» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



11/09/2008م - 7:15 م | عدد القراء: 1428


كلمة الأستاذ في نشرة المجلس الإسلامي العلمائي
الموضوع : مقال للأستاذ عبد الوهاب حسين .
مكان النشر : نشرة المجلس الإسلامي العلمائي .
تاريخ كتابة المقال : 13 / ذو القعدة / 1425 هـ .
الموافق : 26 / ديسمبر - كانون الأول / 2004م .


قال الله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون }
( التوبة : 122 ) .

معاني المفردات ..

النفر : الهجرة من الوطن والتردد في الأرض من أجل الجهاد أو لطلب العلم .. أو غير ذلك .
كافة : جميعا .
الفرقة : الجماعة الكبيرة .


الطائفة : الجماعة الصغيرة .
التفقه في الدين : تعلم العلوم الدينية من عقائد وأحكام وأخلاق وتفسير وسيرة .. وغيرها .
ينذروا قومهم : يعلموهم الدين ويخوفوهم من سوء عاقبة مخالفته .
يحذرون : يقال : أخذ حذره : إذا تيقظ واحترز مما يخاف منه ، والحاذر : الحذر .. وهو : المتيقظ المتأهب المستعد .

تتناول الآية الشريفة المباركة جانبا مهما من جوانب التنظيم الإداري للأمة الإسلامية .. وهو : تنظيم دور العلماء الروحانيين ( وهم : علماء الدين ) في المجتمع الإسلامي ، وهي تدل على تقدم القرآن الكريم وسبقه للمجتمعات المعاصرة في إدراك أهمية التنظيم الإداري وقيمته الحيوية للمجتمع .

فالآية الشريفة المباركة تنطلق من أصل مهم من أصول الحياة في المجتمع المسلم .. وهو : حاجة كافة المؤمنين والمجتمع المسلم للتفقه في الدين ، لأن الدين منهج حياتهم وسر سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وليس في وسعهم التدين والطاعة لله رب العباد - وهو واجب عليهم بحكم الفطرة والعقل - بدون التفقه في الدين .

ثم تشير : إلى تعسر تفرغ كافة المؤمنين للتفقه في الدين والتعمق في علومه ، لأن ذلك من شأنه أن يعطل حياتهم ويضر بأمر معاشهم ، فهم يحتاجون للجيش والتجارة والزراعة والصناعة والبناء والصيد والنجارة والحدادة والتعليم الأكاديمي .. وغيرها من الوظائف المهمة ، لكي تسير حياتهم بشكل طبيعي وتنمو وتتطور بشكل متكامل في جميع المجالات .. وليست حاجتهم في الحياة مقصورة على التفقه في الدين فحسب .

ولهذا أرشدتهم : إلى أن تتفرغ جماعة من أصحاب المواهب والقدرات في كل قبيلة أو قرية أو مدينة .. من أجل التفقه في الدين والتعمق في علومه ، ثم تقوم بتعليمه أهلها ودعوتهم للعمل به وتطبيقه في كافة شؤون حياتهم العامة والخاصة .. وتحذيرهم من سوء عاقبة مخالفته .

وقد توصلت المجتمعات المعاصرة لمثل هذا التنظيم الإداري المتطور في تقديم الخدمات الأساسية للمجتمع .. مثال : التعليم والصحة ، فتقوم بتوزيع المدارس والمراكز الصحية في مختلف المناطق ، وتجعل لكل عدد من الطلاب أو السكان مدرس أو طبيب .. لتضمن تقديم الخدمات بكفاءة عالية .

وقد أرشدنا ديننا الإسلامي الحنيف والقرآن المجيد لهذا التنظيم الإداري المتطور لتقديم الخدمات الأساسية لأبناء المجتمع ، وأعطت لنا الآية الشريفة المباركة مثالا لذلك .. يتمثل في التعليم الديني ، إلا أننا ضيعنا ذلك ، كما ضيعنا الدين الإسلامي نفسه ، ووضعنا القرآن وراء ظهورنا .. فضعنا ، وحكم الله جل جلاله علينا بالتيه في دروب الحياة بسوء عملنا .. كما حكم على بني إسرائيل بالتيه في الأرض أربعون سنة ، وقد دام تيهنا لقرون .. ولا يزال ، سيطرت علينا فيه قوى الاستكبار العالمي ، والحكومات المستبدة الظالمة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وإليه المشتكى من شرور أنفسنا .

والمطلوب : من الرموز العلمائية الكبيرة .. وكافة أبناء المجتمع ، أن يعملوا من أجل تنفيذ هذا التوجيه الإداري المتقدم للنهوض بتكليفهم الشرعي الذي فرضه الله تعالى عليهم .. وهو : التفقه في الدين ، فيجعلوا في كل حي عالم دين تتكفل الرموز العلمائية وأبناء الحي بكل احتياجاته .. ليتفرغ هو إلى وظيفة الإنذار التي سوف يأتي تفصيلها بعد قليل .

وتتضمن الآية الشريفة المباركة دلالات عديدة .. أهمها :

الدلالة الأولى : أن التفقه في الدين واجب على كل مسلم .. مما يعني : أنه يمثل حاجة أساسية لكل إنسان بما هو إنسان ، لا يمكنه الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال ، لأن التفقه في الدين يغني حقيقة الإنسان بما هو إنسان وينميها ، ولأن تطوير حياته في الدنيا وسعادته في الآخرة يتوقفان عليه .

وقد قال الفقهاء ( رضوان الله تعالى عليهم ) : بأن الحد الأدنى الواجب على المكلف تعلمه من الدين : الأحكام الشرعية محل الابتلاء ، وتحصيل العلم الإجمالي بيقين في أصول الدين .. ويجب عليه إزالة كل شبهة تعرض إليه في عقيدته .

وفي الآية الشريفة المباركة جانب آخر من جوانب سبق القرآن الكريم لتوجهات المجتمعات المعاصرة .. ويتمثل في فرضه التعليم الإلزامي على الإنسان .

الدلالة الثانية : أن تفرغ جماعة من المؤمنين ( على الدوام ) للتفقه في الدين ، وتجشم مشاق تحصيله وتبليغه ، لتحفظ للأمة الإسلامية وعيها وهويتها الدينية الربانية ، من خلال المعرفة الواقعية الشاملة لأحكام الدين الحنيف ، ومفاهيمه النورانية ، وتطبيقها في الحياة الخاصة والعامة : فرض كفاية على الأمة كلها ، إذا قام به البعض منهم ( بقدر الحاجة ) سقط عن الباقين ، مما يدل على حاجة المجتمع الإنساني إلى الدين ومعارفه القيمة ، وأنها حاجة أساسية لا يمكنه الاستغناء عنها في سبيل أمنه واستقراره وتقدمه وتحقيق الغاية من وجوده للإنسان .

الجدير بالذكر : أن الحاجة تتأثر بعدة عوامل .. منها على وجه المثال لا الحصر : عدد السكان ، والظروف والملابسات .. مثل : المستوى العلمي والاقتصادي ، ونوع وحجم التحديات الفكرية والثقافية والغزو الثقافي ، ونوع وحجم الشكوك والشبهات المنتشرة في المجتمع .

وفي تقديري الشخصي : أن الفرض الكفائي في البحرين لم يسقط بعد ، لأن العدد والنوع المتوفر حاليا لا يلبي الحاجة القائمة فعليا ، وعلى الرموز العلمائية الكبيرة وأبناء المجتمع أن يتحملوا مسؤوليتهم الشرعية المشتركة لتلبية هذا التكليف وتنظيم الاستجابة إليه .

الدلالة الثالثة : أن الآية الشريفة المباركة فرضت على العلماء القيام بدور الإنذار .. وهو يشمل : التعليم والوعظ والإرشاد والتربية والقيادة أحيانا ، مما يعني أن تكليف العلماء يتضمن عدة مسائل يجب الانتباه إليها .. وهي :

المسألة الأولى : أن المراد من التفقه : هو تفهم جميع المعارف الدينية من الأصول والفروع .. وما تحتاجه عملية الإنذار وحركة الدين في الحياة ، وليس علم الفقه والأصول فحسب ، وأن يصل إلى المستوى الذي يمكن العالم الروحاني المتفقه في الدين : من مواجهة التحديات الفكرية والغزو الثقافي ، والرد على كافة الشبهات ومعالجة الشكوك التي يعاني منها أبناء المجتمع المسلم .

المسألة الثانية : أن التكليف لا يقف عند حدود التعليم ، وإنما يتعداه ليصل أحيانا إلى حدود القيادة للمجتمع - مع توفر شروطها والحاجة إليها - وتقديم التضحيات .

وفي هذا المسألة ينبغي التنبيه .. إلى أن : مسؤولية النهوض بالتكليف الشرعي ( حسب الملابسات التي يفرضها الزمان أو المكان أو هما معا ) قد تتطلب تنظيم الحالة العلمائية بشكل معين ، أو خوض مواجهات ضد قوى التجهيل والانحراف في المجتمع ، لكي لا يسمح لها بالتحكم في مصائر المسلمين ، وحرفهم عن الحق إلى الباطل ، وعن الهدى إلى الضلال .. وفي هذه الحالة : تجب الاستجابة لهذه الحاجة وتلبية متطلبات النهوض بالتكليف الشرعي المقدس العظيم ، لأن ذلك مما تتضمنه عملية الإنذار ، ومن الأسس التي تقوم عليها انطلاقة الحياة في سبيل الله تعالى بعيدا عن سبيل الطاغوت والشيطان الرجيم - وهو واجب عقلي وشرعي .

قال الله تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لانفصام لها والله سميع عليم }
( البقرة : 256 ) .

المسألة الثالثة : أن التكليف لا يقف عند حدود الاستجابة لما يعرض عليهم من الآخرين .. كالإجابة على الأسئلة ، وإنما المطلوب منهم المبادرة في القيام بالوظيفة الشرعية المفروضة عليهم .. كاملة .

المسألة الرابعة : أن التكليف الشرعي للعلماء الروحانيين المتفقهين في الدين ينقسم إلى قسمين .. وهما :

القسم الأول : إصلاح العالم لنفسه وعمله بالدين أولا .

القسم الثاني : إنذار المجتمع ثانيا .

والخلاصة : أن العلماء الروحانيين : مطالبون بالاستقامة في أنفسهم والتقويم للآخرين ، وليس الانزواء أو الترفع على العباد ، والبحث عن الامتيازات والمكاسب الخاصة .

كما فرضت الآية الشريفة المباركة على أبناء المجتمع الاستماع إلي العلماء الروحانيين المتفقهين في الدين ، والعمل بما يتعلمونه منهم .

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا ، حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلموا " .

الدلالة الرابعة : أن الآية الشريفة المباركة تتضمن دعوتنا إلى أمرين مهمين في حياتنا الدينية .. وهما :

الأمر الأول : الدعوة إلى التعلم والتعليم بوجه عام ، وتطوير الحياة على أساس التخصص وتوزيع الأدوار وتكاملها في سبيل إشباع كافة حاجات المجتمع الأساسية والتطويرية .

الأمر الثاني : أن تطوير الحياة وتلبية حاجات الأفراد والمجتمع وإشباع طموحاتهما : يجب أن يكون على أساس الدين الحنيف ، والالتزام بمنهجه الرباني النوراني العظيم في الحياة ، والعمل بأحكامه المقدسة .

وعلى ما تقدم فإن : حركة الأفراد والمجتمعات التطورية والتنموية .. يجب أن تكون : حركة دؤوبة مستمرة لا ينبغي لها أن تقف عند معين ، لأنها تشق طريقها إلى المطلق .. وهو الله تبارك وتعالى ذي الجلال والإكرام ، ويجب أن تكون الحركة تجسيدا لأسمائه الحسنى وصفاته العليا في بناء الأفراد والمجتمعات وتطويرهما .

التفقه في الدين والجهاد في سبيل الله تعالى : لقد سبقت هذه الآية الشريفة المباركة - التي نبحث فيها وهي تتحدث عن التفقه في الدين - وتلتها آيات تتحدث عن القتال في سبيل الله تعالى ، ولهذا السياق فوائد عديدة في فهم المنهج الإسلامي العظيم في الحياة .. أهمها :

الفائدة الأولى : أن القتال في سبيل الله تعالى : لا ينبغي ولا يصح أن يعطل الوظائف الجهادية الأخرى المهمة في الحياة .. مثل : التعليم والصناعة والتجارة والإدارة .. وغيرها .

الفائدة الثانية : أن جهاد المعرفة ومحاربة الجهل .. أي : التفقه في الدين ، لا يقل أهمية عن محاربة الأعداء بالسيف .. بل هو مقدم عليه ، وذلك لعدة أسباب .. أهمها :

السبب الأول : أن بناء الحياة وتطويرها يجب أن يقوم على أساس الدين ، وأن الفقه هو الذي يحدد لجهاد السيف سبيله وغايته وحدوده التي لا يجوز أن يتعداها .

السبب الثاني : أن الانتصار على الأعداء في جهاد السيف : يتوقف إلى حد كبير على الانتصار في جهاد المعرفة ، لأن الأمة الجاهلة محكومة بالهزيمة دائما .

قال الإمام الصادق عليه السلام : " إذا كان يوم القيامة : جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ، ووضعت الموازين ، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء .. فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء "

( البحار : ج7 . كتاب : العدل والمعاد . باب : أحوال المتقين والمجرمين في القيامة . الرواية : 144 . ص : 226 ) .

الفائدة الثالثة : أن فهم الدين بواقعية .. لا يتأتى في الغرف المغلقة والزوايا الضيقة ، وإنما بالنزول إلى ميدان الحياة على كافة الأصعدة ، لأن الدين منهج حياة .. ولا يمكن فهمه بواقعية إلا من خلال النزول إلى ميدانها ، وعليه فقد قال بعض المفسرين : أن المراد من الطائفة في الآية الشريفة المباركة : هم المجاهدون في سبيل الله تعالى ، لأن المجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم هم الأقدر على فهم الدين بواقعية من القاعدين والمنزوين عن الحياة .

إن الذين يحاولون فهم الدين من خلال دراسته في الكتب والأوراق من خلال القواعد والقوالب النظرية الجامدة بعيدا عن مجرى الحياة الدافق : هم أبعد ما يكون عن فهم حقيقة الدين وطبيعته وفهم مقاصده وغاياته القريبة والبعيدة ، وصياغة مفاهيمه وأحكامه بواقعية ووضوح ، فهؤلاء يعسرون فهم الدين وتطبيقه ، ويجمدون حركة الدين والحياة ، ويحرمون الناس من نعمة العمل بالدين وتطبيقاته ، ويحجبونهم عن خالقهم ودينه ، ولا يرضون الله سبحانه وتعالى بعملهم .

وقد أثبتت التجارب العملية : أن العالم كلما نزل إلى الميدان ، وأنفتح على الحياة وتجاربها ، والتصق بهموم الناس وقضاياهم ، وجاهد من أجل تطبيق الدين في واقع الحياة ، وسعى لفهم الدين من خلال حركة الحياة وتطبيقاته العملية فيها ، كلما كان أكثر واقعية وعمق في فهم الدين ومعرفة حكمه وأسراره وغاياته ، من الذين يدرسونه دراسة باردة جوفاء : من الأوراق والكتب ، في الغرف المغلقة والزوايا الضيقة ، بعيدا عن مجرى الحياة ووقائعها وأحداثها الحية .

والخلاصة : أن السعي لفهم حقيقة الدين فهما واقعيا أصيلا ، وقيادة الحياة وتطويرها على ضوئه ، لا يتأتى إلا من خلال فهمه على أضواء وقائع الحياة وتطبيقاته العملية فيها .. وليس بمعزل عن ذلك .

إننا نعاني في العالم الإسلامي من عدة إشكالات تتعلق بهذا الموضوع الخطير دينيا وعمليا .. أهمها :

الإشكال الأول : فهم الدين من خلال الأوراق والكتب في الغرف المغلقة بعيدا عن مجرى الحياة وحرارتها وواقع المجتمع المسلم الحي وقضاياه وهمومه اليومية .. فأنتج لنا ذلك : فقه الأقيسة الجاهز البعيد عن واقع الحياة وجريانها ، ودين الأدمغة والخيال البعيد عن مقاصد الإسلام الواقعية وغاياته العبادية الحقيقية العظيمة .

الإشكال الثاني : هيمنة الفهم التجزيىء للدين ، وغياب فهم المقاصد والغايات والمباديء الكلية للشريعة المقدسة السمحة ، فيتم التركيز على معرفة الأحكام الفرعية في الفقه .. بدلا من فهم المباديء الكلية في الشريعة المقدسة ، فنقع في أخطاء فاحشة في فهم الدين وأحكامه المقدسة وتطبيقاته العظيمة في الحياة ، فتتشوه صورة الدين والمجتمع المسلم ، ونحرم من تطبيقات الدين في كافة شؤون حياتنا .

ونحن نعاني عمليا بعضا من هذين الإشكالين في البحرين .

والمطلوب : الحركة بهذا الدين الحنيف الرباني العظيم : في عالم الواقع ، واستنباط أحكامه الشرعية وصياغة مفاهيمه : على ضوء المباديء الكلية للشريعة ، والفهم الواقعي للحياة ، وليس بمعزل عن ذلك ، لنحصل على أحكام ومفاهيم إسلامية واقعية ، تنشأ من تطبيقات الأحكام والمباديء الكلية للشريعة المقدسة .. على وقائع وأحداث وأمور واقعية ، تنشأ من مجرى الحياة وحركتها الدافقة ، وليست من الأقيسة والخيال ، حتى نتمكن من قيادة الحياة على ضوء منهج الإسلام الحنيف بكل معارفه ومفاهيمه النورانية المقدسة العظيمة .. فتصبح الحياة في المجتمع المسلم ( كما يريد الله تعالى لها ) : تجسيدا حيا لذلك المنهج والمعارف الربانية المقدسة العظيمة ، ويصدق انتماء المسلم لدينه العظيم في كل شيء ، وتكون المجتمعات الإسلامية قدوة حسنة للمجتمعات الأخرى .. وحجة عليهم ، فالإسلام هو دين الحياة ، والأمة الإسلامية .. هي الأمة الوسط الرائدة فيها .

أهم الصعوبات التي تواجه العلماء الروحانيين في البحرين ..

تواجه العلماء الروحانيين الكرام في البحرين ، عدة صعوبات تضعف من دورهم وتأثيرهم في الساحة الوطنية .. أهمها :

الصعوبة الأولى : قلة العدد بالقياس إلى حجم المهمة والتكليف في الساحة المحلية .

الصعوبة الثانية : ضعف الحالة المعيشية التي تصل عند بعضهم إلى درجة العسر الشديد .

الصعوبة الثالثة : ضعف المستوى العلمي لدى الغالبية منهم ، وقلة الكفاءات النوعية : العلمية والروحية والتأهيل .. بالنظر إلى متطلبات الساحة الوطنية وحاجاتها الدينية على الصعيد : الفكري والروحي والعملي .

الصعوبة الرابعة : تبعثر الصفوف ، وغياب القيادة والتوجيه المناسب والتنظيم للدور .. عمليا ، والفشل في إدارة الاختلاف في الرأي .

الصعوبة الخامسة : الانفصال عن الميدان ، وضعف المتابعة لشؤون الساحة المحلية والعالمية ، وعدم الالتصاق بهموم الناس وقضاياهم الحيوية .. لدى الغالبية منهم .

الصعوبة السادسة : عقد الحساسية بين الحوزوي وغير الحوزوي وعدم التنسيق بينهما في الأدوار .

الجدير بالذكر : أن تشكيل المجلس الإسلامي العلمائي يعتبر خطوة في الطريق الصحيح للتغلب على هذه الصعوبات .. وغيرها ، والمطلوب : تثبيته وتطويره بحيث يستطيع أن يقوم بالمهمة كاملة ، وينجح في إشباع الحاجات الدينية الأساسية في المجتمع البحريني .

أضواء على الحالة الدينية في البحرين في الوقت الراهن : ذكرت قبل قليل في هذا المقال : أننا نعاني محليا في البحرين : بعضا من هيمنة الفهم التجزيىء للإسلام ، والفهم المغلق البعيد عن ميدان الحياة ، مما أثر سلبا على فهم الإسلام ، والقدرة على تطبيقه في كافة شؤون الحياة .

وعلى الصعيد الشعبي : نجد صدق الشعب البحريني في الانتماء للدين ، وغلبة مظاهر التدين على الناس في المجتمع .. رغم الرعاية الرسمية لبعض مظاهر الفساد .

ونجد الحضور الشعبي الفاعل في الساحة لخدمة القضايا الدينية والدفاع عنها ، وحماية الدين ومظاهر التدين فيها .

ونجد انتشار الوعي الديني بين الناس عموما والشباب خصوصا ، رغم بروز ظاهرة الفهم التجزيىء ، حيث نجد لدى بعض شبابنا إطلاع واسع على الأحكام الشرعية والمفاهيم الإسلامية - والحمد لله رب العالمين - إلا أنها تأتي في ظل فهم تجزيىء بعيدا عن فهم وإدراك المباديء الكلية للشريعة المقدسة وغاياتها ومقاصدها العظيمة ، وذلك يعود إلى طبيعة الثقافة الدينية السائدة التي يتلقاها شبابنا غالبا في الوقت الحاضر .

وفي تقديري الشخصي : أن مستوى الوعي وصدق الانتماء والالتزام بالدين في البحرين .. لا يقل عنه في دولة مثل الجمهورية الإسلامية في إيران : التي تعيش في ظل حكومة إسلامية وولاية الفقيه .

وفي تقديري الشخصي أيضا : أن مستوى الوعي والالتزام الديني في البحرين يتفوق من ناحية الحجم والنوع على مستوى التوجيه الديني الذي يتلقاه الناس محليا في البحرين .. والفضل في ذلك يعود لسببين رئيسيين .. وهما :

السبب الأول : انفتاح الشباب على مصادر الوعي والتثقيف والتجارب الدينية في الخارج .

السبب الثاني : دور الموكب الحسيني : ( المنبر ، والمسيرات العزائية ، والزيارة ) وتأثيره التراكمي .. لقرون عديدة في المجتمع .

وفي الختام وبهذه المناسبة : أنصح أصحاب الشأن من العلماء بضرورة الاهتمام بالعبادات الجماعية ورعايتها .. مثل : صلاة الجمعة والجماعة ، والدعاء الجماعي في المساجد ، والمسيرات العزائية والمنبر والزيارة .. وذلك نظرا : لعمق تأثيرها في الوجدان الإسلامي الجمعي ، وقدرتها على تعويض النقص في كمية ونوع التوجيه الديني .. وهذا ما أثبتته التجارب التاريخية والمعاصرة .

أكتفي بهذا المقدار ..
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم ..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .