» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



16/09/2008م - 7:53 م | عدد القراء: 1552


نص الكلمة التي ألقاها الاستاذ بتاريخ 22 مارس 2002 م

الخطبة الدينية : نبي الله إبراهيم - مثال التضحية والفداء
الخطبة السياسية : توضيح لما جاء في البيان

( لم أذكر بأنني سوف أعتزل العمل السياسي ، أو أنسحب من الساحة ، وإنما ذكرت بانني لا أعتبر نفسي رمزا أو قياديا لأنني لا أستطيع أن أمارس هذا الدور من الناحية الفعلية ، وأن هذا الدور متروك إلى رموزنا وقياداتنا العلمائية الكبيرة ، وذكرت بأني سوف أمارس دوري في الساحة كأي إنسان ، وفي الساحة الكثير من العلماء الكبار من طلاب العلوم الدينية ، والمثقفين ، الذين يمارسون أدوارهم على أكمل وجه ولا يوصفون بالقيادية أو الرمزية ، فعدم الرمزية أو القيادية لا تعد سببا لتخلي الإنسان عن دوره الرسالي )
( الغياب في الآليات عطل أدوار كل الرموز ، وكل القيادات ، حيث لا يوجد أحد من الرموز والقيادات يمارس دوره بصورة كاملة وصحيحة ، مما أدى إلى الجمود ، والتخبط في الآراء والمواقف ، وأدى إلى تراجع التيار ، وهذا ليس عيبا في القيادات والرموز في أنفسهم ، وإنما العيب في غياب هذه الآليات كما ذكرت ، وبالتالي إذا وجدت هذه الآليات ، واستطاع هؤلاء الرموز أن يمارسوا دورهم بصورة صحيحة ، فسوف تكون هناك نتائج إيجابية وكبيرة )


( هناك قرار من المؤسسة المخوَّلة ، وهي جمعية الوفاق ، وأيضا من الرموز الكبيرة بالدخول في الانتخابات ، فقد ينكشف لنا بعد حين خطأ هذا القرار وهذا الرأي ، فتأتي الحاجة إلى نقل القرار من الرأي الأول إلى الرأي الثاني ، وبالتالي هناك حاجة للإبقاء على الرأي الثاني ، ولأن تكون لهذا الرأي رموزه ، وتكون له مساحة عمله وحركته ، فإذا تبين لنا خطأ الرأي الأول ، يكون الانتقال إلى الرأي الثاني أمر سهل ، فهذا الرأي ناضج ، وله رموزه ، وله مساحته في الحركة ، وبالتالي لن نربط مصير التيار ومؤسساته برأي واحد ، فلو ربطنا مصير التيار برأي واحد ، وانكشف لنا بعد حين خطأ هذا الرأي ، فقد أضرينا بمصلحة ومؤسسات التيار )
( هناك رأي آخر في الجمعية يقول بعدم الدخول ، وقرار الجمعية حسب التصويت مع الدخول ، ونستطيع أن نقول لأعضاء الجمعية من الرأي والرأي الآخر ابقوا جميعكم في الجمعية ، فحينما يكون للبعض رأي آخر ، فلا حاجة لأن يخرج من الجمعية ، ونقول له : ابق في الجمعية ، وعبِّر عن رأيك ، وتحَّرك وفق قناعاتك ، فأنت اليوم في الظل ، وبعد ذلك ، ومن خلال آليات المؤسسة ، وعن طريق الانتخابات الحرة ، تستطيع أن تصل للإدارة ، وتقود الجمعية حسب رؤاك ، فأنت اليوم في الظل ، والرأي الآخر في الصدارة ، وقد يحدث العكس ، وبهذه الصورة نحفظ للمؤسسة وحدتها ، ونحفظ للآراء المختلفة حريتها في التعبير عن نفسها )
( ليس من الصحيح أن نقول لهذا الشخص تخلى عن قناعاتك ، ودافع عن القناعات التي لا تقتنع بها من الأساس ، والتي ترى خطأها ، هذا الأمر سوف يضعف المؤسسة والتيار ، ولكن نقول له : ابق على قناعاتك ، ومارس النقد والمعارضة بآلياتها الصحيحة ، ولكن : احترم القرار ، فهذا القرار يمكن أن يكون مع هذا الرأي ، وغدا يكون مع الرأي الآخر ، وهذا الأمر من شأنه أن يجعل التيار عصيا على الآخرين ، ومن شأنه أن يحصنه أيضا ، ويمكــِّنْ التيار من تحقيق أهدافه في النهاية ، وفي ذلك حماية له من الاحتواء )


أعوذ بالله السميع العليم من شر نفسي و من سوء عملي و من شر الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، اللهم صل على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين ، وأصحابه المنتجبين ، ومن اتبعه بإحسان إلى قيام يوم الدين ، السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أمير المؤمنين ، السلام على فاطمة الزهراء سيدتي وسيدة نساء العالمين ، السلام على خديجة الكبرى ، السلام على الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، السلام على جميع الأوصياء ، مصابيح الدجى ، وأعلام الهدى ، ومنار التقى ، والعروة الوثقى ، والحبل المتين والصراط المستقيم ، السلام على الخلف الصالح الحجة بن الحسن العسكري روحي وأرواح المؤمنين لتراب مقدمه الفداء ، السلام على العلماء والشهداء ، السلام على شهداء الانتفاضة ، السلام عليكم أيها الأحبة ، أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله وبركاته .

قال تعالى على لسان عبده وخليله إبراهيم (ع) : ( ربِّ هب لي من الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم ، فلما بلغ معه السعي ، قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ، فانظر ماذا ترى ، قال : يا أبت افعل ما تؤمر ؛ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ، فلما أسلما وتله للجبين ، وناديناه أن يا إبراهيم ، قد صدَّقت الرؤيا ، إنا كذلك نجزي المحسنين ، إن هذا لهو البلاء المبين ، وفديناه بذبح عظيم ، وتركنا عليه في الآخرين ، سلام على إبراهيم ، كذلك نجزي المحسنين ، إنه من عبادنا المؤمنين ) صدق الله العلي العظيم .
في البداية ، رحم الله من قرأ سورة الفاتحة ، وأهدى ثوابها إلى شهدائنا ، وشهداء الانتفاضة الإسلامية في فلسطين .

إسقاط على كربلاء

الآيات التي تلوناها تتناول جزءا من سيرة نبي الله وخليله إبراهيم (ع) ، وابنه إسماعيل (ع) ، وتقدم لنا من خلالها الدروس والعبر ، وقد جئت بالحديث عن هذه الآيات كمدخل للحديث عن كربلاء الحسين (ع) ، فهذه الآيات تؤسس للاستشهاد في سبيل الله ، والحسين (ع) قد رسخ الأساس وأعلى البنيان ، ثم جاءت العمليات الاستشهادية جيلا بعد جيل لتعلي كلمة الله ، وتثبت عزة الدين والمسلمين ، وآخر هذه العمليات الاستشهادية ما نجده اليوم في فلسطين ، ولكني في الساعات الأخيرة وجدت أنني لن أتحدث عن كربلاء ، لأني رأيت بأن المصلحة أن أتحدث عن موضوع في الساحة المحلية ، ولهذا فإني أرجو أن تسقطوا الحديث الديني على كربلاء ، أي أن تتذكروا كربلاء وأنتم تسمعون الحديث ، وسوف أعينكم بما أراه مناسبا .

الشيخ المهاجر

( ربِّ هب لي من الصالحين ) خرج إبراهيم الخليل (ع) من بابل بالعراق ، مهاجرا برسالته ومن أجل رسالته تاركا وقرابته ومن يعرف من الناس ، إلى فلسطين بالشام حيث لا أهل له ولا قرابة ، وقد بلغ إبراهيم (ع) سن الشيخوخة ولم يكن له ولد ، وهو الشيخ المهاجر الغريب الوحيد ، وهنا نظر إبراهيم (ع) إلى نفسه كإنسان ، ونظر إلى نفسه كرسول وصاحب رسالة ، فهو كإنسان بلغ سن الشيخوخة ، وناهز السبعين من عمره ، وهو غريب وحيد ، ولا أحد يؤنسه ، ويتطلع كأي إنسان إلى ولد يسره ويؤنسه في هذه الحياة ، ويعينه على قضاء حوائجه في هذا العمر المتقدم ، وهو كرسول وكصاحب رسالة ، أفنى عمره ، وضحى من أجل دينه ورسالته ، لم يأكل ولم يشرب بدينه ، وإنما ضحى من أجل هذا الدين بكل ما يملك ، وهو في هذا السن يريد فحسب أن يطمئن على وضع الرسالة ومستقبلها ، ويرجو أن يكون هناك الوارث والخلف ، الذي يحمل هذه الرسالة من بعده ، فتوجه إلى الله بقلبه السليم حين قال ( رب هب لي من الصالحين ) أي هب لي ولدا صالحا من الصالحين ، وبذلك فهو لم ينظر إلى المسألة من بعده الإنساني المجرد ، ولا إلى الموضوع بطبيعته الإنسانية المحضة ، ولم يسأل مجرد الولد ، وإنما سأله الولد الصالح ، فهو لا يريد الولد الفتنة الذي يقطع عليه طريقه إلى الله ، ويشغله عن ذكر الله ، وإنما يريد الولد الصالح الذي يعينه على هذا الطريق ، وفي ذلك درس وعبرة .

الولد الفتنة

الدرس الأول : أن الإنسان ينبغي أن يحذر من الولد الفتنة ، الولد الذي يشغله عن الله ، والذي يقطع طريقه إلى الله - عزَّ وجل - الولد الذي يبيع دينه من أجله ، وإنما ينبغي عليه أن يبحث ويطلب الولد الذي يبيعه من أجل الدين ، ويضحي به من أجل الدين كما فعل إبراهيم (ع) ، وكما فعل الحسين (ع) في كربلاء ، وكما يفعل اليوم الآباء والأمهات في فلسطين .

يفقد شبابه ، والولد يكبر

الدرس الثاني : أن الإنسان لا ينبغي أن يطلب الولد لذاته ، وإنما ينبغي أن يطلب الولد الصالح ، الذي يجسد خلافة الله في الأرض . إن الإنسان ليفني عمره في تربية أولاده ، وعادة ما يرزق الإنسان بالولد وهو في سن الشباب ، فيعمل ويكدح في تربية الولد وإطعامه وإلباسه وإسكانه ، والأب يفقد شبابه ، والولد يكبر ، فيا ترى هل يفني عمره ويبذل مهجته في سبيل أولاده ؛ ثم يسلمهم إلى النار ، حرام .. حرام. قال تعالى : ( قو أنفسكم وأهليكم نارا ، وقودها الناس والحجارة ، عليها ملائكة غلاظ شداد ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) .

الغلام الحليم

( فبشرناه بغلام حليم ) سمع الله دعوة نبيه وخليله إبراهيم وأجابه ، والبشرى هي الخبر السار ، وفي واقع الأمر بأن هذه البشرى تتألف من ثلاث بشارات ، ففي هذه البشرى أولا أن الله بشر عبده وخليله إبراهيم بأنه سيرزقه ولدا ذكرا ، وثانيا : أن هذا الولد سيبقى ويتجاوز سن الطفولة ، لأن الغلام هو الولد الذي يتجاوز سن الطفولة ولم يبلغ سن الشباب ، أي في مرحلة المراهقة ما بين سن الثالثة عشرة ، وسن الواحد والعشرين ، والبشارة الثالثة بأن هذا الولد سيتصف بالحلم ، والحلم هو ضد الجهل ، وضد السفه ، وضد الجزع ، والحلم دليل على النضج النفسي والعقلي ، لأن الحلم يتضمن الصبر ، والثبات ، والتروي ، والتعقل ، والسيطرة على النفس ، والتحكم في الانفعالات ، فالحلم دليل النضج النفسي والفكري ، والحليم من أسماء الله الحسنى ، والحلم صفة من صفاته ، والله - جل جلاله - لم يصف أحدا من أنبيائه في القرآن بهذه الصفة إلا إبراهيم الخليل (ع) ، وابنه إسماعيل ، نعم جاء في القرآن بأن شعيبا الشيخ ، وخطيب الأنبياء (ع) ، وصفه قومه بالحلم ، وبالتالي فالحليم عالي المنزلة عند الله تعالى .

هنا تأتي المفاجئة

( فلما بلغ معه السعي ) الله - عزَّ وجل - ووفى بوعده إلى خليله إبراهيم (ع) ، ووهبه ابنه إسماعيل (ع) ، وشبَّ هذا الولد ، وتجاوز سن الطفولة ، وبلغ عمره ثلاث عشرة سنة ، وقد أثلج صدر أبيه ، فقد تحلى واقعا وفعلا بصفة الحلم ، وأصبح قادرا على السعي في حوائج نفسه ، وحوائج أبيه وعائلته ، والسعي هنا بمعنى القدرة على قضاء حوائجه وحوائج غيره ، ولكم أن تتصورا سرور إبراهيم (ع) بهذا الولد ، في هذا العمر ، بهذه الصفة ، وإبراهيم (ع) قد ناهز الثمانين من عمره ، وقد طال انتظاره لهذا الولد ، وهما تأتي المفاجئة ، ويأتي الامتحان العظيم.

هذه هي النهاية

( فلما بلغ معه السعي ، قال يا بني : إني أرى في المنام أني أذبحك ) بعد طول الانتظار ، هذه هي النهاية !! ( إني أرى في المنام أني أذبحك ) ، يذبح ابنه الذي اتصف بالحلم ، والذي اشتغل بعبادة الله في هذا السن المبكر ، يذبحه بيده !! . ( إني أرى في المنام ) وذلك دليل على أن هذه الرؤيا قد تكررت ، فهو لم ير ذلك مرة واحدة ، وإنما تكررت الرؤيا ، ورؤيا الأنبياء دائما تكون صادقة ، وهي شكل من أشكال الوحي ، لهذا نجد بأن إبراهيم (ع) قويَ عزمه على أن ينفذ إرادة الله وأمره ، ونجده يخبر ابنه إسماعيل وقرة عينه ورينحانته أنه عازم على تنفيذ هذا الأمر الإلهي ، ولا نجد أن إبراهيم (ع) كان مرتبكا ، وإنما نجده قويَّـا مطمئنا ، ويتكلم إلى ابنه إسماعيل (ع) وكأنه يتكلم في أمر مألوف ، وهنا نجد إبراهيم (ع) يضع حدا فاصلا بين منطقين أو منهجين :

بين منطقين

المنطق الأول : منطق تبريري .
المنطق الثاني : منطق مبدئي .
المنطق التبريري هو الذي يبحث عن الأعذار ليهرب أو يبعد نفسه عن التكليف الشرعي ، والمنطق المبدئي هو الذي يكتشف الحق فيثبت عليه ، فهنا لم نجد إبراهيم (ع) سأل ربه لماذا أذبح ابني ؟ ولم يقل لربه أن من قتل نفسا متعمدا فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن قتل نفسا متعمد فجزاءه جهنم ، فالله ومن خلال دينه يحترم النفس الإنسانية ، ولكن رضا الله أكبر ، والمحافظة على الدين أكبر ، وبما أن الله قد أمره بأن يذبح ابنه ، فيجب عليه أن ينفذ ذلك بدون تردد وبدون سؤال ، وهنا نتعلم التسليم المطلق لله - عزَّ وجل - .

أمام ابتلاء صعب

إن إبراهيم (ع) قد مر بابتلاءات عدة ، وهي ابتلاءات شديدة ، ولكنه اليوم أمام ابتلاء أصعب ، فهل يفشل في هذا الامتحان ؟ هل يضيِّع الجهود السابقة ؟ ، ولكنه ثبت . ( فانظر ماذا ترى ) لم يؤخذ ابنه على حين غرَّة ، ولم يخدعه ، ولم يفاجئه بالامتحان ، وإنما أخبره بذلك بكل وضوح ، وهنا نجد بأن إبراهيم (ع) قد أثبت شخصية مستقلة لابنه ، وقوله تعالى : ( فانظر ماذا ترى ) يدل على أن التكليف ذو بعدين ، بعد يتعلق بإبراهيم (ع) ، وبعد يتعلق بإسماعيل (ع) ولهذا نجد بأنه عرض عليه الأمر ( فانظر ماذا ترى ) ، وطلب منه أن يدرس الموضوع ، وأن يتأمله بدقة وبرويَّة ، وأن لا يتعجل ، وأن يرى رأيه في ذلك ، فأعطى ابنه ثقلا ، وأثبت بأن له شخصية مستقلة ، كما أنه أيضا يريد أن يمتحن هذا الابن ، وأن يشاركه ويعرفه طعم وقيمة جهاد النفس ، وأن يتذوق ابنه حلاوة ولذة التسليم والطاعة المطلقة لله - عز وجل - وهو يعرف ابنه ، فقد أخبره الله من قبل بأنه حليم ، وبالتالي فحينما يخبر ابنه ويكون أمر الذبح مشتركا بين الولد وأبيه ، فإن ذلك أهون على الأب ، أي أن يذبحه مع طيب النفس من الولد من أن يذبحه قهرا .

الأدب القرآني في الخطاب

( قال يا أبت : افعل ما تؤمر ) ( يا أبت ) القرآن الكريم يعلمنا الأدب الذي ينبغي أن يخاطب فيه الابن أبوه ، وقد علمنا في البداية ، الأدب الذي يتكلم به الأب إلى ابنه بقول إبراهيم لإبنه إسماعيل يا بني ، وهذا القول فيه الرأفة والرحمة والحنو والتقدير ، لذا يجب على الآباء أن يقدروا أبناءهم ، وأن يعرفوهم بأن لهم قيمة ، لأن الإنسان إذا عرف بأن له قيمة ، وأن أبواه قد غرسا فيه ذلك من خلال التربية ، فإنه يأبى الظلم والذل ، ويتصرف التصرف المسئول ، أما إذا أهين الإنسان ولم ير لنفسه قيمة ، فسيقبل الذل والهوان والظلم ، ولا يعطي أي قيمة لأي سلوك ، أما إذا كان العكس ، فكان الحب ، وكانت الرأفة والرحمة ، وكان الإحسان ، وكان التحسيس له بقيمته كإنسان ، فسينعكس ذلك على سلوكه ، وهذا ما نجده عند إسماعيل (ع) ، فكما أن الأب التزم بآداب الخطاب مع ابنه ، فالابن أيضا سيلتزم بآداب الخطاب مع أبيه .

تتجسد في كربلاء

يا أبت اذبحني وافصل رأسي عن جسدي ، وأنت الأب البار الرحيم ، إنك حين تذبحني فإن ذلك لا ينقص شيئا من برك ورأفتك بي لأنك مأمور من الله - عز وجل - هذا ما تجسده الآية الشريفة ( يا أبت افعل ما تؤمر ) ، وهنا إسماعيل (ع) قال : افعل ما تؤمر ، أي أن إسماعيل (ع) أدرك بأن ما رآه أبوه في منامه هو أمر من الله - عز وجل - ، وأمر الله نافذ لا يرد ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أنفسهم ) فموقف إسماعيل هنا أولا : طاعة لله ، وثانيا : طاعة لولي الله ، وهذه الصورة العظيمة الجميلة نجدها تتجسد في كربلاء من علي الأكبر والقاسم والعباس ، ومن أصحاب الحسين (ع) .

إسماعيل الصابر

( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) هنا إسماعيل (ع) أراد أن يطيب نفس أبيه ، فهو يقول له : بأني سوف أكون صابرا ، ولن أتصرف أي تصرف من شأنه أن يؤذيك ، ويجعل مهمة الذبح عليك صعبة ، وسأسهل عليك أمر الذبح ، ولن أتصرف التصرف الذي يحرك عاطفة الأبوة في نفسك ، ويجعل أمر الذبح عليك صعبا ، بل سوف يجعله سهلا يسيرا ، وهنا إسماعيل لم يقل بأنني شجاع ، وبطل ، ولا أكترث بالموت ، ولكنه قال : ( ستجدني إن شاء الله ) أي أن كل هذا بفضل الله ، فنجد هنا بأن إسماعيل (ع) قد أخفى ذاته وغمرها في ذات الله - عز وجل - ، ولم ير لنفسه وجودا في قبال الله ، بل رأى صبره منحة وهبة من الله - عز وجل - .

السكين لم تفعل

( فلما أسلما ) أي إبراهيم وإسماعيل ، أسلما أمرهما لأمر الله وقضائه ، ( وتله للجبين ) أي صرع إبراهيم (ع) ابنه على شقه ، فأصبح جبينه على الأرض ، ومدَّ إسماعيل عنقه ليمارس أبوه الذبح ، وقد شحذ إبراهيم (ع) السكين لتمر بسرعة على عنق إسماعيل (ع) ، ولكن السكين لم تفعل فعلها ، فإبراهيم أراد للسكين أن تذبح ، وأراد الله للسكين ألا تفعل ، كما أراد للنار ألا تحرق ( يا نار كوني بردا ، وسلاما على إبراهيم ) .

فزتما في الامتحان

( وناديناه أي يا إبراهيم ؛ أن صدقت الرؤيا ) جاءه النداء من الله عز وجل ( أن صدقت الرؤيا ) أي أوردت الرؤيا مورد الصدق ، وامتثلت الأمر الذي أمرناك به فيها ، ولكن الأمر ليس أن يقع الذبح فعلا ، ولكن الأمر هو امتحان لك ولابنك إسماعيل ، وقد فزتما في هذا الامتحان ، وحصلتما على أعلى الدرجات .

الابتلاء ليس غاية

( إنا كذلك نجزي المحسنين ) وفي ذلك إشارة إلى نقطة مهمة وهي : أن الله - عز وجل - يريد أن يقول بأن الابتلاء ليس غاية ، وإنما هو وسيلة إلى تربية الإنسان المؤمن ، ورفعه إلى أعلى الدرجات ، وتقريبه من الله عز وجل ، وإعطائه أعظم الثواب ، ولهذا فقد ابتلى الله نبيه إبراهيم بأن أمر بذبح ابنه إسماعيل ، وليس الغرض من ذلك أن يقع أمر الذبح فعلا ، وإنما ليمتحن الله إبراهيم (ع) وابنه إسماعيل (ع) ، فيرفع درجتهما ، ويعرِّف فضلهما إلى الناس ليقتدوا بهما ، ويعطيهما الثواب الأوفى يوم القيامة .

هل هناك أعظم !!

( إن هذا لهو البلاء المبين ) بمعنى الامتحان الشديد والصعب ، والواضح في شدته وصعوبته ، فهل هناك أعظم من أن يقبل إنسان بإرادته في سن الشيخوخة ، وقد بلغ الثمانين من عمره ، على ذبح ابنه الوحيد ، ذلك الابن الذي هو مثل مكانة إسماعيل ، وهذا ما فعله الحسين في كربلاء ، حينما قدم أولاده وعشيرته وأصحابه .

أخبره بكربلاء

( وفديناه بذبح عظيم ) أي أن الله قد فدا إسماعيل بذبح عظيم ، وقيل بأنه كبش نزل به جبرئيل من عند الله ، وقيل بأنه نزل من أعلى الجبل ، ووصفه الله بأنه عظيم لسببين :
السبب الأول : أنه من عند الله .
السبب الثاني : أن الله فدا إسماعيل ودفع عنه القتل بهذا الكبش ، فهو فداء لنبي عظيم ، وأي نبي ذلك ، إسماعيل الذي جاء من نسله خير خلق الله محمد بن عبدالله (ص) ، وعليه فهذا الفداء من أجل محمد (ص) أيضا ، وفي الروايات أنه لما أن ذبح الكبش صاح جبرئيل : الله أكبر ، الله أكبر ، وصاح إسماعيل : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وصاح إبراهيم : الله أكبر ، ولله الحمد ، وقد أخبر جبرائيل إبراهيم (ع) بما يجري على الحسين بكربلاء ، فبكى إبراهيم (ع) ، وقال فيما قال : بأن محمدا (ص) أحب إليه من نفسه ، وأن ذبحه ابنه إسماعيل بيده أحب إليه من أن يذبح الحسين على يد أعدائه .

الذكر الجميل

( وتركنا عليه في الآخرين ) أي أبقينا ذكره في الأمم التالية جيلا بعد جيل ، وأمة بعد أمة إلى يوم القيامة ، وفي الأخبار - على حد قول بعض المفسرين - بأن الأنبياء (ع) يسألون الله - جل جلاله - بأن يترك له ذكرا جميلا في الناس بعد رحيلهم من الدنيا ، كما قال الله على لسان إبراهيم : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) .

يسلمون على إبراهيم

( سلام على إبراهيم ) أي أن الأمم تسلم على إبراهيم أمة بعد أمة ، وجيلا بعد جيل ، يسلمون عليه تحية طيبة من عند الله ، ويدعون له ، ويذكرونه الذكر الجميل ، بأن يكون لهم القدوة في حياتهم .

لماذا هذا الذكر ؟

( كذلك نجري المحسنين ) أي أن هذا الذكر الجميل والثناء على إبراهيم إلى يوم القيامة من خلال التسليم عليه والدعاء له أمة بعد أمة ، وجيل بعد جيل ، من الجزاء الحسن الذي جزى الله به عبده وخليله إبراهيم (ع) ، فقد استجاب دعاءه ، وأبقى على ذريته ، وذكره الذكر الجميل في الناس من بعده جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة ، ولماذا هذا الذكر ؟

الحسين الخالد

( إنه من عبادنا المؤمنين ) وهذا القول - كما يقول صاحب الميزان - تعليل إلى المحسنين ، لماذا إبراهيم (ع) من المحسنين ؟ لأنه من عباد الله المؤمنين ، أي أنه من عبادنا الذين أخلصوا لله في العبودية ، ومن المؤمنين الصادقين في إيمانهم ، والإنسان المخلص في عبوديته لله ، والصادق في إيمانه لا يفعل إلا إحسانا ، وكما أن الله - جل جلاله - قد ترك وأبقى لإبراهيم (ع) ذكرا جميلا في الأمم ، جيلا بعد جيل ، لأنه من عباده الصالحين ، فقد ترك للحسين (ع) مثل ذلك ، وهذه الأيام التي نعيشها فيها تخليد وإبقاء لذكر الحسين (ع) ؛ جيلا بعد جيل ، وهذا يعني فيما يعني بأن إبراهيم والحسين (ع) لهما نصيب من كل عقيدة صحيحة ، ومن كل عمل جميل إلى يوم القيامة .

توضيح

بعد هذه الوقفة مع الآيات الشريفة ، آتي إلى الحديث عن قضية من قضايا الساحة المحلية ، وهي في الواقع توضيح إلى بعض الأمور التي تحتاج إلى توضيح فيما يتعلق بالبيان السابق .

لم أذكر

أولا : في البيان ، لم أذكر بأنني سوف أعتزل العمل السياسي ، أو أنسحب من الساحة ، وإنما ذكرت بانني لا أعتبر نفسي رمزا أو قياديا لأنني لا أستطيع أن أمارس هذا الدور من الناحية الفعلية ، وأن هذا الدور متروك إلى رموزنا وقياداتنا العلمائية الكبيرة ، وذكرت بأني سوف أمارس دوري في الساحة كأي إنسان ، وفي الساحة الكثير من العلماء الكبار من طلاب العلوم الدينية ، والمثقفين ، الذين يمارسون أدوارهم على أكمل وجه ولا يوصفون بالقيادية أو الرمزية ، فعدم الرمزية أو القيادية لا تعد سببا لتخلي الإنسان عن دوره الرسالي .

فقدان الآلية

ثانيا : أن سبب هذا الموقف ليس الاختلاف في الآراء ، حيث لا توجد هناك اختلافات جوهرية في الآراء ، ولكن الاختلاف بين أي إنسان وآخر وارد ، فموسى والعبد الصالح اختلفوا في بعض الأمور ، ونظرتهم للأمور اختلفت فيما يتعلق بخرق السفينة وغيرها من الأحداث التي مرت بهما ، فهناك اختلاف طبيعي يوجد بين كل الناس ، والنموذج القرآني بين العبد الصالح وموسى (ع) خير شاهد ، ولكن لا توجد اختلافات جوهرية ، فالسبب ليس هو الاختلاف في الرأي ، وإنما السبب هو غياب آليات العمل الصحيحة ، وهذا الغياب في الآليات عطل أدوار كل الرموز ، وكل القيادات ، حيث لا يوجد أحد من الرموز والقيادات يمارس دوره بصورة كاملة وصحيحة ، مما أدى إلى الجمود ، والتخبط في الآراء والمواقف ، وأدى إلى تراجع التيار ، وهذا ليس عيبا في القيادات والرموز في أنفسهم ، وإنما العيب في غياب هذه الآليات كما ذكرت ، وبالتالي إذا وجدت هذه الآليات ، واستطاع هؤلاء الرموز أن يمارسوا دورهم بصورة صحيحة ، فسوف تكون هناك نتائج إيجابية وكبيرة .

رسوخ ومصلحة التيار

ثالثا : دعوت إلى أن يكون هناك تعدد في الآراء ووحدة في القرار على أن يكون ذلك في التيار ومؤسساته ، وربطت ذلك بمصلحة ورسوخ التيار ومؤسساته ، فكيف يكون تعدد الآراء ووحدة القرار في مصلحة التيار ومؤسساته ؟ وكيف يكون أيضا من أجل رسوخ التيار ومؤسساته ؟ . فقط كمثال أعطيه لأنه حاضر في ذهنكم ، الآن ، فيما يتعلق بموضوع الانتخابات البلدية يوجد رأيين ، رأي يقول : بعدم الدخول في الانتخابات ، ورأي يقول : بدخول الانتخابات ، وهناك قرار من المؤسسة المخوَّلة ، وهي جمعية الوفاق ، وأيضا من الرموز الكبيرة بالدخول في الانتخابات ، فقد ينكشف لنا بعد حين خطأ هذا القرار وهذا الرأي ، فتأتي الحاجة إلى نقل القرار من الرأي الأول إلى الرأي الثاني ، وبالتالي هناك حاجة للإبقاء على الرأي الثاني ، ولأن تكون لهذا الرأي رموزه ، وتكون له مساحة عمله وحركته ، فإذا تبين لنا خطأ الرأي الأول ، يكون الانتقال إلى الرأي الثاني أمر سهل ، فهذا الرأي ناضج ، وله رموزه ، وله مساحته في الحركة ، وبالتالي لن نربط مصير التيار ومؤسساته برأي واحد ، فلو ربطنا مصير التيار برأي واحد ، وانكشف لنا بعد حين خطأ هذا الرأي ، فقد أضرينا بمصلحة ومؤسسات التيار ، وبذلك يكون هناك أكثر من رأي ، وقرار واحد من الرموز والمؤسسات المخولة ، ويمكن أن ينتقل هذا القرار من رأي إلى رأي آخر .

أنت اليوم في الظل

وفيما يتعلق بالمؤسسات ، فإدارة الوفاق ترى الدخول في الانتخابات البلدية ، وهناك رأي آخر في الجمعية يقول بعدم الدخول ، وقرار الجمعية حسب التصويت مع الدخول ، ونستطيع أن نقول لأعضاء الجمعية من الرأي والرأي الآخر ابقوا جميعكم في الجمعية ، فحينما يكون للبعض رأي آخر ، فلا حاجة لأن يخرج من الجمعية ، ونقول له : ابق في الجمعية ، وعبِّر عن رأيك ، وتحَّرك وفق قناعاتك ، فأنت اليوم في الظل ، وبعد ذلك ، ومن خلال آليات المؤسسة ، وعن طريق الانتخابات الحرة ، تستطيع أن تصل للإدارة ، وتقود الجمعية حسب رؤاك ، فأنت اليوم في الظل ، والرأي الآخر في الصدارة ، وقد يحدث العكس ، وبهذه الصورة نحفظ للمؤسسة وحدتها ، ونحفظ للآراء المختلفة حريتها في التعبير عن نفسها .. هذا ما يتعلق بمصلحة التيار والمؤسسة .

القناعات لا حرية فيها

أما ما يتعلق برسوخ المؤسسة والتيار ، فذلك لأن القناعات لا حرية للإنسان فيها ، كما في قوله تعالى : ( جحدوها واستيقنتها أنفسهم ) ، فمثلا ، نظر إنسان في سيرة النبي محمد (ص) ، ونظر في القرآن ، وأصبح بعد ذلك الدليل عنده ناهضا على أن النبي محمدا (ص) نبي ، فالإنسان في هذه الحالة لا يستطيع أن يتحكم في هذه القناعة ، ولا يستطيع أن يدفعها عن نفسه إذا قام عليها دليل ، فإذا قام الدليل على أن النبي محمدا نبي فسوف يكون مقتنعا بذلك ، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه هذه القناعة ، ولكنه ماذا يستطيع أن يفعل .. يجحد بلسانه ، وإن كان مقتنعا في داخله بذلك ، فإذا كانت هناك قناعة راسخة بأن الدخول في الانتخابات خاطئ ، فهذه القناعة لا نستطيع تغييرها إذا كان الدليل عند هذا الشخص قائم على ذلك ، وعليه فليس من الصحيح أن نقول لهذا الشخص تخلى عن قناعاتك ، ودافع عن القناعات التي لا تقتنع بها من الأساس ، والتي ترى خطأها ، هذا الأمر سوف يضعف المؤسسة والتيار ، ولكن نقول له : ابق على قناعاتك ، ومارس النقد والمعارضة بآلياتها الصحيحة ، ولكن : احترم القرار ، فهذا القرار يمكن أن يكون مع هذا الرأي ، وغدا يكون مع الرأي الآخر ، وهذا الأمر من شأنه أن يجعل التيار عصيا على الآخرين ، ومن شأنه أن يحصنه أيضا ، ويمكــِّنْ التيار من تحقيق أهدافه في النهاية ، وفي ذلك حماية له من الاحتواء.

لا حرج من الدخول تصويتا وانتخابا

رابعا وأخيرا : ويتعلق ببيان العلماء السبعة الأجلاء ، أولا : أنني أرى وأنا مطمئن إلى صحة رأيي ، بأن الدخول في الانتخابات خطأ .. هذا رأيي ، وهذا اطمئناني ، وأمارسه وفق القاعدة التي ذكرتها قبل قليل ، وأنا أفهم من بيان العلماء السبعة الأجلاء - حفظهم الله جميعا - بأنهم - حفظهم الله - يرون بأن المصلحة من الدخول في الانتخابات محدودة ، إذن .. لماذا أخرجوا البيان ؟ لأنهم قدروا بأن عدم الدخول فيه خسارة ومضرة فادحة ، وأرادوا تجاوز وتجنب هذا الضرر الفادح والكبير ، ولهذا أخرجوا هذا البيان ، لهذا أرجو بأن يحترم هذا الرأي ، ويقدر هذا القرار ، وبالتالي فإنه لا حرج على أي شخص من أبناء هذا التيار وبناته الدخول في الانتخابات البلدية ، انتخابا وترشيحا .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

بتاريخ 8 محرم 1422 هـ الموافق 22 / 3 / 2002 م
في مسجد الشيخ خلف في قرية النويدرات