» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



12/09/2008م - 6:40 ص | عدد القراء: 1314


الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .
العنوان : الشهادة فلسفة وعطاء .
المكان ( 1 ) : مأتم شباب الدمستان ـ قرية الدمستان .
المناسبة : تأبين الشهيد الحاج سلمان الماجد .
اليوم : مساء الخميس ـ ليلة الجمعة .
التاريخ : 23 / ربيع الأول / 1428هج .
الموافق : 12 / أبريل ـ نيسان / 2007م .
المكان ( 2 ) : ساحة مسجد الخيف ـ قرية الدير .
المناسبة : التأبين السنوي لشهداء قرية الدير .
اليوم : مساء الخميس ـ ليلة الجمعة .
التاريخ : 1 / ربيع الثاني / 1428هج .
الموافق : 19 / أبريل ـ نيسان / 2007م .


أعوذ بالله السميع العليم من شر نفسي الإمارة بالسوء ومن شر الشيطان الرجيم .
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين .

اللهم صل على محمد وآل محمد ، وارحمنا بمحمد وآل محمد ، وأهدي قلوبنا بمحمد وآل محمد ، وعرف بيننا بمحمد وآل محمد ، واجمع بيننا وبين محمد وآل محمد ، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة طرفة عين أبدا يا كريم .
السلام على أئمة الحق والعدل والهدى ورحمة الله تعالى وبركاته .
اللهم معهم .. معهم لا مع أعدائهم .


السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .

في البداية : رحم الله من قرأ السور المباركة الفاتحة وأهدى ثوابها إلى أرواح شهدائنا السعداء الأبرار .

قال الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَـاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } ( آل عمران : 169 ـ 171 ) .

أيها الأحبة الأعزاء : عنوان الحديث في هذه الليلة العظيمة : ( الشهادة رؤية وعطاء ) وسوف أجعل الحديث على شكل نقاط من أجل المزيد من الوضوح وتسهيلا للفهم .

النقطة الأولى ـ تعريف الشهادة والشهيد لغويا : سوف أذكر المعاني اللغوية لخمسة ألفاظ تتعلق بالشهادة وليس للفظين ، وذلك في سبيل اكتمال الصورة اللغوية لمعاني الشهادة والشهيد ونرى أفاقهما البعيدة ..

اللفظ الأول ـ الشهادة : وهي في اللغة تعني الحضور والمعاينة فيقال شهد الحادث : أي حضره وعاينه وشهد الصلاة أي أدركها ، وهي الخبر عن يقين والإقرار القاطع على النفس ، ويطلق لفظ الشهادة على فعل الشاهد فيقال : أدى الشاهد الشهادة ، وهي البينة والدليل الذي يستشهد به لإثبات أمر من الأمور ، وهي الموت في سبيل الله عز وجل ، والشهادة في القضاء : هي أقوال الشهود أمام جهة قضائية ، وعالم الشهادة : هو عالم الحس في مقابل عالم الغيب .

اللفظ الثاني ـ المشهد : وهو في اللغة ما يشاهد ، ويطلق على منظر في فصل من مسرحية أو فلم تمثيلي ، وهو المحضر أو المجتمع من الناس والمواطن التي يجتمعون فيها ، ويطلق أيضا على المكان الذي تقام فيه قبور الشهداء ويجتمع فيها الناس لزيارتهم مثل مشهـد الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

اللفظ الثالث ـ اليوم المشهود : وهو في اللغة اليوم الذي يجتمع فيه الناس لأمر هام ، وهو يوم الجمعة ، وهو يوم القيامة الذي يرى فيه الناس حقيقة أعمالهم وما يجري فيه من الأهوال العظيمة .

اللفظ الرابع ـ الشاهد : وهو في اللغة الذي يؤدي الشهادة وجمعه شهود وأشهاد ، وهو اللسان والملك ، ويطلق لفظ الشاهد على الدليل الذي يستشهد به لإثبات أمر من الأمور ، وعلى الجزئي الذي تثبت به القاعدة العامة .

اللفظ الخامس ـ الشهيد : وهو في اللغة الأمين في شهادته ، وهو القتيل في سبيل الله عز وجل ، والشهيد أسم من أسماء الله الحسنى ومعناه : الحاضر الذي لا يغيب أبدا فهو مع كل مخلوق من مخلوقاته في كل زمان ومكان وهو الذي يعلم بكل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وهو الذي يشهد على الخلق في يوم القيامة بما علم وشاهد منهم .

والخلاصة : أن الشهادة تتضمن خمسة عناصر رئيسية ..
العنصر الأول : الحضور والمعاينة .
العنصر الثاني : العلم اليقين .
العنصر الثالث : الأداء أو إظهار الشاهد ما تحمله من علم .
العنصر الرابع : الأمانة في أداء الشهادة من أجل حفظ الحق من الضياع والواقع من التزوير .
العنصر الخامس : المكان أو مسرح الأحداث .

وقد أدركنا من خلال العرض السابق لمعاني الألفاظ المكانة العالية والمنزلة الرفيعة والسمو في المعنى لتلك الألفاظ الرائعة الجميلة التي تتعلق بالشهادة والشهيد ومدى ملامستها للقلوب والمشاعر الإنسانية ، ويكفينا لمعرفة المكانة العالية والمنزلة الرفيعة للشهيد ، أن نعلم بأن لفظ الشهيد هو وصف لمن يقتل في سبيل الله عز وجل ، وهو صفة من الصفات الكريمة للرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو أسم من أسماء الله الحسنى ، وهذا كافي لحمل الإنسان المؤمن خاصة على التوقف مليا أمام عظمة الشهيد وقيمة الشهادة وإدراك مكانتهما الدينية والإنسانية العالية .

النقطة الثانية ـ صفات الشهيد : إن من أعظم الأعمال وأجلها الجهاد في سبيل الله ذي الجلال والإكرام ، وفي سبيل الحق والقضايا الإنسانية الكبرى ، وفي سبيل المقدسات والحرمات الدينية والإنسانية والدفاع عنها ، وأروع ما يستوقفنا في الجهاد والدفاع عن المقدسات هو الشهيد ، لأنه يمثل القمة في العطاء من أجل دينه ووطنه ومن أجل القضايا والمبادئ والقيم التي يؤمن بها ويعمل من أجلها ، ولأنه يمثل السمو في الأخلاق والقدوة الحسنة في الصفات .
قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فوق كل بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله ، فإذا قتل في سبيل الله عز وجل فليس فوقه بر " ( البحار . ج100 . ص10 ) .

وعن صفات الشهيد : فإننا حينما نتكلم عن صفات الشهيد ، فإننا نتكلم عن وعي في الفكر ، ويقين في الانتماء ، وبصيرة في رؤية الأمور ، وعن شعور عميق بالمسؤولية الدينية والقومية والوطنية ، وعن المسؤولية في تحديد المصير ، وعن حضور في الساحة وفاعلية في المشاهد ، وعن أمانة وصدق وشجاعة وإقدام ومبادرة في المواقف ، وعن انتصار الروح على التراب والملائكة على الشيطان في نفس الشهيد وقلبه ، وعن توهج الروح بنار العشق الإلهي حتى أصبحت طاقة نورانية تتلألأ بأنوار أجمل الصفات الأخلاقية وأحلاها وأعطرها ـ وفي مقدمتها صفتي الإيثار على النفس والانتصار على الذات ـ فروح الشهيد تنشر أنوار الحق والخير والعدل والفضيلة والحرية والاستقلال ، وتنشر الأريج الملكوتي لهذه القيم في أنحاء الأرض المعمورة .

أيها الأحبة العزاء : إن الشهيد يؤمن بالله ذي الجلال والإكرام وبالآخرة عن يقين ، ويعرف حقيقة الدنيا ويعرف تكليفه الشرعي والإنساني فيها ، فهو لا يعطيها أكثر من حجمها الحقيقي ، ولا يعطيها أكثر مما تستحق من الاهتمام ، وهو يعرف أولوياته ورسالته في الحياة بدقة ، فهو لا يقدم أحدا على الله ذي الجلال والإكرام أي كان ، ولا يقدم الدنيا على الآخرة بأي حال من الأحوال ، وهو لا يخاف من الألم ، ولا يخاف من القتل ، ولا يخاف من السجن ، ولا يخاف من إرهاب المستبدين والمستكبرين والطواغيت ، ولا يخضع لإغراءاتهم الشيطانية ، وذلك لرسوخ يقينه في الله عز وجل وفي الآخرة ، ولمعرفته بحقيقة الدنيا وبالطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله ذي الجلال والإكرام وإلى الآخرة ، ولعمق حالته الشعورية واستقرارها ، فهو يأنس بذكر الله ذي الجلال والإكرام في الشدة والرخاء ، ولا يطغى لديه شعور على شعور المحبة لله ذي الجلال والإكرام والخوف من عقابه ، فهو يعيش حالة من الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي رغم تقلبات الدهر وتغيرات الأوضاع .

ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية ..

النتيجة الأولى : أن الشهادة الحقيقية ليست وليدة صدفة كأن يخر الشهيد صريعا بغير إرادته ضحية لموقف غادر لأحد المجرمين هنا أو هناك ، وإنما هي اختيار أكيد ومنهج حياة مبنيين على فلسفة ويقين ورؤية محددة للأمور ، فالشهيد قبل أن يُصرع هو مشروع شهادة حي يتحرك نحو مصرعه بصبر ومثابرة وحيوية وقوة وفاعلية وهو يحمل معه ناره ونوره وعطره وعبقه ، ويسير نحو الشهادة بإرادة كاملة وبتنظيم دقيق وبخطى ثابتة لا تزحزحه الإغراءات ولا التهديدات ، ولذلك فهو شهيد وإن مات على فراشه حتف أنفه .
قال الرسول الأعظم الكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه " ( ميزان الحكمة . ج5 . ص195 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه " ( نفس المصدر ) إلا أن القتل في سبيل الله عز وجل هو الموت الأكثر روعة والأكثر جمالا وبهاء ونورا وهو الوسام الرفيع الذي يوضع على كتف الإنسان في سلك العابدين . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " إن أكرم الموت القتل ، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله " ( البحار . ج100 . ص40 ) وطبعا المراد بالقتل هو القتل في سبيل الله عز وجل ، وهو اصطفاء إلهي عظيم ودليل حب الله تبارك وتعالى لعبده المؤمن الذي نال شرف الشهادة ، ذلك الشرف الذي لا يناله إلا خاصة أوليائه ، فليس كل من يخوض المعارك ويواجه الأخطار يستشهد ، وليس كل من يقتل في المعارك يكون شهيد ، لأن ليس كل واحد يستحق هذا الوسام الرفيع . قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كم ممن أصابه السلاح ليس بشهيد ولا حميد ، وكم ممن مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق شهيد " ( كنز العمال . ج . ص . الحديث : 11200 ) .

النتيجة الثانية : أول ما يعطيه الله تبارك وتعالى من الكرامة لعبده الشهيد : أن يغفر له ذنوبه كلها ، وينجيه من سؤال منكر ونكير ، ويدخله إلى أعلى درجات الجنة بغير حساب ، وتكون الجراح التي أصابته مضيئة حمراء كالدم ، ورائحتها طيبة كالمسك ، ولأن الشهادة تطهر الشهيد وتغسله من الذنوب ، فإن الشهداء وحدهم لا يغسلون بعد الموت .

النتيجة الثالثة : كل من لا يسير في خط الشهادة فهو لا يمتلك حقيقة الإيمان ، ولم يشتعل قلبه بنار العشق الإلهي ، فهو كيان مظلم لم تمسه نار العشق والمحبة ، وهو معرض للانهيار الروحي والأخلاقي والتراجع في المواقف في أي وقت من الأوقات كلما تجدد الترهيب والترغيب وقوت سطوتهما على الإنسان ، ومن الصعب على من لا يسير في خط الشهادة أن ينال شرف الدنو من الله العلي الأعلى والزلفى لديه ، وذلك لضعف الجاذبية بينهما .

النقطة الثالثة ـ مناخ الشهادة وظروفها : والشهادة لا تأتي إلا في مناخ الصراع بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والفضيلة والرذيلة ، والأمانة والخيانة ، والعدل والظلم ، والحرية والاستبداد ، والاستقلال والاستكبار ، والإذلال والعزة ، والخنوع والكرامة ، والاضطهاد والمقاومة ، والنور والظلام ، والتقدم والتخلف في الحياة ، والشهيد لا يكون إلا في صف قوى الحق والخير والعدل والفضيلة والأمانة والحرية والعزة والكرامة والاستقلال والنور والتقدم ، ولا يمكن أن تكون أطروحاته ومواقفه في صف قوى الباطل والشر والظلم والظلام والتخلف والرذيلة والخيانة والاستبداد والاستكبار والاستعباد والإذلال والاضطهاد للعباد بأي حال من الأحوال . وتأتي الشهادة حينما تسعى قوى الباطل والشر والرذيلة والظلم والخيانة والاستبداد والاستكبار والاستعباد والإذلال والاضطهاد والظلام والتخلف لتغلق الطريق وتسد المنافذ أمام قوى الحق والخير والفضيلة والعدل والحرية والاستقلال والنور في سبيل القضاء على العقيدة الصالحة والقيم الروحية والمعنوية العالية وتهدر كرامة الإنسان وتسلب منه حقوقه الطبيعة في الحياة ، فتأبى قوى الحق والخير والعدل والفضيلة والحرية والاستقلال والنور والتقدم ذلك وترفضه وتقاومه أشد المقاومة ، فتأتي الشهادة تتويجا لهذا الموقف الإنساني الرافض المقاوم العظيم .

النقطة الرابعة ـ حقيقة الشهادة والشهداء وقيمتهما : تعتبر الشهادة دليلا على مدى إيمان الشهيد بعدالة قضيته التي استشهد من أجلها وعلى قيمتها الكبرى وأهميتها العظمى لديه ، وهي شاهد إدانة لقوى الباطل والظلم والرذيلة والظلام والاستبداد والاستكبار والانحراف والتخلف أمام محكمة العدل الإلهي والتأريخ ، وهي النور الكاشف عن جريمتها العظمى ضد الإنسانية ، وهي العنصر من الكيمياء الإنسانية الذي يزيل مساحيق التجميل عن الوجه القبيح لتلك القوى الشيطانية وفضحها أمام التاريخ لتكون عبرة لكل معتبر من الحكام وأصحاب السلطة والنفوذ ، وهي الأداة الأقوى لهدم الكيان الشيطاني لتلك القوى والنار الأشد فتكا بجسدها الظلامي القبيح . أما الشهداء فهم أنوار العشق الإلهي المتوهجة بالمعرفة والمحبة والجمال ، وهم الذين يرسخون دعائم الحق والخير والعدل والحرية والفضيلة في المجتمع والتاريخ ، وهم إكسير الحياة الذين ينفخون روح الكرامة والحياة المعنوية في جسد الأمم والشعوب ، وهم قلبها النابض بالحياة ، وبدون الشهادة والشهداء ، لا بقاء لعقيدة صالحة ، ولا بقاء لقيم معنوية رفيعة ، ولا أمل للإنسان في الحياة الكريمة .

النقطة الخامسة ـ مسؤولية الأحياء نحو الشهداء : والشهيد تنتهي مسؤوليته بمجرد أن ينال شرف الشهادة لتبدأ بعد ذلك مسؤولية الذين يعيشون بعده في الحياة ، فالشهداء قد أعطوا الدرس البليغ الصادق في الحياة ، وأصبحوا القدوة الحسنة للأحياء والحجة عليهم أمام الله ذي الجلال والإكرام والتاريخ في الاقتدار على صناعة الحياة الكريمة . لقد علم الشهداء الأحياء كيف ينبغي أن يعيشوا في الحياة ، وكيف عليهم أن يموتوا ، وما هو السبيل إلى الرفعة والتقدم وصناعة الحياة الإنسانية الكريمة على الأرض ، فعلى الأحياء أن يحملوا مشاعل النور التي أشعلها لهم الشهداء الأبرار ، وأن يسيروا في طريقهم طريق الحق والعدل والحرية والعزة والكرامة والفضيلة والنور ، وأن يقاوموا كل قوى الباطل والشر والظلم والظلام والانحراف والفساد والاستبداد والاستكبار والتخلف ، وأن يحموا تراث الشهداء النوراني العظيم ومكتسابتهم وأهدافهم العظيمة ، من أجل صناعة واقع أفضل للإنسان في الحياة ، ونتوصل مما سبق إلى النتائج المهمة التالية ..

النتيجة الأولى : أن كل من يعيش التخاذل ويقبل بالإذلال والظلم والاضطهاد طلبا للعيش الرخيص في هذه الحياة ، فهو ميت لا يعرف حقيقة الإيمان ، وهو مظلم لم يشتعل قلبه بنار العشق الإلهي ، فهو يعيش للغريزة والتراب ، ولا يعرف حقيقة القيم والمبادئ السامية كالعشق والعزة والكرامة والإيثار على النفس والانتصار على الذات ، وهو لا يعرف حقيقة الشهادة والشهداء ، ويجهل قيمتهما بالتأكيد ، وإن صام وصلى وحج وأقام احتفالات التأبين والتكريم للشهداء وأقام المآتم في الليل والنهار وبكى الدهر كله على سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) فالشهادة في القراءة الأولى لها تعني : اختيار الموت في عزة على حياة مهينة في ظل الإذلال والظلم والاضطهاد ..
قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من أقر بالذل طائعا فليس منا أهل البيت " ( البحار . ج46 . ص100 ) .
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنك لن تعتاض بما تبذل من دينك وعرضك بثمن وإن جل " .
( البحار .ج77 . ص207 ) .
وقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما " ( تحف العقول . ص 167 ) .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " إن الله تبارك وتعالى فوض إلى المؤمن كل شيء إلا إذلال نفسه " ( ميزان الحكمة . ج3 . ص441 ) .

النتيجة الثانية : إن إقامة المآتم والبكاء على سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) وإقامة حفلات التأبين والتكريم لسائر الشهداء لا قيمة لها ، ولن تغير في الواقع الفاسد شيئا ، ولن تزعج الظالمين والمستكبرين والمفسدين في الأرض ، ما لم تؤدي إلى تحول إيجابي في النفوس ، وإلى ترجمة القيم والمبادئ التي استشهد من أجلها الشهداء إلى مواقف عملية إيجابية في الحياة . إن إقامة المآتم على سيد الشهداء ( عليه السلام ) وإقامة احتفالات التأبين والتكريم لسائر الشهداء ، والبكاء والحزن والأسى عليهم ، ينبغي أن تبقي مضامين الشهادة وقضايا الشهداء حاضرة وماثلة في العقول والقلوب والواقع ، مما يؤدي إلى أحياء النفوس وإلى إنعاش الواقع وتطويره وصيانته من الضعف والتخلف والانحراف ، وبدون ذلك لا قيمة حقيقية لإقامة المآتم على سيد الشهداء ( عليه السلام ) ولإقامة احتفالات التأبين والتكريم لسائر الشهداء ، ولا قيمة للبكاء والحزن والأسى عليهم . وإنه لمن مصلحة الطواغيت والمستبدين والمستكبرين في الأرض ، أن تنحصر الحفاوة بسيد الشهداء ( عليه السلام ) وبسائر الشهداء السائرين على منهجه في إقامة المآتم والمهرجانات واحتفالات التأبين والتكريم وفي الأسى والحزن والبكاء والعويل عليهم ، لأنه السبيل الأفضل لتفريغ الشهادة من مضمونها الرفيع ، وتضييع تراث الشهداء ودمائهم ومكتسباتهم وأهدافهم العظيمة في الحياة ، وتحويل الحفاوة بهم إلى أداة حماية للظلم والظالمين والمفسدين والمستكبرين في الأرض ، بدلا من أن تكون أداة تهديد وهدم إلى كيانهم الشيطاني القبيح .

أيها الأحبة الأعزاء : إن التكريم الحقيقي للشهداء لا يكون إلا من خلال السير على نهجهم نهج المحبة والعزة والكرامة والإباء والرفض لقوى الباطل والظلم والاستبداد والرذيلة والتخلف ومقاومتها أشد المقاومة ، وعدم الرضوخ لإرادتها الشيطانية في الأرض ، ومن خلال بث روح التضحية والفداء والمحافظة على تراث الشهداء وتخليد المعاني والقيم والمبادئ التي ضحوا من أجلها وإحيائها وتحريكها على الأرض ، ومن خلال الحضور الفاعل في ساحات الصراع ناصرين للحق ضد الباطل ، وللعدل ضد الظلم الجور ، وللفضيلة ضد الرذيلة ، وللحرية والعزة والكرامة والتقدم ضد الاستبداد والاستعباد والاستكبار والإذلال والاضطهاد والتخلف ، ومن خلال صيانة مكتسبات الشهداء وأهدافهم العظيمة ، وليس الاكتفاء بإقامة الاحتفالات والمهرجانات وتوزيع الدروع والزهور على ذوي الشهداء مع التجاهل الفعلي لخط الشهداء وقيمهم ومبادئهم في الحياة وتضييع تراثهم ومكتسباتهم وأهدافهم العظيمة التي استشهدوا وضحوا من أجلها .

أيها الأحبة الأعزاء : علينا أن نعلم بأن الحياة الإنسانية الكريمة ليست إلا عقيدة صالحة وجهاد صادق ، فعلينا أن نحسن استقبال رسائل الشهادة والشهداء ، وأن نحسن التعاطي معها بجدية وإيجابية ، فنعظمها ونجلها ونرفعها كالتيجان فوق رؤؤسنا ، وأن نحفظ تراث الشهداء ، وأن نصون المبادئ والقيم والمكتسبات التي ضحوا من أجلها ، وأن نجعل منها معالم رئيسية في طريقنا الصاعد في الحياة ، وأن نواصل الطريق الذي سار فيه الشهداء حتى تتحقق الأهداف العظيمة التي سعوا وضحوا من أجل تحقيقها ، ونالوا شرف الشهادة وحصلوا على وسامها الرباني الرفيع.

أكتفي بهذا المقدار
واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم
واستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته