» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



17/10/2008م - 7:57 ص | عدد القراء: 1430


نص الكلمة التي ألقاها الاستاذ بتاريخ 30 مايو 2003 م

الخطبة الدينية : لم تكن هناك خطبة دينية
الخطبة السياسية : حول العريضة العلمائية


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أعوذ بالله السميع العليم من شر نفسي الأمارة بالسوء ومن شر الشيطان الغوي الرجيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم صلي على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، ومن اتبعه بإحسان إلى قيام يوم الدين. السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا فاطمة الزهراء سيدتي وسيدة نساء العالمين، السلام على خديجة الكبرى، السلام على الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة أجمعين، السلام على جميع الأوصياء، مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، ومنار التقى، والعروة الوثقى، والحبل المتين، والصراط المستقيم. السلام على الخلف الصالح الحجة بن الحسن العسكري روحي وأرواح

المؤمنين لتراب مقدمه الفداء، السلام على جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والشهداء، السلام على شهداء الانتفاضة، السلام عليكم أيها الأحبة، أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته.

في البداية أعتذر عن القسم الأول من الخطبة، الذي يعرف بالخطاب الديني، وأقتصر في هذا الأسبوع على القسم الثاني، وذلك لأسباب صحية ‘ مع الرغبة في الحرص على إفادة المؤمنين، ويدور الحديث حول العريضة العلمائية بشأن قانون الأحوال الشخصية. وأقول في بداية الحديث أنني مع العلماء مئة بالمئة في جوهر الموضوع، وإذا كانت لي بعض الملاحظات كالكثيرين غيري، فهي ملاحظات جانبية لا تمس جوهر الموضوع، وسوف أتحدث في أربع مسائل بهذا الشأن.

المسألة الأولى:
وتدور حول إنجاح مشروع العريضة العلمائية: في تقديري أن إنجاح مشروع العريضة العلمائية يصل إلى درجة الضرورة، وذلك لسببين رئيسيين، وهما:
السبب الأول:
المحافظة على مكانة العلماء الأجلاء ودورهم في الساحة: لقد أثبتت التجربة في البحرين والبلاد الإسلامية، بأن الدين هو المحرك الأقوى للشعوب الإسلامية، والضابط الأقوى لإيقاعاتها، وأن العلماء يلعبون دورا رئيسيا وحاسما في حركات التغيير: الثورية والإصلاحية، فكل حركة جادة وذات طموحات شعبية كبيرة، لا يمكنها أن تنجح في تحقيق أهدافها بدون تصدي العلماء ومباركتهم، وكذلك الأخطار الكبيرة لا يمكن درؤها بدون تصدي العلماء ومباركتهم، وقد ثبت بالتجربة أيضا: أن شريحة العلماء الأجلاء، هم من أكثر الشرائح الاجتماعية إخلاصا، ولخطورة دورهم الاجتماعي والديني، فقد جاء في الحديث الشريف، عن الرسول الأعظم (ص): أن أهل النار يتأذون من نفس العالم الغير عامل بعلمه. والخلاصة أن واجبنا هو المحافظة على مكانة العلماء الأجلاء في الساحة، وذلك من أجل مصالحنا في الدين والدنيا، وإذا حدث خلل في أداء العلماء الأجلاء، وهو أمر وارد بدون أن يخدش ذلك في مكانتهم وسمعتهم الاجتماعية والدينية، إذا حدث الخلل في أداءهم، فالمطلوب منا هو تصحيح الخلل وليس إسقاط العلماء أو تعطيل دورهم في ساحة العمل الوطني ولإسلامي، وأنا على كل حال مع حق المراقبة والتقييم والنقد الإيجابي المستمر من أجل تحسين وتطوير الأداء، في سبيل خدمة أفضل للدين والوطن.
السبب الثاني:
تجنب حالة خطرة مضرة بالمسيرة الوطنية المباركة: وذلك أن فشل مشروع العريضة العلمائية في الوقت الراهن، سوف يؤدي إلى خلق وضع خاطئ خطير، يكون فيه المواطن بين خيارين كلاهما مر، فالمواطن سوف يكون إما مع خيار المخالفة الشرعية حسب اعتقاده مع سبق الإصرار، أو مع خيار المخالفة القانونية مع سبق الإصرار، وهذا وضع لا يخدم تقدم المسيرة الوطنية على أسس قوية ثابتة ، ولها تداعياتها على المواطن نفسه ، في دينه ودنياه .
المسألة الثانية:
وتدور حول بعض الأغراض السياسية المخاطر المصاحبة لطرح ملف قانون الأحوال الشخصية في الوقت الراهن ، وأذكر منها أربعة أغراض أو مخاطر .

الغرض الأول: من الواضح جدا أن الأطراف السياسية الفاعلة في الساحة المحلية، تختلف في ترتيب أولويات عملها واهتماماتها، فبعض الأطراف أو القوى السياسية تعطي اهتماما أكثر للمسألة الدستورية، وتجعلها في قمة اهتماماتها السياسية، بينما تضع أطراف أخرى الحالة الدينية ومن بينها قانون الأحوال الشخصية في قمة اهتماماتها، ومن الواضح جدا أن العلماء الأجلاء لم يكونوا هم أول من حرك ملف الأحوال الشخصية، وأن أقل ما يقال عن الأطراف التي حركت الملف، هي أطراف مشاركة في البرلمان الحالي، وقد جاء ذلك في الوقت الذي شخصت فيه القوى السياسية المقاطعة، أن الظروف الإقليمية الراهنة تمثل ظروفا مناسبة جدا لتحريك ملف المسألة الدستورية والبرلمانية، وبالتالي فإن تحريك ملف الأحوال الشخصية، وما صاحبه من ردود أفعال متوقعة لدى العارفين بالشأن المحلي، فإن تحريك ذلك الملف يمثل محاولة لمشاغبة القوى السياسية المقاطعة، وتضييع الفرصة المؤتية لها لتحريك ملف المسألة الدستورية والبرلمانية، وتحقيق أي تقدم ممكن في هذا الملف، وأعود وأأكد بأن العلماء الأجلاء لم يكونوا هم أول من حرك الملف.

الغرض الثاني: توجد أطروحة في الساحة المحلية، عمرها أكثر من عام، وقد طرحت في الصحافة المحلية والشارع العام، وتقول هذه الأطروحة: أن التحالف بين القوى السياسية الوطنية، هو تحالف هش، وذلك حسب هذه الأطروحة، أنه يوجد بين القوى السياسية الوطنية المتحالفة، اختلافات أيديولوجية جوهرية، وكذلك اختلافات جوهرية في معالجة بعض الملفات أو القضايا الوطنية، ومنها ملف الأحوال الشخصية، ويقدر أصحاب هذه الأطروحة، بأن التحالف سوف ينهار بمجرد تحريك المسائل أو الملفات أو القضايا المختلف جوهريا حولها، وهنا أذكر بنقطتين، وهما:
النقطة الأولى: أن الأطراف أو القوى السياسية المتحالفة تعلم منذ البداية مابينها من اختلافات، ولم يمنعها ذلك من التحالف، وهذه حالة صحية في العمل الوطني، وتدل على النضج السياسي للقوى السياسية المتحالفة، وأقدر بحق أن القوى السياسية المتحالفة، تستطيع أن تحقق نجاحا أكبر لقضاياها الخاصة، بدون أن تضر التحالف الوطني، أو وحدة وتماسك الجبهة الوطنية، من خلال إيجاد قاعدة ثابتة من التفاهم المشترك بينها، وأذكر بالأهمية القصوى لهذا التحالف الوطني لخدمة المسيرة الوطنية، والقضايا الوطنية المشتركة، ومن جوانب أهمية تحالف الوطني، خلق التوازن مع الحكومة، وتفويت كل فرصة لوسم الحركة المطلبية وأهدافها، بالطائفية أو التطرف، بعد أن يقيم التحالف الوطني الدليل القطعي على أن الحركة المطلبية وأهدافها، هي حركة وأهداف وطنية.

النقطة الثانية: ليس من الحكمة السياسية، أن تتنازع الأطراف أو القوى السياسية المتحالفة وغير المتحالفة، على قضايا مستقبلية قد تحدث وقد لا تحدث، والقوى السياسية الوطنية المتحالفة، متفقة حاليا على عدم عرض قانون الأحوال الشخصية على البرلمان الحالي، فإذا تحققت أهداف القوى السياسية المتحالفة، بشأن الدستور والبرلمان، فحين ذاك قد يتغير القول والفعل، ولم تضيق القوى السياسية وسعا في وضع قاعدة ثابتة للتفاهم فيما بينها حول مختلف القضايا المشتركة بينها، والمختلف حولها.

الغرض الثالث: تحاول بعض الأطراف من خلال تحريك ملف الأحوال الشخصية، الضغط على الرموز العلمائية، ومحاولة إقناعها بضرورة المشاركة في البرلمان الحالي، وذلك من خلال الإيحاء إليهم: بأنكم مهتمين كثيرا جدا بقانون الأحوال الشخصية، وأن هذا القانون سوف يمرر من خلال البرلمان الحالي، ولو كان لكم وجودا فيه، وفي إمكانكم أن يكون لكم فيه وجود كبير جدا، لما كان في الإمكان تمرير مثل هذا القانون، وبالتالي فإن عليكم أن تراجعوا أنفسكم بشأن المقاطعة. وأعتقد أن النتائج سوف تكون عكسية على هؤلاء، وأن سحرهم سوف ينقلب عليهم، من خلال التدقيق البسيط في الموضوع، فمن المعلوم للواقفين على تركيبة المجلس الوطني الحالي من الغرفتين، بأن الحكومة تستطيع أن تمرر هذا القانون ، وغيره من القوانين المماثلة ، من خلال المجلس الوطني بتركيبته الحالية ، مهما كان لنا من الحضور ، وهذا ما عبرت عنه سابقا ، وقد أصبح في غاية الوضوح : بأن البرلمان بهيكليته الحالية ، والأغلبية المضمونة لدى الحكومة ، وما تمثله من عملية ارتهان في المجلس لإرادة الشعب لمصلحة السلطة التنفيذية ، بأن البرلمان الحالي يصلح أداة لإفتضاض ضمير الأمة ، لأنه يسمح بتمرير قوانين خلاف قيم الشعب ومصالحه وباسمه ، ولهذا فإني أقدر بأن البرلمان الحالي يصلح أن يكون محرقة للمعارضة ، وأن المعارضة قد أنقدت نفسها بالمقاطعة من الإحراق الذي قد تمارسه الحكومة ضدها ، وهنا أشير إلى نقطتين ، وهما :

النقطة الأولى : لقد استطاعت المعارضة أن تقف في وجه محاولة تمرير قانون الأحوال الشخصية من خلال المؤسسة البرلمانية الحالية التي لا تعبر عن إرادة الشعب وإنما ترتهنه لصالح السلطة التنفيذية ، لقد استطاعت المعارضة أن تفعل ذلك بدون أن تسجل على نفسها أي شيء .
النقطة الثانية : إذا تحققت مطالب المعارضة المشروعة بشأن الدستور والبرلمان ، فإن بوسعها أن تضع حلا مناسبا يرضي جميع الأطراف ، ويعبر عن إرادة الشعب وقيمه ، ويخلصه من الازدواجية بين طاعة الشريعة وطاعة القانون ، المشار إليها في أول الحديث ، أقول : باستطاعة المعارضة إذا تحققت مطالبها بشأن الدستور والبرلمان ، أن تضع حلا مناسبا كما ذكرت قبل قليل على قواعد ثابتة من التفاهم المشترك على أساس من مرجعية دستورية صحيحة ، ومؤسسة برلمانية تعبر عن إرادة الشعب وقيمه .

الغرض الرابع: طرحت بعض الأطراف المدافعة عن القانون الأحوال الشخصية الموحد، بأن هدفها من ذلك هو تعزيز الوحدة الوطنية، والقضاء على الطائفية، وبغض النظر عن البحث في دوافع ونوايا هذه الأطراف، فإن الواقع يقول بان النتائج قد جاءت عكسية للأهداف المعلنة، فالحس الطائفي قد برز إلى السطح بصورة أسوء من خلال طرح هذا القانون، وأريد أن أشير في هذه اللمحة إلى أنه في الوقت الذي تمارس فيه الطائفية بشكل بادي للحواس بشكل شنيع، فإن المشاريع التي تقدمها الحكومة بهدف القضاء على الطائفية، كما هو معلن ، قد جاءت بنتائج عكسية ، مثلا : كان لدينا في البحرين معهد ديني سني حكومي ، وبدلا من تعديل مناهج هذا المعهد ، لتدرس فيه جميع المذاهب الإسلامية ، وبدلا من تعديل المناهج في المدارس الحكومية ، لتدرس فيها جميع المذاهب الإسلامية ، بدلا من ذلك أنشأ معهد ديني جعفري ، ليكرس الطائفية بدلا من معالجتها ، وكذلك بشأن المجلس الإسلامي الأعلى ، الذي صدرت فتاوى من فقهاء بحرمة التعاون مع أعضائه ، وكذلك قانون الأحوال الشخصية الموحد ، الذي نعيش هذه الأيام الضوضاء بشأنه ، فكل هذه المشاريع جاءت بنتائج عكسية ، وعلى الحكومة أن تراجع نفسها بشأن هذه القوانين وغيرها ، وبشأن مناهج عملها لمعالجة الطائفية وطنية .

المسألة الثالثة:
وتدور حول المآخذ التي صاحبت طرح مشروع العريضة العلمائية: طرحت في الشارع بعض المآخذ الجانبية التي لا تمس جوهر الموضوع، والتي صاحبت طرح العريضة العلمائية المباركة، وأنا أذكرها هنا لإبرهن على أن التيار يتابع ما يقال عنه، ويستمع إلى النقد، فضلا عن أنه يمارس الرقابة الذاتية، والنقد الذاتي، ويمتلك الشجاعة الأدبية والشفافية، للاعتراف بأخطائه إذا وجدت، وتجنبها في مشاريعه المستقبلية، من أجل تحسين أدائه وتطويره، في سبيل خدمة أفضل لدينه ووطنه، وسوف أذكر ثلاثة مآخذ أساسية قيلت في الشارع العام، بشأن العريضة العلمائية المباركة، برجاء الاستفادة منها في المشاريع المستقبلية، وهي:

المأخذ الأول- ويدور حول تفكيك المطالب : حيث يقال بأن الجمهور قد تبنى ملف المسألة الدستورية والبرلمانية ، ووضعه في قمة سلم أولوياته ، ولم يحصل الجمهور على الدعم المناسب من الرموز العلمائية ، بينما وضع الرموز العلمائية ملف الأحوال الشخصية في قمة سلم أولوياتهم ، ويطالبون الجمهور بالدعم القوي الحاسم لإنجاح مطالبهم في هذا الملف ، مما خلق جوا من الإرباك وعدم التفهم المناسب أو المطلوب بشأن المطالب والملفات الشعبية الساخنة ، ولا شك فإن ذلك يضعف الحركة المطلبية ، ويقلل فرص نجاحها ، ويتيح الفرصة للآخرين للعب عليها ، والمطلوب هو توحيد حركة الرموز والمؤسسات الوطنية الشعبية والجماهير ، في جميع الملفات والقضايا الشعبية الساخنة ، من أجل تقوية الحركة المطلبية بشأنها ، وتوفير فرصة أفضل للنجاح في تحقيق أهدافها .

المأخذ الثاني - ويدور حول غياب الرؤية الواضحة بشان مسائل وقضايا ملف الأحوال الشخصية : حيث يقال لنا بأنكم ترفضون قانون الأحوال الشخصية ، وتمريره من خلال المؤسسة البرلمانية الحالية فماذا تريدون ؟ ويفترض أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة حول مسائل وقضايا ذا الملف ، لنتحرك على بصيرة لتحقيق أهدافنا حول هذا الملف ، وحل إشكالاته ، فمن المفترض أن تكون لنا رؤيتنا التي نجيب فيها على الاطروحات النظرية التي تستند إليها الأطراف المطالبة بقانون الأحوال الشخصية ، الموحد أو غير الموحد ، وأن تكون لنا مقترحاتنا لمعالجة الإشكالات الإجرائية والفساد في القضاء الشرعي ، وأن نطرح ما نراه من إشكالات فقهية تدور حول القضاء الشرعي ، وما نراه من معالجات عملية لهذه الإشكالات ، فالحاجة إلى القضاء الشرعي ، حاجة فعلية ملحة ، ولابد من النظر بواقعية إلى هذا الموضوع ، ولابد لنا أيضا من طرح مخاوفنا السياسية حول هذا الملف ، مثل الخوف من تهميش القضاء الشرعي الجعفري ، وغير ذلك من المخاوف السياسية ، وتحديد مطالبنا بهذا الشأن ، وما لدينا من مقترحات ، وكذلك لابد لنا من تحديد رؤيتنا بشأن هذا الملف في ظل وجود المؤسسة البرلمانية ، في حالة وجود وضع دستوري وبرلماني صحيحين ، وفي حالة وجود وضع دستوري وبرلماني خاطئين ، كما هو الحال في الوقت الراهن ، والخلاصة : لابد من وجود رؤية تحدد بوضوح ما نريده نحن في هذا الملف ، وتجيب على كل الأسئلة والإشكالات العلمية والعملية المتعلقة بهذا الملف ، وما لم نفعل ذلك ، فإنه يمثل خللا فادحا في التحرك ، وقد يوقعنا في أخطاء كبيرة ، فالسائر على غير بصيرة ، كالسائر على غير الجادة ، كلما أزداد توغلا أزداد ضلالا .

المأخذ الثالث – ويدور حول نمط طرح مشروع العريضة العلمائية ، وذلك من وجهين :
الوجه الأول: في يد الرموز العلمائية الكبيرة مؤسسات وعناصر فاعلة ، لها علاقتها الممتازة مع كل الأطراف العاملة في الساحة المحلية الوطنية ، وكان من الفروض تحريك تلك المؤسسات والعناصر من أجل إيجاد قاعدة من التفاهم المشترك ، الذي من شأنه أن يحقق نجاحا أفضل لهذا الملف ، وفي نفس الوقت يحفظ الجبهة الوطنية أو التحالف الوطني من التصدع ، وهو الأمر الذي تراهن عليه بعض الأطراف ، وأقدر بأن إيجاد مقدارا من التفهم المشترك هو أمر في غاية الإمكان ، وللحقيقة أقول : بأنه رغم الإرباك الذي حدث في أول الأمر ، فقد تفهمت الأطراف المعنية الخطر المحدق بها ، وبادرت بإبداء قدرا من الحكمة في معالجة الموقف تشكر عليه .
الوجه الثاني – ويدور حول آلية وجمع التوقيعات: حيث يفترض أن تكون آلية وتنظيم جمع التوقيعات أفضل مما كانت عليه ، وهذه المسألة أثيرت في الكثير من المناطق ، وكان من المفروض أن تتشكل لجان بإدارة مركزية ، تقوم بجمع التوقيعات والإجابة على أسئلة الموقعين ، يتوفر في أعضائها قدرا من الكفاءة العلمية والاجتماعية ، فمن الملاحظ وجود قدرا من العشوائية في جمع التوقيعات ، وبقاء أسئلة الموقعين بدون إجابة ، وأغلب ما حملهم على التوقيع ، هو تصدر الرموز العلمائية الكبيرة الموثوق بها لهذا المشروع الضخم الخطير ، وهو المقدار الموثوق به والمطمأن إليه ، ومن المنهجية الإسلامية في العمل هو التبصير والسير بوعي وراء الإطروحات و المشاريع العملية ، وعلينا كإسلاميين أن نلتزم بذلك في عملنا الإسلامي والجماهيري ، والله ولي التوفيق والنجاح .

المسألة الرابعة – وتدور حول نقد الجماهير : وهي مسألة خارجة نسبيا عن الموضوع ، وأردت أن أعالجها في هذه المناسبة ، لوجود الصلة بين الموضوعين نسبيا ، حيث يقال أنني أنتقد الحكومة والمعارضة ولا أنتقد الجماهير ، وأضع الإجابة أو التعليق في النقاط التالية :
النقطة الأولى: المتتبع للشأن المحلي ، يجد أنني أعبر عن رأيي في المسائل الأساسية بكل وضوح ، بما في ذلك المسائل التي قد أختلف فيها مع الرأي السائد بين الجماهير ، وأدافع عن رأيي وأحاور الجماهير وأقيم الدليل على رأيي ، فإما أن أقنع برأيي أو أقتنع برأي الآخرين من خلال الدليل ، كان ذلك في التعبير عن رأيي بشأن استخدام القوة أثناء الانتفاضة ، وكذلك بشأن التصويت على الميثاق ، ومسائل أخرى لا حاجة لذكرها ، لأنه خارج عن الغرض ، فالمهم هو أنني أصارح الجمهور وأحاوره في المسائل الأساسية ، ولا أخفي رأيي عنه ، ولا أدغدغ عواطفه ، فالذي بيني وبينه هو رضا الله والحق ، وخدمة المصلحة العامة للناس ، كل ذلك أمارسه بشفافية واضحة ، وثقة متبادلة مع الناس .

النقطة الثانية: أن التجربة قد أثبتت بصورة قاطعة بأن الجماهير تتصف بالوفاء والصدق والإخلاص والطاعة للقيادات والرموز العلمائية، وقد بذلت التضحيات الغالية، منها التضحية بالنفس من أجلهم ومن أجل طاعتهم، ومثل هذه الجماهير يجب أن تحترم وتقدر جهودها، وقد وجدنا في القرآن الكريم ما يعبر عن هذا الاحترام والتقدير، مثل قوله تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... ) آل عمران - الجزء الرابع - الآية 110. وهذا الوصف الإلهي لا يخص القيادات أو النخبة ، وإنما يشمل جميع أبناء الأمة ، بما فيها الجماهير نساء ورجالا ، وقد قال الله تعالى لبني إسرائيل بأنه اصطفاهم وفضلهم على العالمين ، كمحاولة ربانية لرفع معنويات بني إسرائيل ، في وجه تعنت واستضعاف فرعون وقومه لهم ، وهذا ما ينبغي أن تفعله القيادات الإسلامية ، وفي مقدمتهم الرموز العلمائية الكبيرة مع الجماهير ، لاسيما إذا كانت الجماهير في حالة مواجهة ، أو في حالة مطالبة للحقوق المشروعة ، لاسيما إذا كانت الحقوق المطالب بها أساسية وكبيرة ومصيرية في حياة الشعوب كما هو الحال في البحرين ، وقد وجدنا لدى آية الله الخميني العظيم ، اهتماما كبيرا بالجماهير ، والثقة بهم ، والتعويل عليهم ، مما كان له الأثر الكبير في إيجاد الجمهورية الإسلامية في إيران ، والمحافظة عليها ، ولازال لهم نفس الدور في المحافظة على الجمهورية الإسلامية في إيران في الوقت الراهن ، مما حمل آية الله العظمى السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى أن يسير على نفس نهج الأمام الخميني رحمه الله في العلاقة مع الجماهير والثقة بهم والتعويل عليهم ، ودوام الاتصال بهم والتشاور والحوار معهم ، وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه في علاقتنا مع الجمهور .
النقطة الثالثة : أنني في الوقت الذي أصارح به الجمهور برأيي وأحاوره ، فإنني أكون حريصا على التسامح معه ، والحرص على عدم جرحه ، أو النيل من كرامته ومعنوياته ، أو التقليل من شأنه أو مكانته أو دوره في الساحة العامة والمسيرة الوطنية الإسلامية ، وذلك أخذا بقوله تعالى ، لرسوله الكريم : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ...) آل عمران- الجزء الرابع – الآية 159. صدق الله العلي العظيم .
وهذا ما يجب أن نحافظ عليه في علاقاتنا مع جماهيرنا المحترمة.

النقطة الرابعة: أنني أقدر بأن ظهور أو بروز أخطاء في جمهور مثل جمهورنا ، بما يتصف به من وفاء وصدق وإخلاص وطاعة لقياداته ، لاسيما القيادات العلمائية الكبيرة ، فإنها أخطاء تدل في الأغلب على تقصير القيادات وآليات عملها وتواصلها مع الجمهور ، ومن الظلم أن أحمل الجمهور مسؤولية أخطاء القيادات ، فبدون التقليل من مسؤولية الجماهير ، فإن الخطاب والنقد ينبغي أن يوجه للمسئولين بالدرجة الأولى عن الخطأ ، لا من أجل النيل من مكانة العلماء والقيادات ، وإنما من أجل العدل والتصحيح الواقعي للخطأ .

اكتفي بهذا المقدار واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

بتاريخ / /1424هـ - الموافق 30 / 5 / 2003 م
في مسجد الشيخ خلف في قرية النويدرات