال : " فإن كنتم تنكرون كتبكم وتنقضون عهودكم ، فدعوني أرجع إلى المكان الذي خرجت منه ، أو أذهب في أرض الله الواسعة ، أو التجىء إلى ثغر من الثغور أجاهد فيه الكفار والمشركين حتى أموت "

فأجابوه : ما نفقه كثيرا مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفا ، فإما أن تستسلم للعين : ( ابن زياد ) يرى فيك رأيه ، أو نقاتلك قتالا أدناه قطف الرؤوس وقطع الأيدي والأرجل .

فعاد الإمام الحسين عليه السلام إلى مضاربه حزينا أسفا .. فقال لأصحابه : إن القوم أصروا على القتال ولا يريدون غيري ، فإن ظفروا بي لا حاجة لهم بكم ، فإذا جن الليل فليذهب كل منكم إلى حيث يأمن ودعوني وهؤلاء القوم .

وأبى الأصحاب الأوفياء أن يفارقوه أو يبخلوا بأرواحهم عليه ، وأكدوا تصميمهم على القتال إلى جانبه والاستشهاد بين يديه ، وقال بعضهم : " يا أبا عبد الله ! لو أني أعلم بأني أقتل ثم أحيا ثم أقتل وأحيا .. يفعل ذلك بي سبعين مرة لتسلم أنت ومن معك من هؤلاء الفتية ما ترددت في ذلك " .

فشكرهم الإمام الحسين عليه السلام وجزاهم خيرا وبشرهم بما أعد الله تعالى لهم في النعيم في جنانه والزلفى لديه .

واستيقظ الضمير الحر : من الحالات التي يجب الوقوف عندها موقف ( الحر بن يزيد الرياحي ) ، فقد تأثر بكلمات الإمام الحسين عليه السلام والموقف الذي هو فيه .. واستيقظ ضميره ، وندم على ما سبق منه ، وبدا عليه القلق والاضطراب .. حتى قال له أحد رفاقه : والله ما رأيت منك مثل هذا الموقف أبدا ، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك " ( أي : ما قلت غيرك ) ، فكشف له الحر عما في نفسه .. فقال : " والله إني أخير نفسي بين الجنة النار ، وبين الدنيا والآخرة ، ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنة شيئا " ثم ذهب ووقف على باب فسطاس الإمام الحسين عليه السلام .. فخرج إليه باب الرحمة والشفقة والحريص على الناس ، فأنكب عليه ( الحر ) يقبل يديه ويسأله العفو والصفح .. وقال : " أنا الذي جعجعت بك وحبستك عن الرجوع ، ولو كنت أعلم أن القوم يصلون معك إلى هذا الحد ما فعلت .. فهل لي من توبة ؟ " فقال له الشفيق الرحيم الحريص على الناس : " نعم يتوب الله عليك وهو التواب الرحيم " .

فقال الحر : والله لا أرى لنفسي توبة إلا بالقتال بين يديك حتى أموت دونك ، ومضى إلى المعركة فأحاط به الأعداء وتكاثروا عليه حتى قتلوه ظلما وعدوانا ، فمضى شهيدا بين يدي الإمام الحسين عليه السلام ، والعاقبة الحسنة دائما : لكي صاحب ضمير حي .. حر في دنياه .

الدروس التي نستفيدها من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : لقد فرض الله تعالى على العباد الدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيله ، والزمهم بمتابعة الإمام في رد الباغين عليه .. وحفظ شخص الإمام وبذل النفس والنفيس دونه ، فهو ماء الحياة للقلوب وطبيب النفوس .. ونظام العالم ، وقد انكشف لنا في كربلاء بكل جلاء ووضوح الخطر الذي يكتنف الدين والعباد إذا هم تخلوا عن حفظ شخص الإمام ، فعلينا أن نتعلم هذا الدرس البليغ .. ونعمل به ونحن ننتظر المنقذ العظيم ( صاحب العصر والزمان - أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ) .

الدرس الثاني : أن الموظف الشريف يكون أمينا على ما يؤتمن عليه .. ولا يخون الأمانة ، ومن مقتضى الشرف والأمانة ويقظة الضمير ، أنه لا يقوم بما يتنافى مع دينه ووطنيته إذا طلب منه ذلك مهما كلفه ذلك من ثمن .. لتحسن عاقبته في الدنيا والآخرة ، وهذا ما تعلمناه من مواقف ( الحر بن يزيد الرياحي – رضوان الله تعالى عليه ) وقد سبقت الإشارة إلى ما يزيد على هذا المعنى في الدرس الأول من الوقفة الثالثة .

الدرس الثالث : لقد اختار أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، الحزم والثبات والموت في سبيل الله تحت راية العز والشرف ، ورفضوا الذل والهوان والاستسلام إلى السلطة الغاشمة ، ولم يبحثوا لأنفسهم عن الأعذار ، ولم يأخذوا بالرخصة التي منحها إياهم سيدهم الإمام الحسين عليه السلام ، حينما سمح لهم بمفارقته لأن القوم لا يطلبون غيره ، وأصروا على الشهادة بين يديه ، فعرف بذلك يقينهم وإخلاصهم وطموحهم لبلوغ أعلى مستويات القرب والزلفى ، فأصبحوا سادة الشهداء إلى يوم القيامة .. لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لا حق ، وعلينا أن نأخذ القدوة منهم في مواقفنا الجهادية في سبيل الله تعالى ، ليتحقق للمسلمين العز والمجد ، ولنا الفوز بالجنة والحصول على أعلى درجات القرب والزلفى لدى الله العلي الأعلى .

الدرس الرابع : يجب أن نميز بين النظام ألقيمي المسيطر على معسكر الأمويين .. وما فيه من الخسة والدناءة واللؤم والكراهية وحب الدنيا والحرص عليها وعدم الإيمان بالقيم الإنسانية والمثل العليا ، والنظام ألقيمي المسيطر على معسكر الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه .. وما فيه من التقوى ومخافة الله تعالى والرحمة والشفقة والمحبة والحرص على الناس ومصالحهم الجوهرية في الحياة الدنيا والآخرة ، فإن هذه القيم هي التي توجه المعسكرين وتحدد أهدافهما ومواقفهما ، ولا يصح عزل أهداف ومواقف المعسكرين عن النظام ألقيمي السائدة فيهما أو النظر إليهما والتعامل معهما على خلافه .

ويتكرر المعسكران ونظاميهما القيميين في الأزمنة والأماكن المختلفة ، وعلينا أن نتعلم الدرس في التعامل معهما وتحديد مواقفنا منهما على هذا الأساس .

الوقفة السابعة - مصرع الإمام الحسين عليه السلام : في صبيحة يوم الجمعة .. الموافق : ( 10 / محرم / 60 هـ ) زحف الجيش الأموي على مخيم الإمام الحسين عليه السلام بقيادة ( عمر بن سعد ) فلما بلغ الخيام : وضع سهما ورمى به خيام الإمام الحسين عليه السلام .. وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى الحسين وأصحابه .

وتوالت السهام .. فقال الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه : " هذه رسل القوم إليكم " فخرجوا إليهم كالأسود الغاضبة .. مستبشرين بلقاء الله تعالى ، وخلال ساعات معدودات .. قتلوا عن آخرهم ، وبقي الإمام الحسين عليه السلام غريبا وحيدا .. لا ناصر له ولا معين ، فتدافعت عليه حشود الأعداء من كل جانب يرمونه بالحجارة والسهام والرماح .. وضرب السيوف ، وهو يحمل عليهم حملة الليث المغضب . يقول ( حميد بن مسلم ) : " والله ما رأيت مكسورا قط ، قد قتل ولده وأهل بيته وجميع أصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه ، ولقد كان يحمل عليهم وهم ( ثلاثون ألفا ) فينهزمون بين يديه كالجراد المنتشر " وبينما هو على هذا الحال رماه رجل بحجر على جبهته فسال الدم على وجهه ، فرفع ثوبه ليمسح الدم عن عينيه ، فرماه أخر بسهم له ثلاث شعب فوقع في قلبه ، فقال : " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله " ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : " اللهم إنك تعلم إنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره " ثم أخذ السهم فأخرجه من ظهره ، فأنبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده تحت الجرح حتى امتلأت دما ورمى به نحو السماء وهو يقول : " هون علي ما نزل بي أنه بعين الله " ثم وضع يده ثانيا تحت الجرح حتى امتلأت فلطخ به رأسه ووجهه ولحيته وهو يقول : " هكذا ألقى الله وجدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي .. وأقول : يا جد قتلني فلان وفلان " وخر صريعا على وجه الأرض قد ضعفت قواه ، وبقي مطروحا على الرمضاء .. لو شاءوا أن يقتلوه فعلوا ، إلا أن كل قبيلة كانت تتكل على غيرها وتكره الإقدام ، فصاح الشمر : ما وقوفكم .. وما تنتظرون بالرجل وقد أثخنته السهام والرماح ، احملوا عليه ، وصاح ابن سعد : انزلوا إليه وأريحوه ، فنزل إليه ( خولة بن يزيد الأصبحي ) ليحتز رأسه فارتعدت يداه ، فنزل إليه الشمر فرفسه برجله وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدسة وضربه بالسيف اثنتي عشر ضربة .. ثم احتز رأسه الشريف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، والعاقبة للمتقين . ثم أمر اللعين ( عمر بن سعد ) عشرة من الخيالة فداسوا صدره الشريف بحوافر الخيل ، ثم مالوا على الخيام فنهبوها ، وفصلوا رؤوس القتلى عن الأجساد ورفوعها على رؤوس الرماح ، وكانت ( ثمانية وسبعون رأسا ) تقاسمتها القبائل التي شاركت في القتال ، وقد دفن اللعين ( عمر بن سعد ) قتلاه .. وترك الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه الكرام البررة بدون دفن ، وحملت الرؤوس إلى الكوفة في : ( 11 / محرم / 61 هـ ) مع السبايا من آل الرسول صلى الله عليه وآله .. ثم منها إلى الشام ، وبعد ثلاثة أيام أي في ( 13 / محرم / 61 هـ ) عاد الإمام زين العابدين عليه السلام إلى كربلاء بقدرة الله تعالى ، ودفن الإمام الحسين عليه السلام وكافة الشهداء من أهل بيته وأصحابه ، بمساعدة قبيلة ( بني أسد ) .

لقد قتلوا ابن بنت نبيهم ، وسيد شباب أهل الجنة ، فالويل .. الويل .. لهم من خزي الدنيا وعذاب يوم عظيم .

قال الله تعالى : { وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ( البقرة : 61 ) .

الدروس المستفادة من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : لقد سجل الإمام الحسين عليه السلام في التاريخ لكل الشرفاء والغيورين على دينهم وأوطانهم ، بأن الإنسان الرسالي صاحب القضية ، لا تهمه قلة الناصرين .. متى آمن بعدالة قضيته وقيمتها الكبيرة العالية ، وأنه مستعد لأن يجتمع مع الأحرار الذين يشاطرونه الإيمان .. ويضحوا بأنفسهم وما يملكون في سبيل ما يؤمنون به .

كما أثبت لهم الإمام الحسين عليه السلام : بأن قلة العدد لا تثني المؤمنين عن مواقفهم ، وأن كثرة العدد لا قيمة لها ما لم تكن غنية معنوياً .

قال الله تعالى : { وقال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ( البقرة : 249 ) .

الدرس الثاني : أن نقدم الدين والقيم المعنوية .. مثل : الشرف والعزة والكرامة .. على المناصب والمصالح المادية . إذ أن الإمام الحسين عليه السلام لو بايع يزيد بن معاوية ، لنال من الدنيا الحظ الأوفر ، ولكان محترماً محفوظ المقام ، لما يعلمه يزيد من مكانة الإمام الحسين عليه السلام بين المسلمين ، وما يحصل عليه من مكاسب سياسية ضخمة لو وافقه الإمام الحسين عليه السلام ، ولكن الإمام الحسين عليه السلام أبى أن يدفع عزته وكرامته ثمنا لدنيا ذليلة فانية - كما يفعل للأسف الشديد بعض المحسوبين على علماء الدين - ومن أقواله عليه السلام في هذا الصدد ...

( 1 ) : " موت في عز خير من حياة في ذل "
( 2 ) : " إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما "
( 3 ) : " الموت خير من ركوب العار والعار أولى من دخول النار "
( 4 ) : " إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين : السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام "

إذ بدون القيم المعنوية يفقد الإنسان قيمته وكرامته التي فضله الله تعالى بها على سائر الخلق .. ولهذا لما قال له عليه السلام جنود بني أمية : " انزل على حكم بني عمك " .. قال في جوابهم : " لا والله .. لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا اقر إقرار العبيد " فأبى أن يعيش إلا عزيزاً ، واختار الموت تحت بريق السيوف على أن يعطي الدنية من نفسه ، وأضحى بذلك قدوة حسنة لكي أبي .. تأبى نفسه الرضا بالدنية وتحمل الذل والهوان ، والقبول بالظلم والانحراف ، والخنوع للمنحرفين والظالمين والمستبدين والمستكبرين ، وقدوة حسنة .. لكل ذي نفس عالية ، وهمة سامية تقدس التضحيات والمثل العليا وتعشقها وتنحني إليها .. إلى يوم القيامة .

الدرس الثالث : أن الإنسان الذي يعشق القيم والتضحيات ، ولديه إيمان بعدالة قضيته وأن لها قيمة عالية .. فيما يؤمن به ، فإنه يكون قويا صلبا في مواقفه ، ولا ينحني ولا ينكسر أمام قوى الظلم والاستكبار وجبروتها مهما كان الثمن الذي يدفعه من نفسه .. لا من غيره - كما يفعل المتشدقون .

الدرس الرابع : أن الله تعالى ينتقم من الظالمين .. ولو بعد حين ، كما فعل الله الجبار بدولة بني أمية وقتلة الإمام الحسين عليه السلام ، وكما فعل بالشاه وصدام حسين ومن هم على شاكلتهم من الطغاة والمستبدين .. ولن تجد لسنة الله تحويلا ، وأنه ليس لهؤلاء إلا الخزي والعار في الدنيا ، والعذاب المقيم في الآخرة ، ويصبحوا لعنة الرب والناس والتاريخ ، وأنه لا مستقبل لهم أبدا في الدين والدنيا والآخرة .

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد "
( ميزان الحكمة . ج 5 . ص 606 ) .

وقال الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله يمهل الظالم حتى يقول أهملني ، ثم يأخذه أخذة رابية . إن الله حمد نفسه عند هلاك الظالمين .. فقال : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } "
( الأنعام : 45 ) . ( نفس المصدر )

وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة صدق هذه القاعدة ، وإنما يؤمن بها من آمن بالله وصدق المرسلين .

الوقفة الثامنة - نتائج ثورة الإمام الحسين عليه السلام : لم يكن طويلا زمن ( يزيد بن معاوية ) ، والتعويل في التأسيس للوضع السيئ القائم على عهده بالدرجة الأولى .. يرجع إلى والده : ( معاوية بن أبي سفيان ) ، الذي كان يتبع سياسة داخلية خبيثة ، تقوم على أساس الاضطهاد والتجويع والتخدير الديني والكذب على الله ورسوله وتحريف الدين ومبادئه الإنسانية السامية والإعلام الفاسد والحرب الإعلامية وتقييد الحريات وتشجيع الروح القبلية والتمييز بين المسلمين على أسس عرقية ودينية وسياسية .. في سبيل تحقيق أغراضه في السياسة الداخلية . واعتمد لتنفيذ سياسته الخبيثة هذه على بطانة من الفاسدين المفسدين الذين لا دين عندهم ولا ضمير . وقد خلقت تلك السياسة حالة سيئة جدا في المجتمع الإسلامي ، حيث غلب على الناس حب الدنيا والطموحات الهابطة والأهداف الصغيرة والاهتمام بسفاسف الأمور وحالة الخنوع والقبول بالظلم والذل والهوان وتبرير وجوده .. بدلا من رفضه ومقاومته والثورة عليه ، وفي ظل هذه الحالة من التبلد المعنوي جاءت ثورة الإمام الحسين عليه السلام لتعطينا النتائج التالية ..

النتيجة الأولى : التعريف بأهل البيت عليهم السلام وخطهم الديني ومنهجهم في التضحية من أجل الدين وتحقيق أهدافه الإنسانية الربانية العظيمة المقدسة ، وأنهم أصحاب دين وليسوا طلاب سلطة .

النتيجة الثانية : تمزيق الإطار الديني الزائف الذي ألبسه بنو أمية لأنفسهم بغير حق ولا شاهد من كتاب ، والكشف عن خطهم ومنهجهم في الحياة ، حينما لم يرضوا من الإمام الحسين عليه السلام سبط الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة .. إلا بالقتل ، وقتلوا معه أهل بيته وصفوة أصحابه من أهل التقوى والحرص على المؤمنين ومصالحهم ، وهم عطاشى بعد أن منعوا عنهم الماء ، ولم يستثنوا حتى الطفل الرضيع ، ثم رضوا الأجساد الشريفة بحوافر الخيل ونهبوا الخيام وأحرقوها بالنار وشردوا الأطفال والنساء من أهل بيت النبوة ، ثم نقلوا الرؤوس وبنات ونساء وأطفال النبوة والرسالة سبايا إلى الكوفة .. ومنها إلى الشام ، وتجردوا من كل صفة دينية وإنسانية ، وقاموا بالفجائع والجرائم التي لم يرى التاريخ لها من نظير ، كل ذلك في سبيل الحكم والرئاسة والاستمرار في الحصول على المكاسب والامتيازات غير الشرعية !!

وهكذا تفعل الحكومات الظالمة والمستبدة في كل زمان ومكان ضد معارضيها الشرفاء حينما تغيب الرقابة والصلابة في المواقف .

النتيجة الثالثة : لقد كان الإمام الحسين عليه السلام في عز ومكانة عالية ومال ونفوذ وعشيرة ، وكذلك كان خاصة أصحابه .. مثل : ( حبيب بن مظاهر ) و ( زهير بن القين ) .. وغيرهم ، فخرجوا من جميع ذلك ومن بيوتهم وأمنهم وأولادهم وأزواجهم ، وتركوه وراء ظهورهم وضحوا بأنفسهم من أجل دينهم ومجتمعهم ، ولم يستسلموا للأمر الواقع المنحرف ، وبهذا نجحوا في هز وجدان الأمة وتحريك ضميرها وقلب الصورة التي خلقها الأمويون ، فأعادوا الإشراقة والحياة إلى الأمة الإسلامية من جديد ، وانبعثت فيها الروح الجهادية وتنامت الروح الثورية والنضالية التي حاول الأمويون إخمادها وإطفاء نورها ووهجها ، وقضت على روح التواكل والخنوع والتسليم بالأمر الواقع للحكام ، وعلمت الأمة بأن لها وجودا وكرامة أمام الحكام الظالمين والمستبدين والمنحرفين وقوى الاستكبار ، وأصبحت واعية بحقوقها معبأة لإثبات وجودها واسترداد حقوقها وعزتها وكرامتها أمام الحكومات الظالمة المستبدة وقوى الاستكبار ، وبهذا ضمن الإمام الحسين عليه السلام مستقبل الإسلام العظيم .

لقد توهم بنو أمية بما فعلوه في الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه الخيرة البررة ، أنهم سيقضون على السلالة الطاهرة من آل الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى النخوة والحمية والكرامة في الأمة الإسلامية العظيمة .

إلا أنها لم تمضي سوى شهور قلية على فاجعة كربلاء ، حتى ظهرت الثورات العاصفة وانتشرت في أنحاء مختلف من أقطار العالم الإسلامي ، فكانت ثورة التوابين ، وأهل المدينة ، والمختار الثقفي ، ومطرف بن المغيرة ، وابن الأشعث ، وزيد بن علي .. وغيرهم ، وهلك يزيد بن معاوية ، وسقطت دولة بني أمية ، وانتقم الله من جميع قتلة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه ( رضوان الله تعالى عليهم ) وبذلك ألحقت الدماء الطاهرة الهزيمة بالذين سفكوها في كربلاء .. ظلما وعدوانا .

وقد لعبت السيدة الجليلة ( زينب بنت أمير المؤمنين رضي الله عنها ) والإمام زين العابدين عليه السلام .. أدوارا مهمة في إلهاب الثورة ...

تقول السيدة الجليلة زينب عليها السلام في خطاب لها في أهل الكوفة وقد احتشدوا محدقين في موكب الرؤوس والسبايا .. يبكون : " أما بعد أهل الكوفة .. أتبكون ؟ فلا سكتت العبرة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، ألا ساء ما تزرون .
إي والله فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلم ترحبوها بغسل أبدا ، وكيف ترحبون قتل سبط خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومدار حجتكم ، ومنار محجتكم ، وهو سيد شباب أهل الجنة ؟ " .

وقال الإمام زين العابدين عليه السلام في خطابه : " أيها الناس ! ناشدتكم الله : هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه ، فتبا لكم لما قدمتم لأنفسكم " .

الدروس التي نستفيدها من هذه الوقفة ...

الدرس الأول : لقد أثبتت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ، بأن النخبة المؤمنة الصالحة الشريفة ، إذا تحركت بقوة وصلابة ووعي وتخطيط ، فإنها تستطيع أن تقلب الموازين وتغير المعادلة إلى صالح الجماهير والشعوب المستضعفة .. حتى في حالة التبلد والجمود في الأوضاع ، وعليها أن تقوم بمسؤوليتها في الإصلاح والتطوير .. وتحريك الجماهير ، وأن لا تترك القيادة لعامة الناس !!

إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام التي علمتنا أهمية دور النخبة ، فإنها تعلمنا أيضا : بأن وعي النخبة ، وبصيرة النخبة ، ودور النخبة ، لا قيمة لها ما لم تؤثر في الجماهير وتحركهم .

إن وعي النخبة لا قيمة له ما لم يتحول إلى وعي جماهير ي ، وبصيرة النخبة لا قيمة لها ما لم تتحول إلى بصيرة جماهيرية ، ودور النخبة لا قيمة له ما لم يؤثر في الجماهير ويحركهم ، لأن النجاح في تغيير الأوضاع العامة في المجتمع أو الأمة لا تحققه إلا الجماهير .

لقد استشهد الإمام الحسين عليه السلام والنخبة الصالحة من أهل بيته وأصحابه جميعهم في كربلاء في العاشر من المحرم ، ولو كان نجاح الثورة متوقف عليهم هم .. لحكم بفشلهم وفشل ثورتهم ، ولكن الدماء الطاهرة الزكية التي سفكت في كربلاء ، استطاعت أن تهز ضمير الأمة وتحرك جماهيرها ، ومن هنا حكم بنجاحهم ونجاح ثورتهم .

والمطلوب منا أن نتعلم هذا الدرس بوجهيه ...

الوجه الأول : أهمية دور النخبة في الإصلاح والتطوير في المجتمع والأمة .

الوجه الثاني : أن لا قيمة لوعي وبصيرة ودور النخبة ما لم يؤثر في الجماهير ويحركهم ..

وبالتالي : يجب على الرموز والقيادات والنخب والمؤسسات ، أن تهتم بالجماهير ، وتنفتح عليهم ، وتهتم بتربيتهم وتبصيرهم وتوعيتهم وتحريكهم ، وأن لا تهملهم وتنقطع عنهم وتهمل دورهم ، فإن النخب والقيادات والمؤسسات لا تستطيع أن تحقق الأهداف الجوهرية الكبيرة في الأمة والمجتمع بدونهم .

الدرس الثاني : لقد لعبت المرأة دور محوريا إراديا مهما في ثورة الإمام الحسين عليه السلام ، سواء في التحريض عليها أو المشاركة فيها أو الدفاع عنها والسعي لتحقيق أهدافها بعد وقوعها ، ولا يخفى على أحد دور السيدة الجليلة ( زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام ) وأن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن مجبورا على حمل النساء ، وإنما كان قاصدا ذلك ومخططا إليه ، مما يدعون إلى توعية المرأة بالشأن العام ومشاركتها فيه كما فعل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه .

وإليكم هذا النموذج النسائي الرفيع : أخبر ( عبد الله بن عمير ) زوجته بأنه يريد المسير إلى الإمام الحسين عليه السلام .. فتقول له : " أصبت أصاب الله بك وأرشد أمرك . أفعل وأخرجني معك " .

فخرج بها حتى أتى حسينا وأقام معه . وفي يوم العاشر .. برز للقتال ، فأخذت عمودا وأقبلت نحو زوجها .. وهي تقول : " فداك أبي وأمي ، قاتل دون الطيبين : ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم " ، فأقبل إليها يريد أن يردها نحو النساء ، فأخذت تجاذبه ثوبه .. وهي تقول : " إني لن أدعك دون أن أموت معك " فناداها الإمام الحسين عليه السلام .. وقال : " جزيتم من أهل بيت خيرا ، ارجعي رحمك الله إلى النساء فأجلسي معهن " .. فانصرفت . فلما قتل زوجها خرجت تمشي إليه وجلست عند رأسه تمسح التراب عنه .. وهي تقول : " هنيئا لك الجنة " فقال الشقي اللعين ( شمر بن ذي الجوشن ) لغلام يسمى ( رستم ) : " اضرب رأسها بالعمود " .. فضربه ، وكانت أول امرأة استشهدت من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام .

وفي هذا النموذج الرائع : نجد التقاء الزوجين على الدين والقيم والأهداف الرسالية العالية ، وليس على الدنيا والمال والأثاث والسيارة ، فعلى بناتنا أن يتلقين هذا الدرس الرفيع على أحسن وجه .. ويتقبلنه بأحسن القبول ، ليكون لهم أحسن النصيب في الدنيا والآخرة .

الدرس الثالث : كل حركة يريد القائمون عليها لها النجاح ، يجب عليهم أن يخططوا بدقة لكل مراحلها ، وأن يحسنوا قراءة المستقبل أو التداعيات ويعدوا لها ، وأن يحرصوا على استثمار الأحداث ويتعاملوا معها بواقعية بعيدا عن المجاملة أو التسويف أو الضعف ، وأن يؤمنوا بقضيتهم ويرصوا صفوفهم ويقفوا متضامنين حول أهدافهم وهم مستعدين للتضحية من أجلها ، وأن يلتزموا بالانضباط القيادي والإداري ، وهذا يتطلب وجود قيادة واعية تحسن دورها وتؤديه بكفاءة ونزاهة وشجاعة .. وتكسب ثقة الأتباع بها ، ولا يمكن لأي حركة أن تنجح بدون ذلك .

الدرس الرابع : ضرورة التخطيط للخطاب وضبطه وفق منحنيات حركية وأغراض محددة ، كما وجدنا ذلك في خطاب الإمام الحسين والإمام زين العابدين وزينب عليهم السلام ، وقد أشتمل الخطاب على تحديد المنهج والأهداف والتحليل السياسي والفكري وكشف خطط ومنهج وأهداف الأعداء والتعبئة أو التحشيد الجماهيري .

واتصف بوضوح الرؤية والصدق والشفافية مع الناس .

أكتفي بهذا المقدار ...
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم ...
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ...