» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



28/10/2008م - 4:44 م | عدد القراء: 1300


قصة "المبادرة" والحوار بين المعارضة والحكومة في البحرين
(اغسطس 1995ـ يناير 1996)
"المبـادرة" :
في منتصف اغسطس 1995 انهالت علينا التقارير من داخل البحرين تتحدث عن اطلاق عدد من الرموز القيادية في التحرك الشعبي المطالب بعودة الحياة الدستورية للبلاد. وماهي الا فترة وجيزة حتى اتصل الاستاذ حسن مشيمع ـ احد القيادين الذين افرج عنهم ـ بنا في لندن يعلمنا انه عازم على السفر الى الخارج لتبادل وجهات النظر حول المحادثات التي بدأت في السجن بين القيادة الامنية (ممثلة في المدير العام ، السيد ايان هندرسون، ووزير الداخلية) وبين خمسة من قياديي التحرك الشعبي (الشيخ عبدالامير الجمري ، الاستاذ حسن مشيمع، الاستاذعبدالوهاب حسين، الشيخ خليل سلطان، والشيخ حسن سلطان).


وهكذا دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة اتسمت بالافراح الشعبية ومظاهر الزينة للاحتفال بمئات من المفرج عنهم بعد ان وصلت الاوضاع الى حالة من الاختناق. ماهي طبيعة هذه المحادثات وكيف تم التوصل اليها وما كان المرجو منها؟ وهل كان بالامكان الوثوق بالجهاز الامني وبالعائلة الحاكمة؟ وهل سيتم التنازل عن المطالب؟ وهل.. وهل.. وهل؟مئات من الاسئلة بدأت تنهال من كل جانب وبدا وكأن البحرين تدشن مرحلة حرية التعبير عن الرأي والحوار بين المعارضة والحكومة. الشكوك والظنون كثيرة وكذلك الآلام والآمال. وهكذا بدأنا في لندن نترقب مجئ الاستاذ حسن مشيمع والشيخ خليل سلطان الى لندن للاطلاع على مادار مع القيادة الامنية.
وصل الوفد الى لندن يوم 26 اغسطس 1995 ، في ختام اسبوع حافل للمعارضة عقدت خلاله مؤتمرا صحافيا وندوة سياسية وخرجت مظاهرة جماهيرية في شوارع لندن. كان في وداع الوفد في مطار البحرين الدولي فريق امني برئاسة عادل فليفل، لتسهيل سفر الوفد (ذلك لان من يعتقل ويفرج عنه لايسمح له بالسفر مباشرة).
كان الارهاق باديا على الاستاذ حسن والشيخ خليل ولذا تركناهما ليرتاحا في اليوم الاول من وصولهما لكي نبدأ معهما حوارات مكثفة استمرت اربعة ايام متتالية.
في اول لقاء لي بالاستاذ حسن ، سلمني رسالة كتبها الوالد الشيخ عبدالامير الجمري في السجن بتاريخ 24/8/1995، اي قبل يومين من سفر الوفد الى لندن. والرسالة لخصت الحوار الجاري بالقول: "فانني قد اطلعت على البيان الصحفي الصادر عن حركة احرار البحرين الاسلامية بتاريخ 21 اغسطس 95م، والذي تـناول فيما تـناول موضوع الاتفاق بيننا وبين الحكومة، والذي جاء فيه التزام الحركة مشكورة بما جاء في لاتفاق، وانني ارجو منكم جميعا التعاون معنا لاتاحة الفرصة الكافية لانجاحه، وتجنب كل مايعيق تنفيذه ويطيل زمن محنة شعبنا، وان تتكرس الجهود في البحث عن افضل السبل بتعزيز الحوار مع الحكومة التي اعربت عن رغبتها فيه، مؤكدا الحاجة القصوى للتعاون من اجل اخراج البلاد من محنتها باسلوب حضاري حكيم وراق يتناسب مع تراثنا التاريخي والثقافي وقيم ومبادئ شعبنا المسلم وطبائعه الانسانية النبيلة، ومؤكدا رفض الاسلام لاستخدام العنف مادام يوجد للحوار سبيل، ومؤكدا ايضا ان عودة الامن والاستقرار الى البلاد مع المحافظة على الحقوق والواجبات المتبادلة بين الشعب والحكومة تمثل الاساس الاقوى والافضل لنمو البلاد وازدهارها وتحقيق آمال وطموحات شعبنا والمحافظة على مكتسباته، وانني على ثقة بانكم سوف تهتدون بفضل الله تعالى وتسديده لافضل السبل السلمية الدستورية الحكيمة التي تمر عبر الحوار لتحقيق ذلك، وعدم تضييع الفرص التاريخية الثمينة لاسيما هذه الفرصة التي تمثل منعطفا خطيرا في تاريح شعبنا، متمنيا لكم التوفيق والتسديد فيما تصبون اليه من الخير لهذا الشعب والوطن".
عبرت هذه الرسالة عن الاجواء التي يعيشها قادة المعارضة الذين تحاوروا مع وزارة الداخلية. فلقد كانت الاخيرة توصل المنشورات التي نوزعها داخل البلاد ونعبر فيها عن مواقفنا الى داخل السجن. وكانت حركة احرار البحرين قد اصدرت بيانا رحبت فيه بمبادرة الحوار مع الحكومة للخروج من الازمة. لقد حاز قادة المعارضة في السجن على ثقة الجماهير وكان الجميع بانتظار التعرف على التفاصيل وعلى كيفية التفاهم مع الحكومة للخروج من الازمة السياسية.
الحوار بين الاستاذ حسن مشيمع والشيخ خليل سلطان وبين شخصيات المعارضة المتواجدين في لندن تطرق الى جميع الامور المنظورة وكان النقاش حادا وصريحا الى الدرجة التي كان الوفد ـ الضيف ـ يشعر وكأنه خرج من سجون البحرين والمشادات مع المخابرات الى سجون منازل لندن ومشادات المعارضة. ولكن مثل هذا النقاش كان ضروريا لان المصلحة العامة للامة تتطلب الابتعاد عن الجانب العاطفي والشخصي كل البعد للتأكد من سلامة الطريق.
وبينما كنا نتحاور مع الوفد القادم الى لندن، كان وزير الاعلام الجديد، محمد المطوع يصرح لاذاعة لندن ان الافراج عن المعتقلين ما هو الا مكرمة اميرية لتوفير الفرصة للمفرج عنهم لكي يعودوا الى الصراط المستقيم. كانت هذه الكلمات الجارحة قد لعبت دورها لاحقا في عدم عودة احد افراد الوفد الى البحرين بعد انتهاء الزيارة. وبالرغم من ذلك شعرنا بضرورة المتابعة لمجريات الامور بصبر وحذر شديدين مع الامساك بقدرة التحرك الجماهيري عندما تتراجع الحكومة عن ماتم الاتفاق عليه. امام هذه المعادلة، كان علينا ان نبتعد عن الجوانب النظرية البحتة ونتعامل مع الواقع وظروفه، وكيفية معالجة السلبيات التي تصاحب مثل هذه التجربة.
وكان الاستاذ حسن قد بدأ حواره بالاشارة الى ان مثل هذا الحوار لم يكن ليحصل لو ان القادة كانوا على انفراد في زنزانات متفرقة. وكانت الخطوة الاولى التي سعوا اليها هي اقناع وزارة الداخلية بسجنهم في مكان مشترك لاجل التداول في جميع القضايا. وفي مقابل هذا الطلب، كانت المخابرات تريد الحصول على ورقة مكتوبة وموقعة من القادة الخمسة يذكرون فيها "اعتذار" لامير البلاد. ومن اجل هذا الامر ترك الخمسة في غرفة خاصة ومجهزة باجهزة التصنت للاستماع لما يتم الاتفاق عليه.
وكان القرار الذي اتخذه الخمسة كتابة رسالة تحمل جملة "شرطية" يقول فيها الموقعون عليها انهم يعتذرون "اذا" كان قد صدر منهم خطأ. وذكر الاستاذ حسن ان كلمة "اذا" وضعت في منتصف الكتابة لكي لايتم حذفها بعد ذلك عندما تقوم الحكومة بنشرها فيما لو تراجعت عن الحوار. وهكذا كتبت الرسـالة الموجهة الى امير البلاد بتاريخ 24 ابريل 1995 (اي بعد ثلاثة اسابيع من اعتقال الشيخ الجمري) متضمنة الجملة الشرطية التالية: "وازاء الاحداث المؤلمة التي شهدتها البحرين في الاشهر القليلة الماضية نعرب عن اسفنا الشديد لسموكم "اذا" كانت قد تسببت تصرفاتنا والاعمال التي قمنا بها وأدت الى الاضطرابات في البلاد".
لقد كانت خطـورة الرسـالة واضحة امـام الخمسة ولكنهم فضلوا ان يقدموا على المخاطرة لكي يتمكنوا من الاجتماع مع بعضهم البعض بصورة مستمرة والخروج بمشروع مشتـرك استمر الحوار فيه لاخراجه قرابة الاربعة اشهـر داخل السجن مع قيادة الامن العام التابعة لوزارة الداخلية.
ملخص الحوار في لندن:
اشار الوفد الزائر ان جذور المبادرة بدأت بعد ايام قلائل من الاعتقال، وخرج عدد من الاخوة بصورة مستقلة اثناء اعتقالهم الانفرادي بفكرة لتهدئة الاوضاع مقابل الدخول في حوار مع الحكومة. بعد عدة جلسات من التحقيق المنفرد مع المخابرات بدا واضحا ان هناك راي مشترك بين عدد من القياديين، ولهذا تم تقديم طلب بالسماح لخمسة منهم بالاشتراك في سجن واحد لكي يخرجوا بمشروع مشترك. ولكن وزارة الداخلية كانت تصر على كتابة رسالة للامير قبل السماح بذلك. وقال الاستاذ حسن: الا ان البند الرابع حذف بطلب من رئيس الوزراء (حسب ماقاله السيد ايان هندرسون).
البند الاول: هو الدعوة للهدوء والاستقرار مقابل اطلاق سراح جميع الموقوفين (غير المحكومين) وتم الاتفاق على ان يطلق سراح ثلاثة من المحاورين مع 150 شخص في 16 اغسطس، ثم يتم الافراج عن الاستاذ عبدالوهاب حسين مع 150 معتقل آخرين، وفي 30 سبتمبر يتم الافراج عن الشيخ عبدالامير الجمري مع 500 ـ 600 موقوف.
البند الثاني: معالجة آثار الازمة. فقد خلفت آثارا مختلفة، ولكي يتحقق استقرار دائم فلا بد من الافراج عن الذين حكم عليهم وارجاع المبعدين ومناقشة عودة البرلمان المنتخب.
البند الثالث: تعزيز العلاقة الطيبة بين الشعب والحكومة. وقد اصروا على كلمة تعزيز بدلا من الكلمة الاصلية "خلق".
البعد الرابع: (الذي لم يوافق عليه رئيس الوزراء): كان ينص على تصحيح العلاقة بين المعارضة في الخارج والحكومة.
ملاحظات ذكرها الوفد _ الزائر:
1 - قال رئيس المخابرات السيد ايان هندرسون في احدى جلسات الحوار " لقد استطعتم هز الكأس فلا تكسروه. لقد وصلنا الى قناعة ان القمع لن يخمد الشارع العام بالصورة التي نحب، كما ان الوجهاء الذين اعتمدنا عليهم لم يستطيعوا حل المشكلة".
2 - عندما طلبنا توثيق الاتفاق قبل بدء الافراجات تم ترتيب لقاء مع وزير الداخلية بتاريخ 14اغسطس (قبل يومين من الافراج عن الدفعة الاولى) حضره وزير العمل السيد عبد النبي الشعلة وقضاة المحكمة الجعفرية الشيخ سليمان المدني والشيخ احمد العصفور والشيخ منصور الستري بالاضافة للوجيه الحاج احمد منصور العالي. وقام الشيخ الجمري بقراءة المبادرة المكتوبة امام الحضور الذين استمعوا لما قيل عن الحوار الدائر.
3 - قال السيد هندرسون ان زيارة لندن واقناع المعارضة هناك سوف يكون له الاثر الكبير في الاسراع بحلحلة الاوضاع. خصوصا بعد ذهاب العلماء الثلاثة الذين تم ابعادهم في يناير 1995 الى لندن لأن ذلك قلب الموازين على الحكومة.
4 - تم اخبار وزارة الداخلية ان المحاورين لن يطلبوا من المعارضة ومن الجماهير التوقف وانما سيطلبون اعطاء فرصة للحوار.
ملاحظات ذكرها افراد المعارضة في لندن:
1 - الحكومة رفضت ان توثق الاتفاق من جانبها كتابيا ورفضت وضع جدولة واضحة للفترة الامنية من الحوار. كما ان المرحلة الساسية للحوار غامضة بالنسبة للآلية. فالمعارضة طرحت مطالب دستورية تعتمد على الاجماع الوطني واي آلية للحوار لا بد ان تحتوي على ممثلين من الاطراف المشاركة في العريضة الشعبية ومن الاطراف الاخرى المؤثرة في الساحة.
2 - ان الحكومة طلبت كتابة رسالة اعتذار كمقدمة للحوار، وبالرغم ان الرسالة كتبت بلغة "شرطية" فان الابتزاز واضح ولن تتوانى وزارة الداخلية عن استخدام هذه الورقة ونكران الحوار لأنها لم تقدم شيئا مكتوبا.
3 - ان النهج الذي تسير عليه الحكومة لا ينبئ بالخير. فقطاع التعليم تمت عسكرته من خلال تعيين ضباط في الجيش لمناصب الوزير ومدير الجامعة وغيرها من المناصب الحساسة.
4 - ان تكرار وزير الاعلام الجديد لوصف خروج القياديين بأنه مكرمة اميرية من أجل العودة للصراط القويم أمر آخر لا ينبئ بالخير في التوجه الحكومي.
5 - الحكومة تريد معالجة عوارض الازمة وليس جذورها، ولا يبدو أن تغييرا حقيقيا في النهج السياسي قد حصل. فالحديث لا زال عن مجلس الشورى المعين وهناك محاولة لتغيير تركيبة الحكم بحيث يستعصي عودة الحياة الدستورية والبرلمان المنتخب.
رجوع الاستاذ حسن مشيمع الى البحرين:
رجع الاستاذ حسن الى البحرين والتقى مع الشيخ عبد الامير الجمري والاستاذ عبد الوهاب حسين داخل السجن ليخبرهم بنتيجة الحوار مع المعارضة في الخارج. ولكن سرعان ما بدأت الاحداث تأخذ منحى آخر عندما جاء موعد الافراج عن الاستاذ عبد الوهاب حسين في 7 سبتمبر. فالسلطة لم تفرج عن الاستاذ عبد الوهاب حسين في اليوم المحدد، كما لم تفرج عن العدد الكامل المتفق عليه احتجاجا على مظاهر الفرح الجماهيرية التي بدأت تتسع مع الايام. وعندما افرج عن الشيخ الجمري في اواخر سبتمبر، وخرجت الجماهير من كل مكان لاستقباله، انزعجت الحكومة دون سبب معقول وامتنعت عن الافراج عن باقي الموقوفين المتفق عليهم ويقدر عددهم بـ 500 شخص.
وكان شهر اكتوبر حافلا بالمساجلات والاتهامات بين القيادة الامنية والمعارضة في الوقت الذي بدا واضحا ان الحكومة لم تكن جادة في فتح باب الحوار وانما كانت تريده هو الالتفاف على المطالب الجوهرية للتحرك الشعبي، وهو اعادة الحياة الدستورية واحترام حقوق المواطن. وهكذا بدأت الاحداث في التصاعد وبدأت تختفي مظاهر الفرح وتعود حالة اللاأمن واللااستقرار والاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة والتصريحات غير المسؤولة، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير خطبة الامير يوم العيد الوطني في 16ديسمبر 1995 عندما بدا واضحا للجميع أن البحرين مقبلة على مرحلة جديدة من المواجهة بين الحركة الشعبية المتنامية وقوات الامن.
لقد تسارعت الاحداث في يناير 1996 بصورة خاطفة، وبدا الارتباك واضحا في ردود افعال الحكومة، ونلخص الاحداث المتسارعة مع ما سبقها كما يلي:
25 سبتمبر 1995: الافراج عن الشيخ عبد الامير الجمري.
23 اكتوبر 1995: اعتصام سبعة قياديين واضرابهم عن الطعام في منزل الشيخ الجمري، احتجاجا على عدم وفاء الحكومة بالاتفاق المبرم معها.
1 نوفمبر 1995: انتهاء الاعتصام واحتشاد اكبر تجمع في تاريخ البحرين (قدر العدد 60 - 70 ألف انسان) امام منزل الشيخ الجمري للاستماع للبيان الختامي للمعتصمين.
3 يناير 1996: بعثت قيادة امن المنامة الى الحاج علي عبدالله الابريق مسؤول جامع الصادق بالقفول (المنامة) وأنذروه بمنع الشيخ الجمري من الصلاة مساء الجمعة كل اسبوع. وعندما اتصل الابريق بدائرة الاوقاف الجعفرية قيل له انه ليس من مسؤوليتنا ان نمنع او نحدد من يصلي جماعة في المسجد. فاتصل العقيد عبد الله المسلم مدير مركز امن القرى بالاوقاف ليأمرهم، لكن دائرة الاوقاف اعتذرت عن ذلك. بعدها اتصل عبد الله المسلم بالشيخ الجمري وقال له: "انك ممنوع من الصلاة والخطبة في مسجد الصادق" وكررها ثلاث مرات. فرد عليه الشيخ الجمري انه يرفض المنع.
4 يناير 1996: هجمت قوات الامن على جامع الامام زين العابدين حيث كان الشيخ الجمري مع جمهور من المصلين يقرؤون الدعاء (دعاء كميل). واستخدمت مسيلات الدموع بكثافة وتم الاعتداء على المارة بصورة عشوائية وفرض حصار حول منزل الشيخ الجمري. بعد فترة انسحبت قرابة عشرين سيارة جيب من المنطقة وبقيت السيارات المدنية واربع شاحنات مملوءة بالقوات. وبعد فترة تجمعت اعداد غفيرة حول منزل الشيخ الجمري وخرج الشيخ وخطب فيهم قائلا: "ان هذه الحركة الصبيانية المراهقة قد فعلها هؤلاء بدون سبب. وارى انهم قد ارهقتهم وحدة الشعب واصراره على مطالبه، وارهقتهم الجماهير الهائلة التي تجتمع لصلاة يوم الجمعة في جامع الصادق ولا نستغرب مثل هذه الحركة، ونحن صامدون لن نتراجع،والذي اراه ان هذا الانسحاب تكتيكي لكي تتجمعوا بسبب هذه المكيدة ثم يأتوا مرة اخرى للهجوم زاعمين ان هناك فوضى وتجمعا غير مشروع، اننا سوف نظل متمسكين بسلوكنا الذي هزمهم وجعلنا نستـقطب الرأي العـام في الداخل والخارج وهو السلوك السلمي،وارى ان نفوت عليهم الفرصة ونحبط هذه المكيدة بالتفرق والانصراف من هذا المكان، شكر الله مساعيكم، على ان الانصراف لا يعني التخـلي عـن المسـؤولية، بل هـو انصراف مع التحسـب للطوارئ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
الجمعة 5 يناير 1996: صلى الشيخ الجمري الظهر في جامع الصادق بالدراز، بينما كانت مداخل الدراز تتواجد فيها القوات ولكن الجماهير انهالت من كل حدب وصوب. اما صلاة المغرب فيصليها الشيخ في جامع الصادق بالقفول. وعندما توجه الناس الى القفول كانت القوات قد حاصرت الجامع منذ الثالثة بعد الظهر بـ 250 مسلح واغلقت جميع الطرق الى الجامع. وقامت هذه القوات باستخدام مسيلات الدموع والرصاص المطاطي واصبحت الاجواء مكفهرة، واصيب عدد غير قليل من النساء والرجال والاطفال. وقد شاهد هذا الحادث السواح الاجانب الذين كانوا متواجدين في الحديقة المائية القريبة من الجامع.
مساء الجمعة 5 يناير 1996: اقيم حفل ديني في منطقة النعيم بالمنامة وكان من بين الحضور الشيخ الجمري. وبينما كان الاستاذ حسن مشيمع يلقي كلمته امام الحضور هجمت قوات الشغب بالقنابل الخانقة على الحضور. فانفض الجمهور وسقط عدد كبير على الارض من بينهم الشيخ الجمري، فحمله الشباب الى بيت صغير ملاصق لمكان الاجتماع. وقد التجأ الى هذا المنزل حوالي مائة شخص، وبقوا هناك ما لا يقل عن ساعة ونصف لا يستطيعون النزول ويتكلمون بالهمس، لان البيت مطوق والمنطقة كذلك. بعد ذلك هجمت قوات الشغب على المنزل وكسروا ابوابه ودخلوا واقتادوا الشباب بصورة وحشية ضربا ورفسا وشتما. وقيدوا ايدي الشباب من الخلف. وتعرض الشيخ الجمري لضربة على ظهره من احد افراد قواة الشغب، بعدها واجه الشيخ الجمري الشخص الذي قام بالهجوم واسمه الملازم عيسى القطان، وحمله مسؤولية ما حدث. ثم طالب بالافراج عن الشباب الذين قيدوا، وتم ذلك بعد فترة من النقاش الحاد. وقام الشيخ الجمري والشباب بتفقد الجرحى الذين سقطوا على الارض ونقل بعضهم الى المستشفى.
8 يناير 1996: الشيخ الجمري يصلي في جامع الصادق رغم التهديد له قبل الصلاة والجماهير تجتمع من كل مكان وتجدد العهد. بعد ذلك توجه الشيخ الجمري للدراز وحضر احتفالا جماهيريا ضخما رددت فيه هتافات الصمود ضد الهجمة الحكومية.
12 يناير 1996: طوقت قوات الامن جامع الصادق بالقفول، وعندما جاء عدد كبير من الناس واغلبهم من الشباب للصلاة وجدوا شرطة الشغب قد اغلقت المنافذ المؤدية للجامع من الجهات الاربع مما ادى لامتداد طوابير السيارات القادمة من كل جهة لاكثر من كيلو متر واحد. وحدث ارباك في الحركة المرورية وعم التذمر العام من تصرفات قوات الامن. ثم قامت الاخيرة بملاحقة القادمين للصلاة باستخدام الرصاص المطاطي الذي تسبب في اتلاف عدد من السيارات والممتلكات. كما اطلقت قوات الامن قنابل غازية ذات لون احمر لخلق حالة من الفزع.
13 يناير 1996: استدعت وزارة الداخلية الشيخ الجمري وسبعة من رفاقه وادخلوهم واحدا بعد الآخر في مكتب وزارة الداخلية الذي كان يتوسطه اربعة عشر من قوات الامن. وكان اللقاء بمنتهى الشراسة من جانب وكيل وزارة الداخلية. وطالب قادة المعارضة بحضور محامي الدفاع الا ان ضباط الداخلية قالوا ان الهدف هو ابلاغ رسالة، ان الحكومة قررت منع الصلاة جماعة والقاء الخطب امام الناس. وكان جواب الشيخ الجمري ورفاقه، انهم لا يعتبرون بهذا القرار لانه غير دستوري.
14 يناير 1996: اعتقل الاستاذ عبد الوهاب حسين من منزله الساعة الثالثة بعد الظهر. وكان الاستاذ قد القى كلمة امام حفل جماهيري في عراد مساء 13 يناير شرح فيه ماجرى مع ضباط وزارة الداخلية وموقف قادة المعارضة الرافض لمثل هذه التهديدات.
15 يناير 1996: بدأت حملة اعتقالات واسعة شملت جميع الذين ظهرت اسماؤهم للعلن خلال الاشهر المنصرمة من علماء دين واساتـذة وخطباء ووجهاء ومسؤولي مساجد، من مختلف مناطق البلاد.
16 يناير 1996: الشيخ الجمري يلقي كلمة امام جمهور غفير في مدينة حمد ويتعرض للاحداث الجارية ويدعو لوحدة الشعب ويؤكد المطالب العادلة.
17 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري لمقابلة رئيس اللجنة الامنية التي انشأت لقمع الانتفاضة، الشيخ عبد العزيز عطية الله آل خليفة. وكان اللقاء مختلفا عما قبله. اذ قدم الاعتذار لاساءة الخُلق في الاجتماع السابق (13 يناير). طالب الشيخ الجمري بالافراج عن الاستاذ عبد الوهاب حسين وايقاف الهجوم على المساجد والتجمعات العامة لكيلا ينفلت الوضع الامني وتعود الاضطرابات. طلب رئيس اللجنة الامنية بعدم رفع الشعارات السياسية، الا ان الشيخ قال ان المطالب سلمية ودستورية وليس من شأنها الاضرار بالامن، بل على العكس. ولكن الاجتماع انتهى دون معرفة الهدف الاساسي من اللقاء بهذا الاسلوب المختلف عن سابقه.
19 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري للقاء رئيس اللجنة الامنية مرة اخرى، وكان هذا اللقاء عكس اللقاء الذي سبقه مما يعكس تذبذب الحكومة وعدم استقرارها على رأي محدد حول كيفية التعامل مع الاحداث. احتدم الخلاف بين الطرفين بعد ان اتهم رئيس اللجنة الامنية الشيخ الجمري بالتحريض ضد الحكومة، وطالب بايقاف النشاطات والتجمعات والصلاة وعدم الادلاء بأي تصريح لوكالات الانباء العالمية، الا ان الشيخ الجمري رفض كل ذلك.
20 يناير 1996: فرض الحصار المنزلي على الشيخ الجمري ابتداء من الساعة الثالثة فجرا. المظاهرات تعم مناطق البحرين وتعود مظاهر الاشتباكات مرة اخرى للساحة. اعتقالات واسعة شملت جميع اعضاء "المبادرة" ومعظم العلماء والخطباء والوجهاء الذين وقفوا بحزم أمام هجوم قوات الشغب على المساجد والتجمعات العامة.
21 يناير 1996: اعتقال الشيخ الجمري من منزله والعودة الكاملة لحالة الانتفاضة التي سبقت الافراج عن قادة المبادرة في اغسطس وسبتمبر 1995. بل ان الاوضاع ازدادت حدة ودخلت البحرين مرحلة صراع اخرى كان بالامكان تفاديها لولا خوف السلطة من الحوار مع المعارضة. قبل اعتقاله بساعات قليلة كتب الشيخ الجمري رسالة لي بالفاكس قائلا: "أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غربا الى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج الا الاطفال الى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سئ جدا . . . لا أدري ما سيجري بالنسبة الينا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف . . . هذا واذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الاحداث (احداث العنف) التي استدرجوا الناس اليها بنا وبالمساجد وتزعم اننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون اسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) واعداد كبيرة من الشباب . . . وتعتبر هذه الاصـوات قـد أخمـدت، ولم يبـق الا الأمـل فـي الله والرجـاء منه . . .
ولعلمـكم، من جانبنا لا تراجع عن مطالب الشعب ونحن -انشاء الله- على الدرب سائرون . . . مع السلامة".
منصور الجمري



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: