» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



18/03/2010م - 4:38 م | عدد القراء: 1246


مؤتمرات الممـكن والمفروض
الوحدة الإسلاميّة لا تقبل الكثير من الأطروحات غير الضّالعة بالأمل الواقعي. ينبغي أن تتحرّك الأفكار بمنأى عن الأجواء الرّامية إلى الاحتفال بالوحدة وكأنها ملاذ بعيد المنال. تُصوِّر الاحتفاليّات هذا ''المعنى المستحيل'' للوحدة؛ ما يجعلها تنطوي على تلك الخواص الاحتفالية، وتكتفي تلقائياً بإرسال الأماني وخطابات الرّجاء. ليست المسألة هنا ناظرة إلى الشّكل، ولكنها تقصد الرّوح والعقلية والتكوين الذهني والوقائعيات المتخيّلة التي تحيط دعاة الوحدة وتلاحقهم بشعور وبلا شعور.

يُسجَّل بكثير من الموافقة؛ الحرص المتواصل الذي يُبديه القائمون على المؤتمر السّنوي للوحدة الإسلاميّة في طهران، والذي عقد دورته الثالثة والعشرين في أوّل مارس/ آذار الجاري. المؤتمر استطاع خلال تاريخه أن يحصد تكويناً فكريّاً، وقاعدة مفهوميّة متماسكة، كما أنه نجح في خلق المتانة الإيمانيّة اللازمة لتحويله إلى ''أيقونة'' احتفاليّة منتظرَة ولا يمكن التخلّي عنها، بل أصبحت علامة لازمة لفكرة الوحدة والتقريب ومؤشراً على صحّتها وعافيتها. بعض المتابعين يربط ذلك بشخصيات معينة مسكت المشروع منذ البداية، ولازالت، أمثال الشّيخ التسخيري والشيخ واعظ زاده الخراساني وكذلك الرعاية الخاصة التي يُقدّمها مرشد الثورة الإيرانيّة، علي خامنائي، حيث يمثّل وجهاً فكرياً مساهماً بفعالية في ترسيخ مشروع الوحدة، وحمايته من التجاذبات الساخنة التي تعصف بالمشهد الديني والثقافي الإيراني. وبرغم أنّ مؤتمر هذا العام لم يأت بجديد، وما قُدِّم فيه من أفكار وأمنيات وتوصيّات لا تختلف كثيراً عمّا قُدِّم سابقاً، إلاّ أنّ الصّورة التجميعيّة التي حاول الظّهور بها تمنح فرصةً لاعتباره قادراً حتّى الآن على تأكيد ضرورته، وأنّ الكارثة الكبرى تقع حينما يكفّ المسلمون عن التلاقي، ولو لأجل التلاقي ذاته.

ضرورة الوحدة وأسباب الفتنة
في ورقته المقدَّمة إلى المؤتمر، تحدّث الباحث الإسلامي عبد الوهاب حسين عن الواقع السّنني لظاهرة الاختلاف بين البشر، إلا أنها يمكن أن تؤدي إلى التقدّم والازدهار في الحياة، أو تكون سبباً للنزاع والدّمار، ويعتمد ذلك على أسلوب التعاطي مع هذه الظاهرة وطريقة فهمها. فحينما يتمّ التعاطي معها من خلال ''فكر منغلق، ونفسيّة مريضة''، فإن الخراب هو النتيجة المتوقعة، وبخلاف ذلك، فإنّ الانفتاح على ظاهرة الاختلاف عبر ''فكر منفتح، ونفسية سليمة'' تلتزم بالعدل والقبول بالآخر والتسامح معه، سوف يؤدي إلى تحويل الاختلاف عنصراً لتقدّم الحياة، كما يذهب حسين.
لا يختلف الباحث في تأكيد ضرورة الوحدة بين المسلمين، كما يسجّل دور الاستعمار والحكومات المستبدّة في إثارة الخلاف والفتن، مشيراً إلى أنّ الطائفيّة لم تكن يوماً وليدة للدّين نفسه، بل تعود إلى السياسة والجهل. كما تطرّق إلى دور التكفيريين والفقهاء المذهبيين في تأزيم العلاقة بين المسلمين وإشعال الفتن بينهم، فالتكفيريون ''هم إحدى أخطر الظواهر التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية، وأعطوا أنفسهم حق القيمومة على الآخرين من المسلمين، والسعي لفرض أفكارهم وقناعاتهم عليهم بالقوة. ونشر الخطاب الطائفي الذي يفرّق ولا يجمع، فيقومون بتضخيم الاختلافات بين المسلمين، والنظر إلى المذاهب الإسلامية وكأنها أديان مختلفة بدلا من النظر إليها على أنها مدارس في الدين الواحد''. ويضيف بأن المتطرفين ''الذين يتحدثون باسم الدين ـ من أي دين كانوا ـ يسيئون إلى الدين والمجتمع، حيث يترتب على انتشار التيارات التكفيرية والمتطرفة نتائج خطيرة، منها التضليل ونشر المفاهيم الخاطئة، ؟وتشويه صورة الدين، وإظهاره على أنه دين عنف وإكراه، لا دين رحمة وحوار، وخلق النزعات ومنع التقارب بين المسلمين، مما يشتتهم ويضعف قوتهم، ويعيق تقدمهم الروحي والعلمي والحضاري''. وفي مواجهة ذلك، فإن هناك جملة من المتطلّبات التي ينبغي القيام بها بحسب حسين، إذ يتطلّب القيام بجهد علمي من جانب الفقهاء والمفكّرين لنقد الفكر المتطرّف وتصحيح مفاهيمه، والعمل على تصفية النفوس، وتعميق الروابط الأخويّة بين المسلمين.
إضافة إلى ذلك، فإنّ تصدّي الفقهاء المذهبيين للفتوى ساعد على إنماء الموجات المتطرفة، والانتصار الطائفي على حساب نصرة الدّين. ويسجّل عبد الوهاب حسين تقصير العلماء والمفكرين المعتدلين في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم ''في نشر الوعي والتنوير وتعزيز الصحوة الإسلامية وبناء الآراء والمواقف المشتركة والنهي عن الفرقة والأحقاد''، مطالباً بتعليم ''الدارسين في الحوزات والمراكز العلمية فقه الوحدة وآداب الاختلاف، وتربيتهم على الشجاعة في الرد العلمي والتصدي للتيارات التكفيرية والاتجاهات المغالية التي تتعارض مع الكتاب والسنة''.

من أجل ترشيد الانتماء المذهبي
تمثّل الطائفيّة الوجه الشائع لانتكاسة العلاقة بين المسلمين، وانفلات الرابط الدّيني المشترك بينهم لحساب التنوّع المذهبي. يؤدي هذا الانفلات إلى تضخيم الفرع المذهبي وتحويله إلى عنصرٍ مركزي في الفهم والمقاربة والعيش، وعندها يتكوّن ذلك الانتماء الطائفي، أي الطابع السّلبي في العلاقة مع المذهب. ومن المحال، تالياً، العمل على الوحدة بين المسلمين ما لم يُبذل الجهد الفكري والعملي الكبير لأجل إعادة رسْم الصّورة الصّحيحة في التعامل مع الانتماء المذهبي، وفي النظرة إلى انتماءات الآخرين. وهذه المسألة تحتاج إلى اجتهادات جريئة من العلماء والفقهاء الوحدويين، وقد بذل ثلّة منهم قدراً معتبراً في هذا السّياق، إلا أنّ انتشارها بين عموم الفقهاء، ورسوخها في أوساط النّاس، يحتاج إلى المزيد من التضامن والإصرار والوقت.
القواسم الفكرية والشرعية والواقعية المشتركة بين المسلمين هي كبيرة جدّاً، وسوف يتم ترشيد الانتماء المذهبي عندما تُصبح هناك معرفة واضحة بتلك القواسم، وهذه مهمة ملقاة على عاتق منتجي الخطاب الدّيني الجماهيري، في منابر الجمعة والمواسم الدّينيّة المختلفة، فحين يتلقّى المسلمون يومياً خطابات دينيّة متقاربة تعكس الموضوعات والاهتمامات والمشكلات الواحدة، فإنهم سيتخطّون تدريجيّاً السّياج المذهبي ''بمؤدّاه الطائفي''، ويبدؤون بإظهار العنوان الإسلامي بوصفه الجامع المشترك بينهم. وبالنسبة للاختلافات الفعليّة، وتحديداً في المسائل العقيديّة والفقهيّة، فإنّ التدريب المطلوب حيالها هو استقبالها من باب الاجتهاد، والذي يستلزم الإيمان بتعدّد الآراء، والاستعداد لقبول الاختلاف وتحمّله بلا تهويل أو تسقيط أو تكفير. ومن ذلك، فإنّه لابد من إلغاء معيار الكفر والإيمان في شأن تقويم ومناقشة آراء المسلمين فيما بينهم، وإحلال معيار احتمال الصواب والخطأ بديلاً عنه.
وتبعاً لما سبق، فلا يُعقل الحديث عن وحدةٍ بين المسلمين إلا مع احترام متبادل لمقدّسات الآخرين، وبالتالي اجتناب الإساءة إليها بأي شكل من الأشكال. هذه اللازمة الوحدويّة لا يزال العمل عليها بطيئاً من مختلف الأطراف. ينبغي الكفّ عن طقوس اللّعن والسّب والإهانة، ولابد من إجراء مراجعة نقديّة لكلّ النصوص التي تؤسّس لتلك الطقوس، والبدء في تحريك هذا المبحث داخل الغرف العلميّة والمدارس الدّينيّة الخاصة، ضماناً لتكريس هذا التوجّه فيما بين العلماء أنفسهم، وتجسيده في أبحاثهم ومناقشاتهم العالية، مع ضرورة العمل الموازي على الموروث الشعبي الزّاخر بالعلامات والعبارات النافرة والمسيئة إلى الآخر. وكلّ هذه الخطوات تُصبح عامرة بالنجاح فيما لو أرفقت بجهدين اثنين، الأوّل ترسيخ مبدأ حرية اختيار المذهب، استناداً إلى أنّ المذاهب كلّها تمثّل طروحات اجتهاديّة موصّلة بلا استثناء إلى القبول الإلهي، والمبدأ الثاني هو حرمة ترويج المذهب بين أتباع مذهب آخر، واعتبار ذلك مظهراً من مظاهر إجبار الغير على اعتناق المذهب والتخلّي عن مذهبه، من غير أن يعني ذلك الامتناع عن توضيح الرأي المذهبي وإبرازه ودعمه، ولكن من غير السّعي لنشره والتبشير به.

صحيفة الوقت البحرينية
1488 الجمعة 3 ربيع الثاني 1431 هـ - 19 مارس 2010



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: