» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



11/09/2008م - 7:11 م | عدد القراء: 1581


الموضوع: محاضرة للأستاذ عبد الوهاب حسين .
العنوان: الآفاق السياسية للحج وواقع الأمة .
المناسبة: منتدى الحج الأكبر .
المكان: قرية الدير - الجامع الغربي .
اليوم: مساء الخميس - ليلة الجمعة .
التاريخ: 16 / ذو القعدة / 1424هـ الموافق : 7 / يناير / 2004 م .
طرف الدعوة: جمعية التوعية الإسلامية - فرع المحرق .


أعوذ بالله السميع العليم ،من شر نفسي الأمارة بالسوء ، ومن شر الشيطان الغوي الرجيم .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين

اللهم صل على محمد وآل محمد ، وارحمنا بمحمد وآل محمد ، وأهدي قلوبنا بمحمد وآل محمد ، وعرف بيننا وبين محمد وآل محمد ، واجمع بيننا وبين محمد وآل محمد ، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة طرف عين أبداً .


اللهم معهم .. معهم لا مع أعدائهم
السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .

عنوان الكلمة كما أقترح وأعلن عنه في التقديم .. هو : " الآفاق السياسية للحج وواقع الأمة " وعليه سوف أبدأ بالحديث عن واقع الأمة في الوقت الراهن وأوضح أبرز ملامحه في نقاط محددة في سبيل الاختصار ولمزيد من الوضوح ، ثم أنتقل إلى الحديث عن الآفاق السياسية للحج .

القسم الأول - واقع الأمة في الوقت الراهن : سوف أبين أهم ملامح الواقع الراهن للأمة في نقاط محددة كما ذكرت قبل قليل في سبيل الاختصار ولمزيد من الوضوح.. والنقاط هي كالتالي :

النقطة الأولى: تفكك الأمة الإسلامية إلى دويلات متناحرة ، وقد وصل الحال ببعض هذه الدول إلى تحالفها مع اليهود وقوى الاستكبار العالمي ضد بعضها .. وضد دول مجاورة لها ، وعلى حساب المصالح والقضايا الحيوية والمصيرية للأمة الإسلامية .

النقطة الثانية: سيطرة الأنظمة العلمانية والمعادية للإسلام والتي لا تمتلك قاعدة شعبية على الحكم في معظم البلاد الإسلامية .. بدعم أجنبي ، وقد تجاهلت هذه الأنظمة الوجود الفكري والروحي والأخلاقي والاجتماعي للشعوب الإسلامية ، وبالتالي فالشعوب الإسلامية تعاني من مشكلتين رئيسيتين في ظل هذه الأنظمة العلمانية .. و المشكلتين هما :

المشكلة الأولى - الازدواجية : حيث تتقمص الأمة الإسلامية شخصية غير شخصيتها الإسلامية الأصيلة ، وهذا من شأنه أن يؤدي بالأمة إلى فقدان الهوية والأصالة التي تمثل القاعدة الحضارية التي ترسو عليها في حركتها الإنسانية والتاريخية في العالم ، وتفقد الوضوح في الرؤية الحضارية والبصيرة في الحياة ، وبالتالي تعاني من الخمود والجهل والتخلف الشامل الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وهذا ما نجده فعلاً في الأمة الإسلامية في الوقت الراهن في ظل هذه الأنظمة العلمانية اللقيطة .

المشكلة الثانية : لجوء هذه الأنظمة الظالمة المستبدة إلى حكم الشعوب الإسلامية بالحديد والنار ، فكثرت السجون وانتهاكات حقوق الإنسان بغير حدود ولا طائل في معظم البلاد الإسلامية ، وهذا ما أدى ولا يزال يؤدي إلى كبت الآراء وهدر الطاقات الجهود ، والنتيجة الحتمية لذلك دائما وفي جميع الأحوال هو : الضعف والتخلف وفقدان الأمن ، بدلاً من القوة والتقدم والاستقرار ، وذلك ما نجده فعلاً لدى الشعوب الإسلامية في ظل هذه الأنظمة القمعية المستبدة .

النقطة الثالثة: تعرض البلاد الإسلامية لهجمة شرسة من قوى الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا والكيان الصهيوني ، وتحرص هذه القوى في الوقت الراهن على تفتيت وحدة المسلمين ، وتقوية الروح المادية في الأمة ، ونشر الفساد الأخلاقي ، وقتل روح التضحية والجهاد ، لأنها تعلم يقيناً بأنها ما لم تفعل ذلك ، لن تستطيع أن تفرض هيمنتها على الأمة الإسلامية وسلب خيراتها ومقدراتها .

النقطة الرابعة: ازدياد رقعة الانحرافات الفكرية والسلوكية في البلاد الإسلامية ، بإرادة استكبارية ومباركة ودعم كبير ومباشر من الأنظمة العلمانية المعادية للإسلام ، التي تستند في وجودها وسيطرتها على الحكم على الدعم الخارجي لها ولسياساتها العلمانية البعيدة عن مناهج الإسلام ومتبنياته الفكرية والسلوكية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق .. وكل شؤون الحياة ، وعلى حساب مصالح الأمة وقضاياها المصيرية .. وضد إرادات الشعوب المسلمة المستضعفة . بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه الأحزاب والحركات والأطراف الموالية للغرب ، والتي ترغب في مناهجه وسلوكياته في الحياة ، بعيدا عن الدين وقيوده الشرعية والأخلاقية .

النقطة الخامسة: غياب القيادة الإسلامية الصالحة الواحدة ، وقد عزز غيابها مسألة تفتيت وحدة الأمة وهدر طاقاتها وجهودها في الحلقات الفارغة ، وفيما لا يعود على الأمة بالمصلحة والتطوير ، وإتاحة الفرصة بصورة أفضل لأعداء الأمة لكي يحققوا أهدافهم الخبيثة في داخل الأمة الإسلامية وخارجها ، وأن الأمة بدلا من التوجه الجدي والفاعل لمعالجة هذه المشكلة وإيجاد الحلول المناسبة لها في الوقت الراهن ، لم تكتفي بالاستسلام للأمر الواقع فحسب ، بل هي تغذي الخلافات بين المرجعيات الدينية والسياسية ، التي يفترض فيها أن تحمل لواء الوحدة ، وتوجد الحلول المناسبة لمشكلات الواقع .

التنبيه إلى خطر فظيع: وتجدر الإشارة هنا إلى الخطأ الذي تقع فيه بعض الأطراف المؤمنة ( غفر الله لها وألهمها الصواب والحكمة ) بتغذية الخلافات تحت عناوين علمية أولية وعناوين نظرية ، بغض النظر عن مجريات الأحداث في الواقع ، وبعض الأطراف تفعل ذلك من أجل مصالحها الخاصة المغلفة بالمصلحة العامة واختلاف الرأي ، ولو نظرت هذه الأطراف إلى فظاعة مخرجات ونتائج إطروحاتها ومواقفها وسلبياتها الخطيرة على أرض الواقع ببصيرة الإيمان ، لوجدت أنها مخرجات ونتائج تقشعر منها الأبدان ، وأنها ترضي الشيطان وتغضب الرحمن ، بغض النظر عن صحتها أو خطئها في نفسها ، مما يدل على قصر النظر لدى هذه الأطراف وخطئها في التقدير والتدبير.

أضواء من سيرة الإمامين الخميني والصدر :

أيها الأحبة الأعزاء: ونحن نستعرض هذا الواقع المؤلم في العالم الإسلامي ، يلمع لدينا في سماء العالم ، نجم شخصيتين عظيمتين نموذجيتين تعالتا فوق الجروح والأنانية ، ووقفتا المواقف الإسلامية الوحدوية المشرفة ، كمثال للشخصيات العلمية والدينية القيادية التي ينبغي أن تكون في العالم الإسلامي ، وهما الآيتين العظيمتين : السيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني ( رحمهما الله تعالى برحمته الواسعة ، وأسكنهما الفسيح والعالي من جنته ، إنه واسع كريم ) فهاتين الشخصيتين العظيمتين .. ولدينا المزيد ، تميزتا في أدائهما بدراسة الواقع والتحرك على ضوء معطياته وبمستوى استحقاقاته بصدق وإخلاص العبودية لله الواحد القهار الماجد ، بالإضافة إلى قوة التحرك ، وبحجم موقع المرجعية الدينية والمسؤولية الملقاة على عاتقها ، فلم يتهربا من المسؤولية ، ولم تأخذهما في الله لومة لائم ، ولم يضعفا أمام الضغوط والمغريات ، ولم تؤثر في حركتهما الهواجس ولم تحبسهما الظنون ، وإنما قاما بالواجب ونهضا بالمسؤولية على أكمل وأحسن وجه يرضاه الرب تبارك وتعالى ، ويخدم مصالح المسلمين ويحفظ حقوقهم وكرامتهم ، ولو تصرفت كل القيادات الدينية في العالم الإسلامي ، بنفس المستوى من المسؤولية والجودة في الأداء ، لكان واقعنا الإسلامي اليوم يختلف كثيراً .. كثيرا عما هو عليه الآن ، فالقيادات الدينية والسياسية بأدائها المنخفض والسيئ في العالم الإسلامي ، وتجاهلها لمسؤولياتها الحقيقة تحت تأثير الخوف أو الطمع أو الهواجس والظنون .. وقصر النظر ، وعملها الشنيع في تبرير القبول بالأمر الواقع الظالم والمنحرف ، وتقاعسها عن مقاومته ، وتثبيط همم المؤمنين عن مقاومة الظلم والانحراف ، هي مسئولة وبدرجة كبيرة عن تدهور الأوضاع في العالم الإسلامي إلى صف الحكام والأطراف المعادية والمخالفة للإسلام ، وسوف تتضح أبعاد أخرى في هذا الموضع في مستقبل الحديث .

النقطة السادسة: ينقسم المسلمين في مواقفهم من الأوضاع المتخلفة والمتدهورة ومن الظلم والانحراف في العالم الإسلامي إلى ثلاث فئات رئيسية .. وهي :

الفئة الأولى: المستسلمون للأمر الواقع ، وهم الذين لا يسعون بجد لتغير الأوضاع المتخلفة والظالمة والمنحرفة عن الدين في البلاد الإسلامية ، وإن أنكروها بقلوبهم وألسنتهم ، إلا أنهم لا يسعون ولا يعملون بجد وإخلاص لتغييرها ، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، وهم الأكثرية في البلاد الإسلامية .

الفئة الثانية: المجاهدون المعتدلون ، وهم الذين يرفضون الواقع المنحرف والمتدهور في العالم الإسلامي ، ويقاومونه ويسعون بجد وإخلاص إلى تغييره وتطويره للأحسن ، ويلتزمون بمبادىء الإسلام وقيمه وأحكامه في الجهاد .

الفئة الثالثة: المجاهدون المتطرفون ، وهم الذين يشاركون المجاهدين المعتدلين في مسؤولية الرفض والمقاومة للواقع المنحرف والمتدهور في العالم الإسلامي والسعي لتغييره وتطويره ، إلا أنهم يتجاوزون بسبب جهلهم وقصورهم مبادىء الإسلام وقيمه وأحكامه في الجهاد والمقاومة والمطالبة بالحقوق ، مما يؤدي إلى مفاسد وسلبيات خطيرة ، قد تفوق في خطورتها فساد الواقع المنحرف الذي يسعون لتغييره وتطويره ، وهذه الفئة من المجاهدين تجعل العالم الإسلامي بين سندان الانحراف ومطرقة التطرف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ألعلي العظيم ، نعم الهادي ونعم المولى ونعم النصير .

تنبيه علمي سياسي مهم: وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجاهدين الشيعة يغلب عليهم الاعتدال ، وذلك بفضل فتح باب الاجتهاد عند الشيعة ، وتحديد شروطه بدقة علمية متناهية ، والالتزام العملي بالمرجعية الدينية ، وذكر هذه الإشارة يأتي من باب الوصف العلمي الموضوعي للواقع ، وليس بدافع الانحياز الطائفي البغيض ، وبهدف التعرف على علل أوضاعنا والاهتداء إلى سبل حلها .

القسم الثاني - الآفاق السياسية للحج : يعد الحج مؤتمراً إسلامياً سنوياً ، والحج ليس هو المؤتمر الوحيد في الإسلام ، فهناك صلاة الجمعة والجماعة والأعياد ، وكلها مؤتمرات إسلامية ، ولكن الحج أكبرها ، فهو مؤتمر إسلامي عالمي سنوي ، يجتمع فيه المسلمون من كافة أنحاء العالم بكل أجناسهم ولغاتهم وشرائحهم وطبقاتهم ومستوياتهم ، يتعارفون فيما بينهم ويتشاورون ويتبادلون وجهات النظر فيما يخدم مصالحهم ويوثق روابط وعرى الأخوة بينهم ويجمع كلمتهم ، ويتعاونون في تشخيص أوضاعهم ، والتعرف على مشكلاتهم ومكائد أعدائهم ، ويتبادلون الخبرات والمساعدات لحلها والتغلب عليها .

وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين قبل الدخول في الحديث عن الآفاق السياسية للحج .. وهما :

الملاحظة الأولى : تمتاز الأمم الحية بالوعي لما يجري فيها وما يجري حولها من أحداث ، وهي تراقب الأوضاع والأحوال والأحداث وتدرسها بدقة وتحاسب عليها المسئولين والقيادات والمؤسسات الرسمية والشعبية ، في سبيل التصحيح والتطوير والدفع بعجلة التقدم الشامل فيها ، والأمة الإسلامية بحكم موقعها ووظيفتها التاريخية والإنسانية الربانية في العالم ، ولكونها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ولكونها الشاهدة من الله تبارك وتعالى وبين يديه علي الأمم ، بنبيها الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم السلام ، وبدينها الحنيف ، وبكتابها الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، ولكونها الأمة القائدة إلى الله والدالة عليه ، ينبغي أن تكون في مقدمة وصدارة الأمم الواعية ، وهي ليست كذلك الآن ، كما هو واضح من خلال النقاط التي ذكرت في رسم ملامح الواقع للأمة الإسلامية قبل قليل ، مما يفرض علينا مراجعة صادقة للنفس وتحمل المسؤولية في تصحيح الأوضاع وتطويرها ، وأن لا نجامل أحدا على حساب ذلك ، فإنه يعد من الخيانة للأمانة الربانية الملقاة على عواتق المسلمين ، فلا ينبغي أن يكون أحد عندنا فوق الدين والمصالح العامة للمسلمين والإدارة الصحيحة لواقعهم وقضاياهم الحيوية والمصيرية ، فإن الولاية والطاعة هي من أجل ذلك وليس على حسابه ، فلا يصح أن تنقض الولاية والطاعة لأحد من الناس هذا الغرض والتوجه الصادق في إدارة الواقع وخدمة المسلمين وقضاياهم الحيوية والمصيرية ، والمحافظة على مصالحهم العادلة المشروعة وصيانة مكتسباتهم ، فالحكيم لا ينقض غرضه بنفسه .

وعليه: لا بد لنا من مراجعة شاملة ونظرة فاحصة لأوضاعنا ودراستها وتحليلها بموضوعية وعلمية ، ويشمل ذلك أداء قياداتنا ومؤسساتنا الرسمية والشعبية ومحاسبتها بدقة وموضوعية ، وبدون مجاملة على حساب الغاية المطلوبة والمرجو منا تحقيقها .

التنبيه إلى بعض التصورات الخاطئة: وهنا تجدر الإشارة إلى بعض التصورات الخاطئة ، التي ترى بأن نقد أداء القيادات يؤدي إلى إهانتها وإضعاف دورها ومكانتها بين الناس وتفرقهم عنها ، وهو خلاف المصلحة كما يقولون ، وهذا تصور خاطىء ومخالف للمنهج القرآن المستنير بنور الحق تبارك وتعالى ، ويدل على عدم الثقة بالنفس ، وعدم الوثوق بصدق وجودة أداء القيادات ، فالمنهج القرآني يدعو إلى التمسك بالقيادات عن علم وإيمان بصحة منهجها وصدقها فيه ، والعلم بكفاءتها وجودة أدائها وفاعليته في تحقيق الأهداف والأغراض المشروعة التي تسعى الأمة أو الجماعة لتحقيقها ، وهي القيادات التي تسيطر على القلوب وتحكمها عن قناعة وإيمان ، في مقابل القيادات التي تسيطر على الأجساد وتحكمها بالقوة والإرهاب ، ولا يتحصل العلم والإيمان والقناعة بصدق القيادات وكفاءتها وبجودة أدائها وفاعليتها في تحقيق الأهداف والأغراض المشروعة إلا من خلال التجربة ، ويلزم عن ذلك أن تخضع الأمة أو الجماعة قياداتها ومؤسساتها الرسمية والشعبية للمراقبة والنقد والمحاسبة ، وما لم تفعل ذلك لن تحصل على علم وإيمان وقناعة بصحة منهج القيادات والمؤسسات في الفكر والعمل وصدقها فيه ، وصدقها وكفاءتها وفاعليتها في تحقيق الأهداف والأغراض المشروعة للأمة أو الجماعة ، وبدون التجربة والنقد والمحاسبة ، سوف تبقى علاقة الأمة بالقيادات والمؤسسات علاقة سطحية قائمة على المجاملة والأوهام ، وغير قادرة على تحصيل الأهداف الكبيرة وبلوغ الغايات الضخمة ، ولن تجني الأمة والجماعات منها سوى الفشل والتخلف .

ومن جهة أخرى: فإن النقد والمحاسبة لا يؤدي - كما يقولون - إلى إهانة القيادات والتقليل من شأنها ، فليس هناك من يعظم الأنبياء ويحفظ مكانتهم أكثر من الله تبارك وتعالى الذي أرسلهم إلى الناس مبشرين ومنذرين ، ومع ذلك وجدنا في القرآن الكريم تقييم لأداء الأنبياء ومحاسبة لهم .

قال الله تبارك وتعالى: { وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) .

في هذا الآية الشريفة المباركة ، نجد من الله تبارك وتعالى مراقبة لأحد أنبيائه عليهم السلام ، وهو نبي الله يونس عليه السلام ، وتقييم لأدائه في هدايته لقومه وصبره عليهم ، ونقده في تركه الأولى ، ومحاسبته وعقابه بالحبس في بطن الحوت ، وقد نهى الله جل جلاله نبيه الأعظم الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون كصاحب الحوت عليه السلام فيما بدر منه مع قومه .

قال الله تبارك وتعالى: { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } ( الحاقة : 48 ) .

ولا يعد ذلك إهانة من الله جل جلاله لنبيه يونس عليه السلام ، حاشى لله تعالى أن يهين أحداً من أنبيائه عليهم السلام ، وقد خرج نبي الله يونس عليه السلام من سجنه في بطن الحوت ، وهو أكثراً قرباً وإخلاصاً لله تبارك وتعالى ، وأقوى عزيمة وأنفذ إرادة ، وألصق بالناس وأكثر حرصاً وأصبر عليهم من ذي قبل ، وهكذا لعبت المراقبة والمحاسبة دورها في تقوية القائد وإعداده وتأهيله لممارسة دوره بصورة أفضل ، وهكذا ينبغي أن تكون .

الملاحظة الثانية: ما كان للأوضاع المأساوية التي ذكرت قبل قليل أن توجد وتبقى في الأمة الإسلامية لو أن المسلمين ( أرشدهم الله تبارك وتعالى للصواب ) قد تمسكوا بمنهج ربهم ، واستلهموا الدلالات المتنوعة البعيدة والقريبة للعبادات الشرعية ، وهذا ما سنحاول أن نبرزه في هذا القسم من الحديث عن الحج إن شاء الله تعالى ، وقد ثبت بالتجربة التاريخية والمعاصرة ، أن موسم الحج كان مناسبة لجأ إليها الكثير من المضطهدين للتعريف بظلامتهم واستنهاض المسلمين للوقوف إلى صفهم .. ونجحوا في ذلك ، وهذا ما ينبغي أن يكون لكل أوضاع المسلمين اليوم .

وأرى بأن هناك آفاق رئيسية روحية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية شاملة للحج ، ينبغي الإلتفات إليها وأخذها بعين الاعتبار ، وسوف أذكر - كما هو مطلوب في هذه الليلة - بعض الآفاق السياسية للحج .. وهي كالتالي :

أولاً - البراءة من المشركين : قال الله تعالى : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ( التوبة : 3 ) .

أصول البراءة في القرآن الكريم : وللبراءة من المشركين أصولها في القرآن الكريم ، وهي من المسائل الواضحة جداً فيه .

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل . إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون } ( الممتحنة : 1- 2 ) .

وقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } ( النساء : 144 ) .

وقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } ( المائدة : 51 - 52 ) .

وقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ( المائدة : 57 ) .

البراءة من المشركين من الدلالات المعنوية الأكيدة للحج : فالحج يبدأ بالإحرام والتلبية ، ومن دلالات الإحرام : التجرد لله تعالى والخروج من كل شيء يمنع عنه ، ومن دلالات التلبية : العزم القوي والإرادة الأكيدة على السير في الطريق الواضح إلى الله ذي الجلال والإكرام ، والالتزام بالطاعة المطلقة له سبحانه وتعالى ، وعدم المحاباة لأعدائه على خلاف طاعته وولايته ، والطواف حول البيت يدل على الملازمة لولايته وحدوده ، وعدم الخروج عنهما لولاية أعدائه وطاعتهم ، فمن حج ولم يخرج من ولاية الشيطان والطواغيت والفراعنة الظالمين وقوى الاستكبار العالمي ، فحجه صوري ولم يحج حقيقة ، فالحج صرخة مدوية في وجه الشياطين والطواغيت والفراعنة الظالمين المستبدين والمنتهكين للحقوق والحرمات والمقدسات ، والخروج من ولايتهم وطاعتهم إلى ولاية الله رب العالمين وطاعته .

وقد ذكر الله تعالى مسألة البراءة من المشركين في الحج صراحة وبدون غموض ، وهي أحد التجليات المهمة والدلالات المعنوية العظيمة للحج ، فليس لأحد أن ينكرها . وأما أشكال ووسائل التعبير عنها ، فتخضع لاجتهادات المؤمنين وإبداعاتهم ، وينبغي الرجوع في ذلك للمراجع الدينية الكبيرة ، والوقوف عند إرشاداتهم وتوجيهاتهم ، في سبيل المحافظ على حرمة الحج والمشاعر المقدسة ، وعدم الإضرار بالصورة الناصعة للحج .

وتتجلى أهمية البراءة حينما نأخذ بعين الاعتبار ، ما ذكر قبل قليل في الحديث عن واقع الأمة الإسلامية ، من تعرض الأمة إلى هجمة استكبارية شرسة وهيمنة الأنظمة العلمانية المعادية للإسلام على الحكم في البلاد الإسلامية ، وتحالفاتهم مع الأعداء ضد بعضهم ، وضد مصالح الأمة وقضاياها المصيرية ، فينبغي على ضوء ما سبق ، أن يرجع الحاج إلى وطنه وقد تشبع بالرفض لهذه الهيمنة ومقاومتها ، حتى تستعيد الأمة هويتها واستقلالها .

ثانياً - بناء الوحدة الإسلامية وتدعيمها : وهي من المسائل التي تتجلى في الحج بأنصع صورها ، وقد ذكرها الباحثون في الحج ، وأجمعوا على أنها من فوائد الحج ، وهي من أصول المنهج الإسلامي التي ذكرها القرآن الكريم .

قال الله تبارك وتعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } ( الأنبياء : 91) .

وقال الله تبارك وتعالى: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) .

أيها الأحبة الأعزاء: لقد فرض الله رب العالمين تبارك وتعالى ، العبادات التي تجسد الوحدة الإسلامية والقوانين التي تنظمها ، ومن العبادات المهمة التي تجسد الوحدة الإسلامية في أنصع صورها.. فريضة الحج .

وفي الحج نلمس بعدين رئيسيين .. وهما :

البعد الأول - إلغاء التمييز والفوارق بين المسلمين : حيث يأتي المسلم للحج طائعاً متذللاً لله رب العالمين ، وقد نزع عن نفسه الكبر وكل وساوس الطبقية والتعالي على الآخرين .

ففي الحج يقف العربي والأعجمي ، والحاكم والمحكوم ، والغني والفقير ، والأبيض والأسود ، والأمي والمثقف ، والرجل والمرأة ، يقفون بلا استثناء في مناسك عبادية متساوون في الزمان والمكان والشكل والممارسة ، لا فرق بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح ، وهذا من شأنه أن يعزز البعد الإنساني والكرامة الإنسانية بين المسلمين ، ويساعد على رص الصفوف وتوحيد الكلمة بينهم ، ويعطي مصداقية حقيقية للمعالجات الإسلامية للقضايا والمسائل الإنسانية ، حيث يجعل المعالجة موضع التنفيذ والتطبيق والممارسة ، ولا يبقيها مجرد شعار من أجل الاستهلاك الإعلامي والكلامي ، أو توظيفها لأغراض خاصة مثل الدعايات الانتخابية ، كما يفعل الكثير من الناس أثناء الانتخابات والحاجة إلى الناس ، حيث يرفعون الشعارات البراقة ويعطون الوعود الضخمة للناس ، ثم يتبخر كل شيء بعد انقضاء الحاجة والحصول على المآرب الخاصة ، وهذا كله بعيد عن المنهج الإسلامي وأخلاق المؤمنين الصادقين في إيمانهم وتوجهاتهم في الحياة ، والذين يريدون رضا الله تبارك وتعالى وخدمة المصالح الحيوية والقضايا المصيرية والجوهرية للناس ، ولا يريدون علواً ولا فساداً في الأرض .

البعد الثاني - لم شمل المسلمين : حيث يجتمع المسلمون من شتى بقاع العالم على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم في مكان واحد وزمان واحد ، مما يعزز وحدتهم الفكرية والعقائدية ، ويوثق عرى وروابط الأخوة بينهم ، ويتيح لهم فرصة تدارس أوضاعهم ومشكلاتهم وتكوين رؤى موضوعية شاملة عنها ، والبحث عن أفضل السبل وأنجعها لحلها ، والطرق الكفيلة بتطوير الأوضاع وتحسينها ، والطرق التي يتعاونون بها فيما بينهم ويقدمون المساعدات إلى بعضهم البعض ، ويشيعون الخير والمحبة والعدل بينهم .

وتأتي أهمية لم شمل المسلمين في الحج ، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما سبق ذكره في الملامح الرئيسية لواقع الأمة ، من تفكك الأمة إلى دويلات صغيرة متناحرة يقاتل بعضها بعضاً ، ويعتدي بعضها على بعض ، ويوالي بعضها الأعداء ، ويتحالف معهم ضد الدول الإسلامية ، وضد مصالح المسلمين وقضاياهم الحيوية المصيرية ، فينبغي أن يخرج الحجاج بإدانة لهذا الواقع والتصميم على تغييره ، وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم لم يستفيدوا من رسالة الحج العظيم والشعائر المقدسة فيه .

قوى الاستكبار العالمي والحج : لقد أدركت قوى الاستكبار العالمي وعملائهم ما تملكه فريضة الحج من القدرة على توحيد صفوف المسلمين وحشد قدراتهم في الاتجاه الصحيح الذي يخدم وجودهم ومصالحهم ، ولما لم يكن في وسعهم إلغاء موسم الحج ، لجأوا إلى الحد من تواجد المسلمين في الحج ، والتقليل من فرص التقائهم ، وأثاروا المشكلات والصعوبات في وجوههم ، ولجأوا إلى تفريغ الحج من محتواه الصحيح وإبطال مفعوله وخصائصه الفاعلة المتميزة ، وهذا ما ينبغي على المسلمون أن يحذروا من الوقوع فيه ، وأن يحرصوا على تفويت الفرصة على الأعداء ، فيحرصوا على التواجد في الحج ، وعلى تشكيل الوفود وتبادل الزيارات مع كافة الحجاج من العالم الإسلامي ، والتعرف على أوضاع بلدانهم ، وتبادل وجهات النظر معهم حول شؤون الإسلام وأوضاع المسلمين ومختلف قضاياهم ، والسعي لتشكيل اللجان على مستوى العالم الإسلامي لمواصلة البحث والمتابعة والتعاون فيما اتفقوا عليه ، وقد لعب الحج دوره التلقائي في تحقيق أهدافه بإرادة ربانية قاهرة ، والمطلوب هو أن يسعى المسلمون بإرادتهم الحرة الواعية لتحقيق المزيد من هذه الأهداف النبيلة ، والإسراع في دفع عجلة التقدم والإصلاح وتحقيق النصر ، ولو كانت حكومة المملكة العربية السعودية تحمل هذا التوجه وتحرص عليه ، لكانت المهمة أسهل والنتائج أفضل ، وإذا كانت حكومة المملكة العربية السعودية مقصرة في أداء مهمتها ودورها ، فهذا لا يلغي مسؤوليات الحكومات الأخرى في البلاد الإسلامية ، ومسؤوليات القيادات الدينية والشعبية ومسئولي الحملات والمرشدين ، فعليهم أن ينهضوا بمسؤولياتهم على أكمل وأحسن وجه ، في تحقيق أهداف الحج العبادية والروحية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها من الأهداف التي تساهم في البناء المادي والمعنوي للأمة الإسلامية .

وهنا ينبغي التنبيه إلى توصيات عديدة .. أهمها التوصيات التالية :

التوصية الأولى : الاهتمام بنشر الثقافة الإسلامية وتوعية المسلمين بثقافتهم ، وتعزيز التعارف والتلاحم الفكري بينهم ، لكي ينهضوا ليؤدوا دورهم كاملاً في خدمة البشرية والحضارة الإسلامية والإنسانية ، على ضوء منهج السماء النير العظيم .

التوصية الثانية : الانفتاح على كافة الشعوب ، والاهتمام بدراسة كافة الشؤون الإسلامية والقضايا والمسائل التي تهم الشعوب الإسلامية والمستضعفة والتعاطف معها ، وتوصيل قضايا شعبنا إلى الشعوب الإسلامية الأخرى ، والحرص على تحصيل دعمهم ومساندتهم لقضايانا المشروعة العادلة .

التوصية الثالثة : السعي لتشكيل اللجان المتخصصة من كافة الدول الإسلامية ، لدراسة المواضيع والقضايا والمسائل محل الاهتمام .. ومتابعتها ، والمساهمة فيها ودعمها بكل وسيلة ممكنة .

ثالثا - الأبعاد الشمولية للحج : الحج من العبادات الإسلامية وهو أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام ، وقد استفاضت في ذلك أحاديث الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام .

قال الإمام الباقر عليه السلام : " بني الإسلام على خمس دعائم : إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج بيت الله الحرام ، والولاية لنا أهل البيت " .

وللحج كما لسائر العبادات في الإسلام مقاصد وغايات عديدة ، فالإسلام دين المقاصد والمصالح والقيم النبيلة والشريفة عالية القدر والمكانة ، وليس دين العبادات المجردة من الأهداف والغايات المشروعة التي تخدم الإنسانية في دينها ودنياها وآخرتها ، فالحج ليس بعيداً عن الجوانب المادية من حياة الإنسان ، في الوقت الذي يمثل فيه عبادة من أهم العبادات ، وركناً من أهم الأركان التي بني عليها الإسلام ، وينمي الجانب الروحي والأخلاقي عند الإنسان المسلم ، فالحج كسائر العبادات في الإسلام يهتم بتشييد الجوانب المادية من حياة الإنسان على أساس الإيمان والتوحيد ، لتكون حياة الإنسان كلها خالصة لله تبارك وتعالى ، وكل ما ليس لله في حياة الإنسان فهو للشيطان .
قال الله تبارك وتعالى : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق . ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } ( الحج : 27 - 30 ) .

أيها الأحبة الأعزاء : تنص هذه الآيات الشريفة المباركة ، على أن تحصيل المنافع من فوائد الحج ، وعبارة المنافع تدل على كل المصالح الإسلامية المشروعة ، الروحية والأخلاقية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المصالح التي تبني حياة المسلمين المادية والمعنوية ، وقد نصت الآيات الشريفة المباركة على بعض المقومات المادية والحضارية لحياة المسلمين التي ترتبط بالحج .. منها : النظافة وإطعام الفقراء وتجنب قول الزور .. الخ .

إلا أننا حينما نقف على ذكر الطواف بالبيت الحرام وتعظيم حرمات الله غز وجل في الآيات الشريفة المباركة ، فإننا نجد أنفسنا أمام مفهوم عظيم للحج وسائر العبادات في الإسلام ، حيث يدل ذلك على ارتباط الحج بكل مساحة الحياة وساحاتها ومجالاتها وميادين العمل المختلفة فيها ، فالطواف بالبيت الحرام وتعظيم حرمات الله تعالى ، يعني الدخول إلى ساحة قدس الله تبارك وتعالى وولايته وطاعته والوقوف عند حدوده وأحكامه وشريعته والتحرك في كل الساحات التي يرضاها سبحانه وتعالى فقط ، والخروج من ولاية الشيطان وطاعته مطلقاً ، والخروج من ولاية الفراعنة والطواغيت وقوى الاستكبار العالمي وطاعتهم ، ومن لا يكون مع الله جل جلاله في أية جزئية من جزئيات الحياة فهو مع الشيطان وأوليائه من الفراعنة والطواغيت والمستكبرين في تلك الجزئية قطعاً ، وهنا نجد أنفسنا مع نمطين من الانحراف عن الإسلام يجب علينا الحذر الشديد منهما.. وهما :

النمط الأول - الانحراف الصريح عن الإسلام : ويمثله الذين يصرحون بمخالفة الإسلام في سلوكهم ، ولا يرون بأن الإسلام يمثل منهجهم الذي يسلكونه في الحياة .

النمط الثاني - الانحراف الخفي عن الإسلام : ويمثله الذين يدعون بأن الإسلام يمثل منهجهم في الحياة ، ويحرصون شديد الحرص على الطهارة والصلاة والصيام والحج ، ويدققون في الأحكام الصورية لها ، ويكونون دائما في الصفوف الأولى في الجمعة والجماعة ، وفي الطلائع الأولى من الحجاج ، ويصومون شهر رمضان المبارك العظيم ، وربما أضافوا إليه صيام شهري رجب وشعبان وغيرهما من الصيام المستحب ، ولكنهم يحسدون الآخرين ويغشونهم ويظلمونهم ، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، ويستسلمون للواقع المنحرف ، ويصانعون الظالمين ويعاضدونهم ويزينون لهم الظلم وينصرونهم على المؤمنين والمظلومين والمستضعفين ، ويثبطون الناس عن مواجهة الظلم والانحراف تحت عناوين شتى خاوية ، ويعادونهم خوفا وطمعاً ويسلقونهم بألسنة حداد .. أشحة على الخير ، فهؤلاء الناس الذين يدعون بأن الإسلام منهج حياتهم ، لا يراعون الله جل جلاله في ساحات الحياة المختلفة ، ويفصلون الشعائر والعبادات عن شؤون الحياة ، وقد يتوهمون أن الله جل جلاله راضى عنهم ، لأنهم في الصفوف الأولى في صلاة الجمعة والجماعة ومن الذين يستغفرون بالأسحار ، ومن حجاج بيته الحرام ، ومن الذين يصومون شهر رمضان ، ويضيفون عليه صوم شهري رجب وشعبان وغيرهما من الصيام المستحب ، ويقيمون مجالس العزاء على الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام ، وفي الواقع فإن هؤلاء الناس لم يقدروا الله سبحانه وتعالى حق قدره ، ولم يفقهوا معنى الطهارة والصلاة والحج والصيام وإقامة مجالس العزاء ، ولم يقدروا قيمتها .. ولم ينتفعوا منها ، وإن كان فيهم من يسمون أنفسهم علماء .

كيف ينبغي أن يعود الحاج إلى وطنه ؟

قلت قبل قليل : أن الحج يبدأ بالإحرام والتلبية ، والإحرام يعني قطع الإنسان علاقته بكل شيء يقطعه عن الله تبارك وتعالي ، وتجرده إلى الله سبحانه وتعالى في كل الشؤون والقضايا وفي كل شيء يمس حياته وحياة الآخرين ، والتلبية تعني عزم الإنسان الأكيد على السير في طريق الله تبارك وتعالى وعدم التراجع عنه ، والاستغراق في طاعة الله الرب الرحيم ، والخروج من طاعة الشيطان وأوليائه من الطواغيت والفراعنة والمستكبرين .

وبعد أن يحدد الحاج توجهه في الحياة ، ويعزم على السير في الطريق إلى الله الأحد الصمد ، يأتي الوقوف في عرفة ، فيعترف الإنسان بذنوبه وتقصيره في جنب الله الغفور الرحيم ، ويستغفره ويتوب إليه منها ، فتحصل له بذلك الطهارة الروحية والقلبية ، ويكون مهيأً للقرب من الله والدنو منه ، حيث لا يمكن أن يحصل القرب من الله السبوح القدوس بدون طهارة ، فيكون النزول بالمزدلفة الذي يعني الدنو والقرب من الله السبوح القدوس تبارك وتعالى ، ومن حرمه وساحة قدسه ، ثم يواصل طريقه إلى الله الذي إليه المنتهى والرجعى ، فيكون النزول بمنى ، وهنا يبرز دور الشيطان ومكائده ليقطع الطريق على العبد إلى الله رب اللائكة والروح في هذه المرحلة المتقدمة من السلوك ، فيرجمه بكل إرادة وتصميم ليواصل طريقه إلى منتهى غايته ومناه ، ويرجم كل الشياطين الكبار والصغار الذين يحاولون الوسوسة له ليقطعوا عليه الطريق إلى محبوبه إله العالمين ، ويبرز دور النفس الأمارة بالسوء التي تحاول أن تقعده عن مطلوبه وتقيده بقيود الشهوات والرغبات الدنيئة عن التحليق في سماء الفضيلة والإنسانية الرفيعة وساحة القرب .. فينحرها ، ويتذكر جسده الذي طالما عصى الله فيه ، فيرغب في التخلص منه ليأتي إلى محبوبه بجسد لم يعصه فيه ، فيكون الحلق أو التقصير إشارة إلى هذه الرغبة ، وبعد ذلك يكون الطريق مهيأً له لكي يدخل إلى حرم الله الطاهر وساحة قدسه ، فيكون الطواف حول البيت ، وهو عين الدخول في ولاية الله وطاعته ، والخروج المطلق من ساحة الشيطان وولايته وطاعته ، وولاية الطواغيت والفراعنة والمستكبرين وطاعتهم .. وإلى الأبد .

بعد هذا التلخيص شديد الاختصار إلى دلالات الحج المعنوية ، وبالإضافة إلى ما ذكر في الحديث عن الآفاق السياسية للحج ، ينبغي أن يعود الحاج إلى وطنه وهو أكثر طهارة روحية ، وأكثر وعياً بأوضاع وطنه وأمته ، وأقوى إرادة وأنفذ عزيمة في خدمة دينه وأمته ، وأكثر نفعا للناس وألصق بقضاياهم .

الإجابة على أسئلة الحضور :

السؤال ( 1 ) : كيف يمكن للحاج أن يوافق بين واجبه في مسألة الوحدة الإسلامية والدعوة لها ، وبين خصوصيته المذهبية ؟

الجواب ( 1 ) : لا تعارض بين الخصوصيات المذهبية والوحدة الإسلامية ، فالأمة الإسلامية أمة واحدة مع اختلاف مذاهب المسلمين ، والمطلوب أن يعالج المسلمون المسائل الخلافية بينهم في ساحات الحوار ، وأن يقف كافة المسلمين في خندق واحد دفاعاً عن الدين والأمة والأرض الإسلامية ضد أعدائها ، وأن التخندق المذهبي يضعف الأمة الإسلامية ، ويمكن أعدائها منها ، ولن يكون في وسع أتباع أي مذهب من المسلمين الدفاع عن مذهبهم وحفظ مصالحهم بدون الدفاع عن الإسلام الواحد والأمة الواحدة .

السؤال ( 2 ) : كيف يؤدي الحاج دوره في الحفاظ على النظافة في المشاعر المقدسة وهو يرى البقايا قد ملأت كل مكان ؟

الجواب ( 2 ) : لا أقلل من مسؤولية الحكومة السعودية في مسألة النظافة في المشاعر المقدسة ، ولكن ينبغي التنبيه إلى أن حرص الحكومة السعودية لا يجدي شيئاً بدون تعاون الحجاج ، وأن تقصير الحكومة السعودية لا يلغي مسؤولية الحجاج ، فواجب الجميع المحافظة على نظافة المشاعر المقدسة وتحمل المسؤولية في ذلك ، ويجب أن ندرك خطورة إهمال النظافة على سلامة الحجاج وسمعة الإسلام والمسلمين في العالم .

السؤال ( 3 ) : يدعوا القرآن الكريم إلى اهتمام الحاج بنظافته ، ولكن في وقت الإحرام لا يجوز التعطر . فهل هناك تناقض ؟

الجواب ( 3 ) : النظافة من الأيمان ، والذين يهملون النظافة الحسية لا يمكن أن يكون لهم اهتمام حقيقي بالنظافة الروحية والمعنوية ، لأن إدراك قيمة النظافة واحد ، والمؤمن الحقيقي الذي يهتم بالنظافة الروحية والمعنوية لا يسعه إهمال النظافة الحسية ، لأن القذارة الحسية لا تتناسب مع حقيقة التوجه لله القدوس ، والطاهر معنوياً لا يتقبل القذارة بجميع أشكالها . أما بخصوص عدم جواز التعطر أثناء الإحرام ، فذلك من أحكام الحج ، ولا يتسع المجال لشرح الخلفية الفلسفية المنظورة لذلك ، إلا أنه لا تلازم بين التعطر والنظافة ، فيمكن أن يكون الإنسان نظيفاً بدون تعطر .

السؤال ( 4 ) : تدعو بعض التيارات لإقامة دولة الخلافة الإسلامية على غرار الخلافة الراشدة والأموية ، وهذا عكس ما نؤمن به . فما هو ردكم ؟

الجواب ( 4 ) : ونحن نؤمن بولاية الفقيه ، وهذا عكس ما يؤمنون به ، فهل المطلوب أن نتناحر فيما بيننا لأنهم يدعون لإقامة دولة الخلافة ونحن ندعو للولي الفقيه ؟

المطلوب كما ذكرت قبل قليل أن نعالج المسائل الخلافية في ساحات الحوار ، والاختلافات السياسية بالتفاوض ، وأن نتعاون جميعاُ في الدفاع عن الدين وحمايته ، والدفاع عن الأمة الإسلامية ومقدراتها ومصالحها المشروعة ، وعن الأرض الإسلامية ضد أعداء الدين والأمة الذين يتربصون بالدين والأمة الدوائر .

السؤال ( 5 ) : ما هو رأيك في الذي يستعجل الحج ، بمعنى : يذهب الآن لكي يتخلص من الحج في المستقبل ؟

الجواب ( 5 ) : الذي أعرفه من الفقه بأن هذا هو تكليفه على المشهور في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وعند ثلاثة من أئمة المذاهب في مدرسة الخلفاء وخالفهم الشافعية ، فكل من استوفى الشروط يجب عليه أن يحج على الفور ، ولا يجوز له الاسترخاء ، وإذا استرخى ولم يحج ، وجب عليه أن يبادر في العام التالي .. وهكذا ، ولو فقد الشروط بعد الاستيفاء ، يبقى التكليف مستقراً في ذمته ، ولو مات قبل أن يحج ، يجب أن يقضى عنه إن كانت له تركة ، ويصح التبرع عنه ، وهناك قول بجواز التراخي مع ظن السلامة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ويرى الشافعية بأنه فرض على التراخي بشرطين : الأول - أن لا يخاف فواته ، فإن خاف فواته وجب عليه أن يفعله فوراً وكان عاصياً بالتأخير ، وثانياً - أن يعزم على الحج فيما بعد ، فلو لم يعزم يكون آثماً ، ومن أراد المزيد من التفاصيل فعليه الرجوع إلي كتب الفقه .

السؤال ( 6 ) : لقد فشل المسلمون فشلاً ذريعاً في توحيد صفوفهم ومناهضة الاستعمار وأعداء الأمة الإسلامية على الرغم مما أولاهم الله عز وجل من أسباب الوحدة والقوة ...

والسؤال : ألا يمكن استغلال هذه الفريضة الكبرى في محاولة جادة لاستنهاض الأمة للتحرر التدريجي المدروس والنهوض بها وقلب الأوضاع لصالحها ، مع اليقين بأن الله عز وجل مع المسلمين يؤيدهم بنصره ؟

الجواب ( 6 ) : نعم بكل تأكيد . فالحج موسم لرفع صوت الإسلام ومناسبة لإثبات الوجود ، فالإسلام لن يموت ما دام الحج قائماً ، وسوف يبقى يهد أركان الطغاة والمستكبرين ، ويقيم الدليل القطعي على حياة الأمة وحيويتها ، ويقيم الدليل على أن الإسلام قادر على قلب الموازين وإبطال المعادلات المؤامرات الكيدية في العالم ، ويقيم الدليل على فشل مخططات الأعداء لتكبيل الإسلام وتجيير الأوضاع في العالم الإسلامي لخدمة مصالح الاستكبار العالمي وعملائهم على الدوام ، وفشل مخططاتهم لتكبيل المسلمين وتكميم أفواههم ، ويقيم الدليل على فشل الإطروحات المعادية للإسلام ، ويجعل ميزان العدل منصوباً ، وينذرهم بيوم عظيم ومصير أسود بائس .

أيها الأحبة الأعزاء : إن الحج يحقق الكثير من أهدافه بصورة تلقائية وبإرادة ربانية ، والمطلوب منا كمسلمين أن نتوجه بإرادة إيمانية واعية .. وبالتخطيط ، للاستفادة الأمثل من الحج ، ولو كانت الحكومة في المملكة العربية السعودية لديها مثل هذا التوجه لكانت النتائج أفضل وأسرع ، ولكن ذلك لا يعفي الحكومات الأخرى والقيادات الدينية وقادة الحملات والمرشدين الدينين من المسؤولية ، فعلى الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية والإنسانية أمام الله تبارك وتعالى في تحقيق أهداف الحج وأغراضه الشاملة في الحياة .

السؤال ( 7 ) : طالبت في حديثك بأن نتوحد ونتحاور مع العلماء في المملكة العربية السعودية ، وهذا طيب ونتمناه ، ولكن كيف يتحقق ذلك وهم يكفرون الطائفة ويحلون قتلهم ويضيقون عليهم الخناق في الحج ؟

الجواب ( 7 ) : هذا لا يلغي قيمة الحوار ، وإنما يؤكد على ضرورته والحاجة إليه إسلامياً ، فعلينا أن نستمر في الدعوة إلى الحوار ، ونستثمر كل فرصة متاحة للحوار في العالم الإسلامي مهما كانت ضئيلة ، وأن لا نيأس ، وقد فعل الإمام الخميني ( رحمه الله ) خيراً حينما شجع على صلاة الجماعة معهم ، وتابعه في ذلك الإمام الخامنىء ( حفظه الله ) ، وهذا يدل على الوعي ونفاذ البصيرة ، وقد أثمرت تلك الدعوات والجهود المباركة بعض الثمار الطيبة حتى الآن ، ونأمل المزيد منها ، والله تبارك وتعالى هو الهادي إلى سواء السبيل .

ومن جهة ثانية : فإن الحوار مطلوب ليس مع العلماء في المملكة العربية السعودية فحسب ، وإنما مع الحكومة أيضاً ، وقد أثبتت التجربة جدوى وقيمة هذا الحوار ، وكان من النتائج الطيبة لذلك ، أن السيد الحكيم ( رحمه الله ) قد صلى بالحجاج جماعة في عهد الملك فيصل ( رحمه الله ) ، والظروف في الوقت الراهن مهيأة بصورة أفضل لتحصيل نتائج أكبر ، فمن الممكن لممثلي المراجع ولكبار العلماء الشيعة الذين يحضرون موسم الحج ولقادة الحملات ، أن يشكلوا وفداً مشتركاً ، ويبادروا لطلب اللقاء مع الملك أو ولي العهد ، ويعرضوا عليه وجهات نظرهم في الشؤون الإسلامية ، ومطالبهم التي تتصل بالحج ، وأقدر بأنهم لو فعلوا ذلك ، فسوف تكون خطوتهم محل ترحيب كبير ، وتسفر عن نتائج إيجابية كبيرة لخدمة الإسلام والمسلمين في الحاضر والمستقبل .

السؤال ( 8 ) : لماذا يقوم علمائنا بنزع العمامة عندما يذهبوا للحج ؟

أليس من الأجدر أن يلبسوا هذا الشرف لكي يعرفهم الحجاج ويستفيدوا من علومهم ؟

الجواب ( 8 ) : يفعل الكثير منهم ذلك في السابق لتجنب الاحتكاك والمضايقات ، وفي تقديري : فإن الأفضل لهم في الوقت الراهن ولخدمة المصلحة الإسلامية العامة وقضايا المسلمين ، هو عدم نزع العمامة ، بشرط أن يكون المعمم قادر على تحمل المسؤولية ، وأن يكون نعم السفير لأهل البيت عليهم السلام وللشيعة وللمسلمين في الفكر والعمل ، وأن يحذر كل الحذر من الإساءة للإسلام ولرسالته ، أو الإساءة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام ، أو الإساءة للشرف الذي يحمله على رأسه ، وأن يستوعب حجم ونوعية المسؤولية الملقاة على عاتقه ، وأن يتحلى بالصبر والحكمة في معالجة الصعوبات والمشكلات التي تواجهه في أداء رسالته في الحج ولكل المسلمين بغير استثناء .

السؤال ( 9 ) : إني من المعجبين بآرائك وتحليلاتك ، وأتمنى لك كل الخير ومزيداً من الموفقية ، وقد ذكرت أن هناك انحرافا خفياً يتمثل في أحد جوانبه بعدم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا صحيح . ولكن اسمح لي أن أكون صريحاً معك لأسألك عن موقع هذا الأمر بالنسبة لك ، فهل ابتعادك عن الساحة حالياً وعدم تصديك للمسؤولية لا يخالف واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ وهل حرمان الأمة من عطائك وطاقتك التي عرفناها كبيرة ومعطاءة لا يعد تضييعاً وهدرا لطاقات الأمة ، وبالتالي تخلياً عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

الجواب ( 9 ) : هناك من يتصدى لقيادة الساحة من الذين لا نشك في دينهم وإخلاصهم ، وموقفي كما أعلنت عنه ، هو أهون الضررين حسب علمي وتقديري للأمور في الساحة الوطنية ، وهو الموقف الذي أدين إلى الله جل جلاله به وأتعبد إليه ذليلاً خاضعاً للحق والعدل ، رغم أنفي وغروري ونفسي الأمارة بالسوء ، لا مستسلما للبطش والظلم والضعف البشري ، مؤكداً أن الخسائر السياسية يمكن التعويض عنها مهما كانت كبيرة وفادحة ، أما الخسارة في الدين فهي الخسارة الحقيقية التي لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال ، ولو كنت أعمل لنفسي لما توقفت ، ولكني أريد رضا ربي وضميري والمحافظة على مصالح الناس الحقيقية والجوهرية ، لا رضا نفسي الأمارة بالسوء ورضا غروري ، وإني أجد في أقوال الناس وتصرفاتهم معي ما يرضي غروري ، ولكنه ليس بالضرورة فيه رضا ربي وضميري ، وبالله الرحمن الرحيم .. لن أخون الله جل جلاله ولن أخون الناس فيما لا يعلمون ، وأسأل الله الرحمن الرحيم ، أن يعطف علي ويرحمني ويعينني على قهر غروري ونفسي الأمارة بالسوء ، والتصدي للشيطان الغوي الرجيم ، والتغلب على مكره وخدعه وحبائله ، وأن يوفقني لأن أعمل ما يرضيه سبحانه وتعالى ، وما يخدم مصالح الناس الحقيقية والجوهرية ، لا ما يرضي غروري ونفسي الأمارة بالسوء ، ويخدم مصالحي الخاصة المغلفة بالمصالح العامة للناس ، ولكنه يؤلم ضميري ويفسد علي ديني وآخرتي ، فأكون بذلك قد ضحكت على الناس وعلى نفسي الجاهلة الضعيفة .

هذا .. وقد من الله علي ووفقني بكرمه وجوده ، للعمل في مجالات أخرى لخدمة الناس .. فله الحمد ، وأسأله بالاسم الذي إذا سأل به أجاب ، أن يتقبل مني عملي وأن يختم لي بخير ، وأن يجعل خير أيامي يوم ألقاه .

أما إذا تغيرت الظروف وتوفرت الشروط ووجدت في يوم من الأيام أن واجبي هو العودة ، فسوف أعود ولن يمنعني شيء ، حتى الأوضاع المتخيلة التي يظن صانعوها أنها سوف تحيل بيني وبين العودة ، لن يكون لها ذلك التأثير ، وليس في مقدور صانعيها أن يجعلوا لها ذلك التأثير لتحيل بيني وبين العودة ، فالعودة واردة كل الورود إذا وجدت أن تكليفي في العودة ، وليس في وسع الكلام الذي يرضي غروري ونفسي الأمارة بالسوء أن يعيدني ، فالمؤثر هو التكليف والغاية رضا الرب ولا شيء سواهما .

والحمد لله رب العالمين