» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



08/09/2009م - 8:06 م | عدد القراء: 1548


الدنيا والأنسانية العليا
الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .
المناسبة : موسم كرزكان الرمضاني الثقافي .
العنوان : الدنيا والإنسانية العليا .
المكان : كرزكان ـ المأتم الجنوبي .
اليوم : مساء الخميس ـ ليلة الجمعة .
التاريخ : 13 / رمضان / 1430هج .
الموافق : 3 / سبتمبر ـ أيلول / 2009م .

أعوذ بالله السميع العليم، من شر نفسي الأمارة بالسوء، ومن شر الشيطان الرجيم .
بسم الله الرحمن الرحيم .
اللهم صل على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين .
السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .



أيها الأحبة الأعزاء : سعدت كثيرا بهذا اللقاء الرمضاني المبارك، وسوف أجعل كلمتي في هذه الليلة المباركة قصيرة، لأفسح المجال أكثر لأسئلتكم، وسماع ما يجول في خواطركم، فهذا في تقديري أنفع من الحديث من طرف واحد .

قابلية الصعود والهبوط لدى الإنسان ..
قال الله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } ( الشمس : 7 ـ 10 ) .
يمتاز الإنسان من بين كل الموجودات بخاصية القابلية للصعود والهبوط ..
• الصعود الروحي والتكامل في إنسانيته، حتى يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر في الجنة .
• والهبوط الروحي إلى درجة الإنسلاخ من إنسانيته حتى يكون في الدرك الأسفل في النار .
ويشارك الجن الإنسان في هذه الخاصية ولكن بدرجة أقل بكثير مما هي في الإنسان . وتقوم هذه الخاصية على أساس التركيب والمزيج العجيب بين النفخة الربانية، قول الله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } ( ص : 72 ) وبين التراب الذي خلق منه الإنسان ..
• والطريق إلى الصعود، هو : معرفة الله ذي الجلال والإكرام والطاعة المطلقة له .
• والطريق إلى الهبوط، هو : الجهل بالله سبحانه وتعالى ومعصيته .
والإنسان هو الذي يختار ويصنع ماهيته بنفسه ..
• فبوسعه أن يختار طريق الصعود ليكون أفضل من الملائكة ليستقر في مقعد صدق عند مليك مقتدر في الجنة .
• وبوسعه ان يختار طريق الهبوط والإنسلاخ من إنسانيته ليكون أخس من البهائم ويستقر به المقام في الدرك الأسفل في نار جهنم .

الدنيا والإنسانية العليا ..
وأعلموا أن إعطاء قابلية الصعود والهبوط لدى الإنسان فرصتها للظهور لا تكون إلا من خلال العيش في الحياة الدنيا، فمن خلال العيش في الحياة الدنيا، والابتلاء بشهوات النفس، ومن خلال الرغبات الروحية وسبحات العشق، والقدرة على الاختيار، يستطيع الإنسان أن يسلك طريق الصعود أو طريق الهبوط . فالإنسان هو عصارة الوجود كله، ومحمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين ( عليهم جميعا صلوات الله ) هم عصارة وجود الإنسان، وكل ما في الوجود مسخر من أجل الإنسان، الملائكة مسخرة من أجل الإنسان، وكل ما في السماوات وما في الأرض مسخر من أجل الإنسان، فمن أجل الإنسان خلقت الدنيا والآخرة، ولولا وجود الإنسان لما خلقت الدنيا ولما خلقت الآخرة .

أيها الأحبة الأعزاء : تنبهوا، فإن الدنيا هي السبيل الوحيد لإظهار الإنسانية العليا، التي هي عصارة الوجود وغاية إيجادة .
وعليه يجب التمييز بين حقيقتين ..
الحقيقة ( 1 ) الدنيا ضرة الآخرة : وذلك حينما ينكب الإنسان على الدنيا في نفسها، وينسى ربه والآخرة . وهذا بخلاف حقيقة الدنيا وما وجدت لأجله . فالدنيا لم تخلق لنفسها، ولم تخلق لتكون دار قرار، وإنما خلقت من أجل تربية الإنسان، ولتكون دار عبور إلى الدار الآخرة، والانكباب عليها في نفسها هو بخلاف حقيقتها وغاية وجودها، وبخلاف العقل والفطرة والدين الحق .
الحقيقة ( 2 ) الدنيا مزرعة الآخرة : حيث أن الدنيا هي السبيل إلى تربية الإنسان وتكامله لتظهر الإنسانية العليا في وجوده، وهذا هو المراد الرباني من خلق الدنيا وإيجادها .

فغاية خلق الدنيا وإيجادها : هي تربية الإنسان، لتظهر فيها الإنسانية العليا، وسنامها محمدا ( صلى عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الطيبين الطاهرين ( عليهم السلام ) على الصعيد الفردي، ودولة العدل الإلهي العالمية التي يقيمها صاحب العصر والزمان ( أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ) على الصعيد المجتمعي .
وهنا أرغب في أستكمال ما أشرت له قبل قليل حول تسخير كل ما في الوجود من أجل الإنسان، فحتى إبليس الشيطان الرجيم ( عليه اللعنة ) الذي أبي أن يسجد لآدم ( عليه السلام ) وأظهر العداوة التامة للإنسان، إنما خلق من أجل تكامل الإنسان وسعادته . فإبليس ليس له سلطان على الإنسان المؤمنين، قول الله تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } ( الحجر : 42 ) ومخالفة الإنسان له ترفع درجة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى، وتسود وجه إبليس وتزيد في حزنه وغضبه وحسرته على نفسه، فيزداد المؤمن سرورا بعمله، ويزداد إبليس حزنا وغضبا وحسرة ويسود وجهه أكثر .. وأكثر .
أما أولياء الشيطان من بني آدم، فهم من سنخ الشيطان، وهم مستحقون للخسران بسوء اختيارهم وسوء عملهم، وإن كان المؤمنون يشعرون بالأسف للضلالهم، قول الله تعالى : { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } ( يس : 30 ) إلا أنهم غير مأسوف عليهم في الآخرة، فقد اختاروا وصنعوا ماهيتهم بأنفسهم، وشقوا أنفسهم بسوء اختيارهم، وهذه حقيقة أنفسهم الخبيثة، ولو رجعوا لعادوا .

ونخلص مما سبق إلى بعض النتائج المهمة، منها :
• أن الحياة الدنيا خلقت من أجل أن يسلك الإنسان فيها طريق الهداية والصلاح ليفوز برضا الرحمن والجنان في الآخرة .
• أن قيمة الإيمان في أن يفعل الإنسان الخير لنفسه ولجميع العباد، وأن يبتعد عن فعل الشر وما يضر بالعباد، وأن يكون ذلك بصدق وإخلاص، وليس مجرد مظاهر كاذبة، وإلا لا خير في إيمانه . قول الله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ . يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ . فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } ( البقرة : 8 ـ 10) .
• أن محمدا وأهل بيته الطيبين الطاهرين، ومن قبلهم جميع الأنبياء ( صلوات الله وسلامه عليهم ) الذين حصلوا على الكمال الإنساني والعصمة الربانية، هم سبل الهداية والصلاح للإنسان في الحياة، وطاعتهم واجبة من أجل الأمن والتقدم والازدهار في الحياة الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة .

الدين والحياة ..
ومن النتائج المهمة جدا : تصدي الإنسان المؤمن للمسؤوليات العامة في الحياة .
البعض يفهم خطأ بأن التدين يكون بكثرة الصلاة والصيام والحج، ولا يرى أن التصدي للشؤون العامة في الحياة من حقيقة الدين وجوهره، وقد يرى أن عدم التصدي من دواعي التواضع والزهد في الحياة، ونتيجة هذا الفهم الخاطيء : أن يستولي السيؤون على مقاليد الحياة، ويعيثون في الأرض الفساد، وهذه النتيجة هي تجسيد لإرادة الشيطان، وبخلاف إرادة الرب الجليل الرحمن الرحيم . إن الرب الجليل يريد أن تتجلى صفاته الجمالية والجلالية في المجتمع كما تتجلى في الأفراد، والإنسان المؤمن العاشق لله ذي الجلال والإكرام يكون سروره وتكون سعادته في تجليات صفات الرب في نفسه والظواهر المجتمعية، ويكون حزنه وشقاؤه في تجليات صفات الشيطان في شيء من نفسه أو الظواهر المجتمعية، ولا يمكن أن ينسجم في الفهم والروح، محبة الله سبحانه وتعالى والارتباط به، مع القبول بالظلم والتخلف والفساد في الأرض والتعايش معه، ولهذا لا يكون الإنسان المؤمن الصادق في إيمانه إلا مجاهدا دائم السعي من أجل إظهار تجليات الله ذي الجلال والإكرام في نفسه والمظاهر المجتمعية، ومحو تجليات الشيطان منهما .
وهناك مسألة أخرى : يشير البعض إلى أن المجتمعات الغربية ومن خلال الفلسفات المادية تتقدم في الحياة، بينما المجتمعات الإسلامية تتخلف، وهنا أريد أن أنبه : أن الفلسفات المادية ومن خلال تركيزها على الحياة الدنيا تسمح بالتقدم في النواحي المادية في الحياة، قول الله تعالى : { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ( الروم : 7 ) ولكنه تقدم غير متوازن، فتظهر إلى جانب التقدم المادي المشاكل الروحية والنفسية، مما يقضي على شعور الإنسان بالراحة والطمئنينة، ويهدد المجتمعات بالفناء .
أما رسالة السماء والتقوى وجاذبية العشق لله الرحمن الرحيم : فهي كفيلة برفع الروح المعنوية والمحافظة على الحياة الروحية والسلامة النفسية لدى الإنسان، وفي نفس الوقت تحريك عجلة التقدم والازدهار في النواحي المادية في المجتمع بشكل أسرع وأفضل ومتوازن وأكثر تنوعا ـ وهذا ما ثبت بالتجربة في عهد الرسالة الأول ـ ولكن الانقلاب على الرسالة وتهميشها وإبعادها عن الحياة، وتسلط الدكتاتورية والاستبداد في المجتمعات الإسلامية، وتعطيل عامة المسلمين لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باسم الدين وتحت مظلمة بعض علماء الدين الظالمين لأنفسهم من الطامعين في الدنيا أو الذين يفتقرون إلى الوعي أو الشجاعة تحت عنوان الحكمة أو الواقعية أو الخوف من الفوضى أو غيرها من العناوين المضللة، وتسليط الأفكار والمفاهيم الظلامية المتخلفة ونشرها باسم الدين الحنيف . كل ذلك سمح بتعزيز الأوضاع المزرية وترسيخها، وتعطيل دور الدين في النهضة وصناعة الحضارة الراقية والمتميزة المفترضة في المجتمعات الإسلامية . وحمّل الآخرون الدين مسؤولية ذلك، وهذا عار لا مسؤولية للدين الحنيف عنه وهو منه بريء، وقد ذهبت ضحيته كواكب الشهداء السعداء الأبرار والمعذبين في السجون وضحايا الإرهاب من العباد الصالحين العاشقين للحق والعدل، المتطلعين للمقام في ساحة القدس والرحمة والجمال، والمتنورين بالمفاهيم الأصيلة للدين الإسلامي الحنيف، أولئك هم المفلحون والسعداء بما رزقوا . اللهم أجعل لنا عندك قدم صدق معهم في الدنيا والآخرة يا كريم .

أيها الأحبة الأعزاء
أكتفي بهذا المقدار
واعتذر لكم عن كل خطأ أو تقصير
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم
واستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: