» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



01/07/2010م - 9:11 ص | عدد القراء: 3200


عوامل نهضة الأمة الإسلامية والسبيل إلى الإصلاح الحضاري
السبل الكفيلة بتحقيق مستقبل واعد للأمة الإسلامية

الموضوع : ورقة مقدمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين .
المناسبة : المؤتمر الرابع لمنتدى الوحدة الإسلامية .
تحت عنوان : ( مستقبل الأمة الإسلامية : الآمال والعقبات ) .
المكان : دار الأبرار / لندن / المملكة المتحدة .
التاريخ : 6 ـ 7 / رجب / 1431 هج .
الموافق : 18 ـ 19 / يونيو ـ حزيران / 2010 م .

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين الأخيار

تعيش الأمة الإسلامية في حالة ضعف وإنهاك، وظروفا قاسية وأزمات محكمة الإغلاق، وتراجعا في المكانة الحضارية، وفي الدور الحضاري بين شعوب العالم والأمم الحية على الأرض، وذلك في ظل إصرار أعدائها من الداخل والخارج على حصارها، وإعاقة مسيرة تقدمها، ومنعها من النهوض الحضاري، ومن حمل الرسالة السماوية إلى العالم، وسعي الأعداء لإغراقها في بحر من المؤامرات والدسائس لإطفاء جذوة الأمل فيها بالنهوض الحضاري، والحفاظ على أصالة الإسلام

وحضارته، وتبليغ الرسالة إلى العالم، قول الله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } ( التوبة : 32 ) ومع وجود هذه الصورة المتشائمة يكثر الحديث في داخل الأمة عن الأمل في تغير الحال، وتبوء الأمة الإسلامية مكانتها القيادية لأمم الأرض، وذلك في ظل ..
( 1 ) : الوعد الإلهي بأن يعم نور الإسلام وحضارته جميع أرجاء الأرض، قول الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } ( الفتح : 28 ) وقول الله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ( البقرة : 143 ) وهذه حتمية تاريخية غير قابلة للتخلف، لأن وراءها إرادة الله عز وجل، وإن كان وقوعها يأتي من خلال السنن الكونية الثابتة، وعدم الاخلال بإرادة الاختيار لدى الإنسان، ولهذا تفصيل لا يتسع له المقام .
( 2 ) : وبما تملك الأمة الإسلامية من مقومات النهضة، منها :
( أ ) : ما تمتلكه الأمة الإسلامية من خصائص تجعلها قادرة على النهوض وتجاوز العقبات والصعوبات التي تقف في طريقها نحو التقدم والارتقاء الحضاري، قول الله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ( آل عمران : 110 ) .
( ب ) : ما حبا الله تبارك وتعالى به الأمة الإسلامية من خيرات الأرض، فهي تمتلك ما يقارب الثلث من الموارد الطبيعية، وتمتلك موقع جغرافي استراتيجي وسط بين دول العالم، كما تمتلك خمس الموارد البشرية .
( ج ) : الحالة القيمية العامة لأبناء المسلمين، حيث يمتلك أبناء المسلمين المخلصين الاستعداد الروحي والنفسي التام لأداء التكليف الشرعي وتحمل مسؤولية الإصلاح في الأمة، والنهوض بمشروعها الحضاري الإنساني المنزل من السماء لهداية الإنسان في الأرض، والاستعداد لتقديم التضحيات من أجله ـ وهذا عنصر أساسي ـ وذلك في ظل الشعور بالقدرة الفعلية على التغيير وقلب المعادلات لصالح الرسالة التي تحملها الأمة واستعادة مجدها، فقد كان المسلمون قادة العالم وأساتذة نهضته الحديثة، ويزيد في الشعور بالمسؤولية تجارب البشرية المرة مع التيارات والمدارس الوضعية، مثل : الرأسمالية والاشتراكية، مما يوفر للأمة الإسلامية القدرة على الحراك بعد الجمود، والقيام بعد القعود، والصحوة بعد السبات .

السبيل إلى الإصلاح الحضاري في الأمة الإسلامية ..
تمر الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر بمرحلة انتقالية في ظل تنامي الوعي واليقظة والشعور العميق بالمسؤولية، وظهور حالة التمرد على الواقع المتخلف في العالم الإسلامي ـ لاسيما في أوساط الصفوة والطليعة من الشباب ـ وبالخصوص بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في ظل التحديات الخطيرة التي أوجدتها الحكومات الطاغوتية المستبدة، وقوى الاستكبار العالمي التي استولت على مقدرات الأمة الإسلامية وصادرت حرياتها .

وقد تولدت من حالة التمرد هذه حركات إسلامية وحركات مقاومة أصيلة تمتزج لديها الحركة والأهداف والأساليب والوسائل والأدوات بالقيم السامية والمبادئ الحضارية الراقية المستمدة من رسالة السماء ونور النبوة، وتصدت بصدق ونية خالصة لتحمل المسؤولية الأخلاقية والدينية في مواجهة الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة في العالم الإسلامي وقوى الاستكبار العالمي، والتغلب على الصعوبات التي تعترض طريق نهضة الأمة، والخروج من عنق الزجاجة الذي يحصرها إلى الفضاء الحضاري الواسع، وقيادة عملية التغيير والإصلاح، والنهوض بواقع الأمة وتحريرها من عوامل التخلف والعجز عن القيام بدورها الحضاري، لتمثل الامتداد الرسالي الخير لحركة الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) وقدمت في هذا الطريق النفس والنفيس، ولم تبخل بأي شيء مهما كان ثمينا، وصنعت قوة ضاربة في حلبة الصراع الحضاري على الساحة الدولية، ومواجهة الهيمنة الأجنبية على العالم الإسلامي، وقد شعرت قوى الاستكبار العالمي بالقلق من هذه اليقظة، حيث تشعر هذه القوى بأن مصالحهم الاستكبارية باتت مهددة بالخطر، وأن المواجهة قد أخذت شكلا حضاريا شاملا متعدد الأبعاد والوجوه، وليس مجرد نزاع على مصالح اقتصادية ونحوها، وقد رمت قوى الاستكبار العالمي بثقلها الفكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي ونحوه في ساحة الصراع بهدف حسم المعركة لصالح مشروعها .

ومن أبرز نماذج الحركات الإسلامية المعاصرة: الجمهورية الإسلامية في إيران، والمقاومة الإسلامية في لبنان، وحركة الإخوان المسلمين في العالم الإسلامي، وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وغيرهم. ومع التأكيد على أهمية الدور الذي تلعبه الحركات الإسلامية الأصيلة في الصراع الحضاري ضد الحكومات الدكتاتورية المستبدة وقوى الاستكبار العالمي، وقلق الأخيرة الشديد من الدور الحضاري المرموق للحركات الإسلامية، إلا أن قوى الاستكبار العالمي لم تقلق من تحرك إسلامي أو غير إسلامي كقلقها من قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، ولم تتشدد في مواجهة أي تحرك كتشددها في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران . وقد أصبحت الجمهورية الإسلامية في إيران محور الصراع في المنطقة، وأحد أهم محاور الصراع في العالم، والسبب ..
• أنها المتصدي الأكبر لحمل المشروح الحضاري الشامل للأمة الإسلامية .
• وقدرتها على قيادة المشروع بكفاءة إدارية وحضارية مرموقة .
• وما تملكه من إرادة جدية، وإمكانيات مادية وبشرية ومعنوية محترمة للغاية، حيث وظفتها جميعا لخدمة المشروع الحضاري للأمة الإسلامية .

وقد أصبح الصراع بين الطرفين : ( الجمهورية الإسلامية والحركات الإسلامية من جهة، وقوى الاستكبار العالمي من جهة ثانية ) صراعا حضاريا مصيريا، فنتائجه سوف تقرر لمن تكون الكلمة الفصل في ساحة الصراع الحضاري، وكل المسلمين معنيين بنتائج هذا الصراع، ويتحملون مسؤوليته الشرعية أمام الله عز وجل، ومسؤوليته التاريخية أمام الناس، والعاقبة قطعا للمتقين .

فالحركة الإسلامية التي تجسد معاني العزة والكرامة والشرف والقيم الإسلامية السامية في سلوكها اليومي على طريق البناء والارتقاء الحضاري الشامل : ( الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ) للأمة الإسلامية، وتعكسها في صراعها الحضاري ضد الاستبداد والتخلف وقوى الاستكبار العالمي، هي ـ بعد الله عز وجل ـ حبل النجاة للأمة الإسلامية للخروج من الواقع المرعب والظلام الذي تكاد أن تغرق فيه، وقد أخذت الأمة الإسلامية فعلا ـ بفضل الحركات الإسلامية الواعية بعد الله عز وجل ـ تشق طريقها نحو المستقبل الواعد، وبناء حضارة إنسانية على ضوء هدي السماء ونور النبوة، وبدت خيوط الفجر في البزوغ بعد الرعب والظلام الطويل الذي امتد لقرون من الزمن .

وفي سبيل المساهمة الفكرية في ترشيد هذه الحركة وتبصيرها ووضعها ضمن مسارات محددة تضمن لها تحقيق أهدافها في التنمية الحضارية الشاملة، سوف أسلط الضوء على أهم العوامل المطلوبة في الطريق إلى النهضة وتحقيق الإصلاح الحضاري، لتتحقق للأمة الإسلامية طموحاتها في التحضر والتقدم والازدهار، وتؤدي دورها الحضاري في هداية البشرية إلى سعادتها وخير الدنيا والآخرة، والعوامل هي :

( 1 ) فتح باب الاجتهاد : يعتبر الاجتهاد الحقيقي الصحيح الجامع للشروط في الشريعة الإسلامية، من القوى المحركة الأساسية والمحفزة للمسيرة الحضارية للأمة الإسلامية، بما يضخه من مفاهيم وأحكام جديدة تستوعب المستجدات على ساحة العمل، وحلول مناسبة لقضايا الإنسان ومشاكل الحياة، وبدون فتح باب الاجتهاد ..
• يسيطر الجمود والتخلف على حياة الناس، ويتكون فاصل بين الإسلام كدين وبين الواقع، وتضيع روح الإسلام وحركيته، وتشوه حقيقته الناصعة .
• وتبقى المشاكل والمستجدات التي تظهر في حياة الناس بدون حلول حقيقية ناجعة، مما يعرض المسلمين للضيق والحرج في حياتهم .
• ويفسح المجال لغير المؤهلين للإفتاء في مسائل الدين بآرائهم، وتعريف الناس بالإسلام على غير حقيقته، فيفرغ الإسلام بذلك من محتواه الحقيقي، ولا يبقى منه إلا الاسم والقشور، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " سيأتي على أمتي زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود " ( البحار . ج2 . ص109 . الحديث : 14 ) .

ويكون الإسلام في هذه الحالة عرضة إلى السخرية والاستهزاء والاستنكار من العقلاء والجهلة على حد سواء، لأن قيمة الإسلام الحنيف لا تكون إلا بحقيقته الفعلية الناصعة ومعناه الحقيقي الواضح، فإذا ضاع لب الدين وضاعت حقيقته، فإن الصورة المشوهة للدين تكون مثيرة للسخرية بالضرورة ـ كما حدث للمسيحية في العصور الوسطى ـ فلا بد من فتح باب الاجتهاد كما فتحه الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حقيقة وواقعا، وإيجاد فقهاء تثق الأمة في تقواهم وعلمهم وأمانتهم، ولهم القدرة على تغطية المستجدات وتقديم الحلول المناسبة الناجعة للمشكلات التي تظهر في حياة الإنسان وفق هدي الشريعة الإسلامية الواقعية والشاملة لجميع قضايا الإنسان، قول الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ( التوبة : 122 ) .

فالتفقه يعني ..
• الفهم الصحيح والعميق للدين .
• وقوة التشخيص للواقع وقضايا الإنسان والحوادث وفرزها فرزا منهجيا لمنع الالتباس في الحكم عليها .
• والقدرة على التطبيق الدقيق للفهم العميق للدين على القضايا والحوادث الخارجية، وتقديم أنجع الحلول وأنسبها للمشاكل التي تظهر في حياة الإنسان، على ضوء الثوابت الأساسية في الشريعة المقدسة .

وقد فهم الفقهاء من الآية الشريفة المباركة أن الاجتهاد واجب كفائي، وأن باب الاجتهاد يجب أن يبقى مفتوحا، فإذا نفر البعض وأصبحوا فقهاء جامعين لشروط الإفتاء سقط الوجوب عن الباقين، وإذا أهمل المسلمون جميعا هذا الواجب فلم يتوفر الفقهاء الذين تتوفر فيهم الشروط كان الجميع آثمين . والعدد الواجب توفره من المجتهدين يتحدد وفقا للحاجة الواقعية المطلوبة في الأمة ( الفتاوى الواضحة . ج1 . ص 29 ) .

( 2 ) القيادة الموحدة : قال الإمام علي ( عليه السلام ) : " مكان القيّم من الأمر مكان النظام من الخرز، يجمعه ويضمه، فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا " ( شرح النهج لابن أبي الحديد . ج9 . ص95 ) حيث أن القيادة تقوم بدور ..
• الربط بين جميع المكونات وتنظم أدوارها .
• السعى لتوفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لتنفيذ الخطط والبرامج العملية .
• تحريك الواقع وإدارته في اتجاه تحقيق الأهداف .
وبدون القيادة ينفرط عقد الجماعة، وتفشل الأمة في تحقيق أهدافها، فلابد للمسلمين من الالتفاف حول قيادة مؤهلة واحدة من أجل ..
• توحيد صفوف الأمة .
• وتوحيد رؤيتها النهضوية .
• ووضع الخطط والبرامج العملية للتحرر والنهضة .
• وضمان سلامة تطبيق الخطط والبرامج ودقته .
وهذه يتطلب من القيادة ..
• سلامة الرؤى وقابليتها للتطبيق .
• وامتلاك الخبرة العملية والتجربة الناضجة لوضع الخطط والبرامج العملية الفاعلة وتطبيقها بدقة .
• وتوفر الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة للتنفيذ .

ومن المشاكل التي يعيشها المسلمون في مسألة العمل الإسلامي ..
( أ ) : التحرك بالمطلق ( العموميات ) وغياب التفاصيل في التخطيط للنهوض، وهذا يدل على عدم وضوح الرؤية لدى العاملين، في الوقت الذي يعتبر وضع التفاصيل مسألة ضرورية للغاية، فبدونها لا يمكن أن تتحقق النهضة، وليس المراد بالتفاصيل الجزئيات الصغيرة، فوضع الجزيئات الصغيرة في البرامج العامة خارج عن الوسع والطاقة، ولكن وضع العناصر الأساسية في هيكلية متكاملة واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ ( خارطة طريق مكتملة العناصر ) ووضعها يحتاج إلى الوضوح في الرؤية، والخبرة العملية العميقة، وتنفيذها يحتاج إلى الإرادة والتصميم، إلى جانب توفر الإمكانيات المادية والبشرية والمعنوية .
( ب ) : عدم رشد الكثير من القيادات الإسلامية في إدارة الاختلاف في الرأي، وقد يصل الأمر إلى درجة الحمق والسفاهة، وهذا ملاحظ في الكثير من ساحات العمل الإسلامي، مما يؤدي إلى ظهور انقسامات متتالية في صفوف المؤمنين، وخلق مشاكل جديدة وأوضاع مأساوية في أوساط الأمة، وتفويت الفرص وضياعها، وهدر الطاقات، وتوظيف الجهود في الهدم والمواجهات البينية بدلا من البناء وتوحيد الصفوف، والنتيجة، هي : المزيد من الضعف والتخلف والفشل .
( ج ) : ضعف القدرة التنفيذية، بسبب ضعف الإمكانيات، وضعف الإرادة وعدم الاستعداد لبذل التضحيات المطلوبة، وكثرة التنظير والكلام في العموميات وغياب الخطط والبرامج العملية .

وأرى بأن الطريق إلى القيادة الموحدة في الوقت الحاضر يكون بالالتفاف حول قيادة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي ( أيده الله تعالى ) بوصفه ولي أمر المسلمين، فهو ..
• يمتلك جميع المقومات القيادية : الفكرية والروحية والفقهية والسياسية والإدارية، التي تؤهله للقيام بهذا الدور التاريخي الرسالي المهم للغاية في الوقت الحاضر .
• ويمتلك الإمكانيات المادية والبشرية والموقع المناسب والقدرة التنفيذية اللازمة لوضع الخطط في موضع التطبيق زتنفيذها بعقلانية ودقة .
• وتمتلك الجمهورية الإسلامية التي يقود مسيرتها الإمام الخامنئي ( أيده الله تعالى ) مشروعا حضاريا إسلاميا متكاملا تصارع العالم ألاستكباري من أجل تنفيذه .
وأقول : أن هذه فكرة أطرحها للنقاش، حيث يمكن أن نناقش في صحتها وواقعيتها وإمكان تطبيقها وهل هي الأفضل أم توجد أفكار أفضل منها ونحوه، وهي لا تتعارض في الحقيقة مع تعدد الكيانات السياسية والمذاهب الإسلامية، ويمكن مناقشة تشكيل مجلس قيادي مشترك يعمل تحت مظلته الشريفة، ويضم شخصيات من مختلف المناطق والمذاهب .

( 3 ) وضوح الرؤية والمنهج : لا يمكن شق الطريق بسلام إلى النهضة وتحقيق النجاح المطلوب بدون ..
( أ ) : وضوح الرؤية الشاملة المتكاملة للمشروع الحضاري المستمدة من معطيات العقل والشرع، والتي تضم جميع خطوط المشروع الحضاري بشكل موحد ومترابط، وتحدد الأهداف وترسم المنهج، وتمتلك القدرة على ..
• مواجهة تيارات التضليل الفكري والإعلامي، لتسير الأمة على ضوء الرؤية مطمئنة في نفسها، واثقة من ربها ومن رسالتها العالمية ومشروعها الحضاري المرموق .
• تحرير الإنسان من هوى النفس والشهوات والدوافع الدنيئة ـ وهي نقطة انطلاق قطار التخلف والسقوط الحضاري ـ وتكرس القيم الحضارية السامية التي جاء بها الإسلام الحنيف وأكد عليها العقل .
• تفجير الطاقات والمواهب وتحريك الإرادة والعزم، وتطوير الكفاءات والقدرات المادية والمعنوية، والارتقاء بالإنسان إلى مستوى التحديات والمنازلة الحضارية للخصوم والأعداء، وقيادة عملية النهضة على ضوء هدى السماء ونور النبوة من أجل قيام الحضارة الإسلامية الراسخة في قواعدها، الشامخة في علو مبانيها .
( ب ) : وضوح المنهج العملي المنبثق من الرؤية ..
• ويكون منهجا واقعيا حكيما ينبض بالذكاء والأصالة الحضارية والحيوية والتطور .
• وقادرا على المبادرة واستيعاب الجديد في التعاطي مع قضايا الإنسان : الفردية والمجتمعية .
• ويمتلك الجرأة على رسم السياسة الواقعية الواعية لأهداف المشروع الحضاري، واتخاذ المواقف المناسبة لحل المشكلات ومعالجة الملفات العالقة ـ وطنيا وقوميا ودوليا ـ ومواكبة طموحات الأمة في التحرر والبناء .
• وقادرا على ابتكار الأساليب والوسائل والأدوات الحضارية الفاعلة من أجل تحقيق أهداف الأمة وتطلعاتها في المشروع الحضاري .

على أن يضمن المنهج استيعاب المتغيرات وتأثيراتها السلبية والإيجابية على مسيرة المشروع، وإظهار المرونة العملية ( التكتيك ) في التعاطي معها ورسم المواقف المناسبة إزاء الأحداث، بحيث تستجيب للمتطلبات المستجدة، وتمسك بخيوط التحول، بدون الخروج على الثوابت، فظروف العالم متغيرة، ولكل ظرف متطلباته الخاصة، ولا يمكن مواجهة المتغيرات بالأفكار الجامدة .

وقد تميز الإسلام الحنيف بالربط بين الثوابت في الدين، وبين الأحكام الفرعية التفصيلية للوقائع المتغيرة بتغير الزمان والمكان والظروف، وجعل حكم المتغيرات تابع إلى الأحكام المجملة الثابتة في الشريعة الإسلامية، والفقيه هو الذي يدرك العلاقة بين الاثنين، ويقوم باستنباط الاحكام الفرعية للوقائع المتغيرة من الأحكام الكلية الثابتة على ضوء قواعد علمية محددة وواضحة، قول الإمام المهدي ( عليه السلام ) " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجي عليكم، وأنا حجة الله عليهم " ( كمال الدين وتمام النعمة . الباب : 45 . ص440 . الحديث : 4 ) .

والخلاصة : الاجتهاد مفخرة الإسلام الحنيف، وأحد أهم معاجزه العلمية الخالدة، والطريق إلى الوعي والبصيرة، ويمثل القوة الحركية لديمومة الإسلام واستمراره، وقضية المنهج تفرض علينا التمييز بين ..
• قوة المشروع في نفسه .
• والقدرة على تنفيذ المشروع .
والمطلوب : توفير القدرة على تنفيذ المشروع بالإضافة إلى قوة المشروع في نفسه .

ولقد كان وضوح الرؤية والمنهج، وامتلاك القدرة التنفيذية من خلال الاجتهاد الواعي المنفتح، وإيمان الجماهير بالمشروع وامتلاكهم الاستعداد للتضحية من أجله، من أهم أسباب نجاح الإمام الخميني العظيم ( قدس سره الشريف ) في ثورته ضد نظام الشاه، وبناء النظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية في إيران .

( 4 ) ترسيخ القيم الإسلامية الأساسية : هناك مجموعة من القيم الأساسية التي لا يمكن أن تقوم الحضارات أو تدوم بدون المحافظة عليها، مثل :

( أ ) الحرية : فقد خلق الإنسان حرا، قول الإمام علي ( عليه السلام ) : " أيها الناس !! إن آدم لم يولد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار " ( نهج السعادة . ج1 . ص198 ) والحرية ألصق بإنسانية الإنسان من الطعام والشراب وغيرهما من الحاجات المادية، وأكثر أهمية للإنسان منها، فالحرية هي الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى الحياة الكريمة، حيث توفر له الحصانة ضد مختلف أنواع القيود والضغوط غير المشروعة، وتسمح للطاقات والمواهب الخلاقة لديه بالانطلاق إلى ميادين العمل في الفضاء الرحب الذي يستوعب حركته الإبداعية الشاملة . وتعتبر الحرية الأساس لبناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، وبناء المجتمع الصالح، والسبيل إلى أداء الإنسان لوظيفته في الحياة وتمكنه منها، وتحمله لمسؤولية الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، وبدون الحرية يعجز الإنسان عن تحقيق أبسط غاياته في الحياة . وتعتبر الحرية من العوامل الأساسية في قيام الحضارات ودوامها، حيث أنها تخلق الأجواء الملائمة لتكامل الروح، وتفتح المجال أمام نمو المواهب وانطلاق الطاقات وتضمن سلامة البناء والعيش الكريم للإنسان، ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تنهض وتتقدم حضاريا بدون أن تؤكد عمليا على الحرية وتتعاطى على أساسها في جميع الحقول وعلى كافة المستويات . وقد ترك الإسلام الحنيف للإنسان حرية الاعتقاد على ضوء الحجج والبراهين التي تعرض عليه، ومنع الإكراه في الدين، قول الله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } ( البقرة : 256 ) وأعطى الإنسان حق التعبير عن رأيه، وإعلان مواقفه من قضايا الشأن العام .

( ب ) العدل : وهو أساس الاستقرار والازدهار وترسيخ ثقة الأمة بنفسها والذود عن حريمها، وبه يشعر كل إنسان بكرامته ويطمئن على حقوقه وينعم بالأمان، ويتوجه للقيام بواجباته في الحياة، وهو ألصق شيء بالتقوى، قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( المائدة : 8 ) والعدل مؤشر على رقي الأمة الحضاري، فمن يضيع العدل لا يمكن أن يصنع حضارة إنسانية راقية، قال الإمام علي ( عليه السلام ) : " إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه لإقامة الحق، فلا تخالفه في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه " ( غرر الحكم ) وقال ( عليه السلام ) : " العدل أساس به قوام العالم " ( البحار . ج78 . ص83 ) .

( ج ) كرامة الإنسان : الكرامة هي الأساس الذي تقوم عليه منظومة حقوق الإنسان الطبيعية، فقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان كريما، ويريد له أن يعيش في الحياة كريما، ويبعث كريما في يوم القيامة، ولا كرامة للإنسان بدون حرية . ويعكس احترام كرامة الإنسان المستوى الحضاري للمجتمع، فالمجتمع الذي يحترم كرامة الإنسان مجتمع متحضر، والمجتمع الذي يهدر كرامة الإنسان ويتعدى على حقوقه الطبيعية في الحياة مجتمع متخلف حضاريا، ولا يمكن لمجتمع لا يحترم كرامة الإنسان أن ينهض حضاريا، فإذا أرادت الأمة الإسلامية النهوض الحضاري فعليها أن تؤكد على احترامها لكرامة الإنسان وتصونها بشكل دائم وفي جميع الأحوال . والإسلام الحنيف يكرم الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن دينه وعرقه ولون بشرته، وقد أعطى القرآن الكريم أهمية عظيمة لكرامة الإنسان، قول الله تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ( الإسراء : 70 ) وقال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما شيء أكرم على الله من ابن آدم " ( كنز العمال . ج12 . ص192 . الحديث : 34621 ) وفي حديث آخر : " الإنسان بناء الله ملعون من هدمه " فلا يجوز التعدي على حرمة الإنسان وانتهاك حقوقه، إلا إذا قام هو بما يوجب انتهاك حرمته، مثل : التعدي على حقوق الآخرين وانتهاك حرماتهم .

( د ) الاستقامة : المراد بالاستقامة العمل بروح الدين الحنيف والأخذ الجدي بحقيقته ـ وليس التمسك بالشكليات على حساب الحقائق والوقائع ـ والاستمرار في القيام بالوظائف الشرعية الخاصة، مثل الصلاة والصيام والحج والخمس والزكاة، والوظائف الشرعية العامة، مثل : الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد والتبليغ بالرسالة، والعمل الصادق بها، والسعي الجدي لتطبيقها، وهي واجبة كوجوب الصلاة والصيام والحج والخمس، فلا يكفي لتحقيق الاستقامة القيام بالوظائف الشرعية الخاصة، وإنما يجب القيام بالوظائف العامة أيضا . والاستقامة سببا للبركة في العمر والرزق والأولاد والبيئة وغيرها، قول الله تعالى : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } ( الجن : 16) وسببا للظفر والنصر والسعادة والرخاء في الدنيا، قول الله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ( محمد : 7 ) وسببا للنعيم المقيم في الآخرة . وتعتبر الاستقامة عاملا أساسيا في قيام الحضارات وبقائها، وبدون الاستقامة تتهاوى الحضارات وتسقط، ولا يمكن قيام نهضة حضارية إنسانية راقية بدونها، وهي في الحقيقة أحد المقومات الأساسية التي تمتلكها الأمة الإسلامية من أجل نهضتها، فإذا أرادت الأمة الإسلامية لنفسها النهوض الحضاري الشامل، فعليها أن تلتزم بالاستقامة الشاملة الكاملة على الدين الحق التزاما فعليا، ولا تفرط فيها قيد شعرة .

( هـ ) الشهادة : وهي تعني الحضور، حضور الإنسان بوصفه شاهدا على مسرح الحياة وما يشهده من صراع مرير بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين النور والظلام . والشهادة تختلف عن الموت العادي في الحقيقة، وإن اتفقت معه في الطبيعة ( مفارقة الروح للجسد ) فالشهادة تعبر عن حالة قيمية عالية جدا لا ينالها إلا الخواص من المؤمنين، حيث أنها تسمو بصاحبها فوق الحسابات المادية، وحساب الربح والخسارة في الدنيا، إلى عالم النور والحق والطهارة والحقائق الكبرى في الوجود بأسره، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فوق كل بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله عز وجل فليس فوقه بر " ( البحار . ج100 . ص 10 ) وهي السبيل إلى حياة العزة والكرامة والشرف، وترك الشهادة يؤدي إلى الذل والمهانة، فإذا أرادت الأمة الإسلامية النهوض الحضاري فعليها أن تعزز روح الشهادة بين أبنائها، وتكرم الشهداء، وبدون ذلك لن تستطيع النهوض أبدا .

( 5 ) التوعية بالمسؤولية المشتركة : يمثل المشروع الحضاري مسؤولية عظيمة لا يمكن أن يقوم بها مجموعة أفراد في الأمة الإسلامية، وإنما تقوم بها جميع الشرائح المجتمعية وبجميع التخصصات : علماء روحانيون، ومفكرون، وعلماء تربية، وتجار، وإعلاميون، وغيرهم . وتحمل المسؤولية طبيعة فطرية وحركة جوهرية في الإنسان السوي، وإن اختلفت درجات التفاعل تبعا لدرجات الصفاء الروحي عند الأفراد، ولهذا لم نجد إنسانا في الحياة بدون حركة وعمل، بغض النظر عن نوع العمل وقيمته، فإنه يختلف باختلاف البصيرة لدى الأفراد . ويعتبر الشعور بالمسؤولية الطريق إلى النهوض والمجد والارتقاء، والمجتمع الذي يكثر فيه الاتكاليون لا يمكن أن يصلح ويتطور، فإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تنهض حضاريا، يجب أن يرسخ الشعور بالمسؤولية لدى عامة أبنائها، وما لم يرسخ الشعور بالمسؤولية لدى عامة أبنائها لن تجد الطريق إلى النهوض الحضاري والرقي، ولن تجد لها مكانا بين شعوب العالم والأمم الحية على الأرض . ومن الحالات التي تعيق تقدم العالم الإسلامي، أن الذين يفكرون من النخبة في أوضاع العالم الإسلامي وأزمته الحضارية من المسلمين، لا دور لهم في تحمل مسؤولية الإصلاح، فأدوارهم تنتهي عند حدود التفكير، ثم يقفون على التل للتفرج على مسرح الأحداث والصراع بين مختلف الأطراف وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، وذلك بسبب ..
• الاستعلاء والخلل في منظومة القيم لديهم، فالإنسان الذي يحمل قيما إنسانية رفيعة، لا يمكن أن يتخلى عن مسؤوليته العامة في الحياة، والتخلي عن المسؤولية العامة، يؤشر بالضرورة على الخلل ألقيمي لدى الأشخاص .
• وأنهم لا يملكون الاستعداد لتقديم التضحيات التي تتطلبها المساهمة في عملية الإصلاح في ظل الأنظمة الدكتاتورية البوليسية التي لا تسمح بحرية التفكير والتعبير والعمل السياسي .
وقد يبررون تقاعسهم بحجج واهية، مثل : التقية، والحكمة، والواقعية، والتخصص، وتقاسم الأدوار، وعدم وضوح الرؤية لتحديد الموقف، أو أن الظروف تتطلب الابتعاد، ونحوها، وذلك لكي يضفوا نوعا من الشرعية على مواقفهم التعيسة المتخاذلة، ولكي تكون مواقفهم مقبولة عند البسطاء في المجتمع، وعند الذين يشترون الكلام بالابتسامة الصفراء من أمثالهم، وهذا منطق باطل متخلف يرفضه العقل والدين . وقد أدى سلوكهم المنحرف هذا إلى بروز ظاهرة التفكير الفوقي، والمناقشات النظرية العقيمة، والتفسيرات الواهية البعيدة عن الواقع، والحلول غير الواقعية للقضايا، وفقدان النخبة إلى الوزن الاجتماعي والسياسي والقدرة على التأثير، وفي الدعاء المأثور : " اللهم إني أعوذ بك من العجز " لتكون النتيجة في ظل ذلك كله مأساوية للغاية، حيث يفسح المجال أمام الظلم والباطل والفساد والتخلف الحضاري بالانتشار والرسوخ، ولتغطي بلواه جميع مساحات المجتمع وتغرقه في ظلامها الدامس، وتقضي على كل خير في المجتمع . والواقع أن أفكار هؤلاء المتقاعسين الأشقياء ـ الذين يريدون المكاسب ولا يرغبون في المتاعب ـ تولد ميتة وتدفن في قبور أنفسهم الشح، ولا قيمة عملية لها، فالقيمة الحقيقية للأفكار هي بمقدار ما تقدمه فعليا للمجتمع على طريق تطويره ورقيه الحضاري، قول الإمام علي ( عليه السلام ) : " علم بلا عمل كشجر بلا ثمر " ( غرر الحكم ) والمطلوب من أجل النهضة الحقيقية..

( أ ) : اشتراك جميع قطاعات المجتمع وشرائحه وتكامل أدوارهم في الثورة على الظلم والتخلف والفساد، وفي البناء الحضاري للمجتمع والدولة، فالعلماء والمفكرون للتوعية، والتجار للتمويل، والأكاديميون للتخطيط، وعامة الناس جنود التنفيذ، وهكذا، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ( مسلم . ج3 . ص1459 ) وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " ( حديث متوتر متفق عليه ) وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان " ( رواه مسلم والترمذي والنسائي ) والمنكر هو كل ما ينافي العقل والدين ويؤثر سلبا على الأفراد والمجتمع، فهذه النصوص وغيرها تحث جميع المسلمين على تحمل المسؤولية في الشؤون العامة والإصلاح والنهوض الحضاري بالأمة، وتحذر من مغبة التخلي عن المسؤولية، وتنذر من يتقاعس عن أداء التكليف الشرعي بالخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة .

( ب ) : جعل الفكر لصيقا بالواقع، بحيث يتحمل المفكر مسؤولية التفكير والعمل من أجل الإصلاح والنهوض الحضاري بالأمة، مما يجعله دقيقا في التشخيص، وحذرا من الوقوع في الخطأ، وإنسانا مبدئيا يشعر بالمسؤولية ويتحملها ويضحي من أجل الواجب، ويقدم المعالجات العملية للقضايا، قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } ( الصف : 2 ـ 3 ) .

( ج ) : المحافظة على الروح المعنوية العالية لدى أبناء الأمة الإسلامية في سبيل تحملهم المسؤولية الشرعية في الإصلاح والنهوض الحضاري الشامل بالأمة، وعدم الضعف والتأثر بالأجواء السلبية التي يخلقها الحكام المستبدون وقوى الاستكبار العالمي بهدف شل إرادة الأمة وإخراجها من حلبة الصراع، لكي يصفوا للحكام وقوى الاستكبار العالمي الجو في اللعب بمقدرات الأمة وهضم حقوق أبنائها .

( 6 ) التحرر من الدكتاتورية والتبعية للأجنبي : من أخطر المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي وتعطل دوره وتعيق تقدمه، هو تسلط الحكومات الدكتاتورية المستبدة على أنظمة الحكم فيه، وفرض إرادتها كأمر واقع على الشعوب بالقوة والبطش البهيمي، حيث تقمع الحريات، وتنعدم العدالة، وتسود الاضطرابات، وتمتلئ السجون بالشرفاء والأحرار، وينعدم الأمن والاستقرار، ويتعطل دور الشعوب في بناء الدولة وتقرير المصير، ويتعطل دور الدولة الفاعل على الصعيد الخارجي .

ثم تسلط قوى الاستكبار العالمي على العالم الإسلامي وسعيهم لفرض هيمنتهم وسياساتهم عليه، والسيطرة على مقدراته، وهذا يعتبر من أهم العوامل التي تمنع وتعيق انطلاق المسلمين في بناء حضارتهم على ضوء الفكر الإسلامي المستنير، ومفاهيمه الحضارية الراقية، وقيمه السماوية السامية .

والخلاصة : لا يمكن أن تتقدم الأمة الإسلامية وتتحقق نهضتها، ويتحسن دورها الحضاري في العالم، ما لم تدفع فاتورة الحساب من الشهداء والمعتقلين والمهجرين، وتنجح في التخلص من الدكتاتورية والاستبداد والسيطرة الأجنبية على دولها، وذلك ..
• لأن الحرية هي ملاك إنسانية الإنسان والأرضية لبناء الإنسان : الفردي والمجتمعي، وإفساح المجال لطاقات الإنسان بالانطلاق، وهي الباب إلى الاستقرار والتقدم والازدهار، وبدونها يعجز الإنسان عن تحقيق أبسط غاياته في الحياة .
• وأن تقدم أي شعب يتوقف على مساهمته الفعلية في صناعة القرارات في جميع شؤون الدولة ووظائفها، وأن هذا الحق لا يمكن أن تحصل عليه الشعوب تكرما من حاكم مستبد أو قوة استكبارية طاغية، فالصراع بين الشعوب من جهة، والحكومات الدكتاتورية المستبدة وقوى الاستكبار العالمي من جهة ثانية، هو صراع وجود وليس صراع مصالح فقط . ولم نجد في التجربة التاريخية الطويلة أن نظاما دكتاتوريا مستبدا قد أعطى الحرية والديمقراطية لشعبه تكرما، أو قوة استكبارية طاغية تخلت عن مصالحها الاستكبارية لشعب مستضعف من شعوب العالم طوعا، فلابد للأمة الإسلامية من المواجهة الحضارية ضد الحكومات المستبدة وقوى الاستكبار العالمي، ولن تجدي الخطب والمحاضرات نفعا ما لم يرافقها العمل والتضحيات كسبيل لتحقيق الأهداف .

( 7 ) تنمية الإنسان والتأكيد على دور الشباب : رأس مال كل مشروع حضاري هو الإنسان، ورأسمال كل إنسان مواهبه وما يمتلك من إمكانيات مادية وروحية، وفي مقدمتها العقل، وأهم عناصر الإنسان هم الشباب، فهم القوة الأكثر فاعلية في المجتمع، وهم صورة المستقبل لكل مجتمع، والمطلوب من أجل الانطلاق في النهوض وبناء الحضارة الإسلامية الراقية ..
( أ ) : غرس الإيمان والصلاح في نفوس أبناء الأمة ـ لاسيما الشباب ـ فهما ( الإيمان والصلاح ) محرك الإرادة للعمل الصالح والإنتاج النافع، والضمانة لتوجيه الطاقات والمواهب نحو عمل الخير، وسد الطريق أمام الشر والفساد .
( ب ) : والاهتمام بالتعليم وتنمية الخبرات العملية في سبيل إيجاد الأنماط المختلفة من الأفراد المبدعين، فهم عجلة التاريخ، والطليعة في بناء الحضارة، والسبيل إلى الخروج من عنق الزجاجة والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها الأمم بسلام، وانتقالها إلى مستوى حضاري أفضل .
( ج ) : والانفتاح الواعي والمسؤول على حضارات العالم القديمة والحديثة، والتعلم من تجاربها، ودراسة عوامل نهوضها وسقوطها بعمق وجدية من أجل التعلم والاستفادة منها في بناء الحضارة الإسلامية الواعدة .

ويجب أن تسير التنشئة الإيمانية والتنشئة العلمية في خطين متوازيين ..
• لأن العلم بلا إيمان يجعل حافز العمل للصالح العام ضعيفا، ويكون اهتمام الشخص بذاته ومصالحه الخاصة أكثر من اهتمامه بالصالح العام، ويسمح للعمل بالسير في اتجاه الشر والتدمير .
• والإيمان بدون علم يؤدي إلى التخبط، وقد ينتهي الأمر إلى الضرر والفساد، يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : " العلم حجاب من الآفات " ( غرر الحكم ) وقال : " اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة " ( نفس المصدر ) .
فليس المهم كثرة العمل، وإنما العمل الصالح النافع، وهو العمل المقترن بالعلم، فيجب أن يستند العمل إلى العلم لضمان صحته ونفعه وقبوله، قال الإمام علي ( عليه السلام ) : " قصم ظهري اثنان : عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه " ( البحار . ج2 . ص111 . الحديث : 25 ) .

وارغب هنا في التنبيه إلى وجوب الحذر من المعرفة المبتسرة لدى علماء الدين والخطباء والدعاة، والمراد من المعرفة المبتسرة : ( المعرفة غير الدقيقة وغير المكتملة ) حيث أننا نجد دخول الكثير من علماء الدين والخطباء والدعاة في مسائل علمية وفلسفية وكلامية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية وغيرها ولكن بدون أن يكون لديهم وضوح علمي فيها، ولا فهم متكامل لها، فيقدموها بشكل خاطيء، وهذا مما يشوه الحقيقة، ويضعف المعرفة، ويؤدي إلى الخطأ في السلوك والمواقف الدينية والمدنية المرتبطة بها، ويجعل أصحاب هذا الطرح من علماء الدين والخطباء والدعاة في موضع السخرية والاستهزاء لدى أصحاب الفن والاختصاص، مع التاكيد على أن طرح المسائل العلمية بدون وضوح وبدون دقة علمية لا ينسجم مع المنهج الإسلامي في التعليم والتربية، وقد جاء في الدعاء : " اللهم إني أعوذ بك من أن أقول في العلم بغير علم أو أعمل في الدين بغير يقين " .

( 8 ) الخطاب الذي يتطلبه المشروع النهضوي : الخطاب الإسلامي يمثل إطلالة الإسلام الحنيف على واقع الإنسان بجميع مكوناته وقضاياه وهمومه وتطلعاته، ويحتل أهمية كبيرة في ساحة الصراع الحضاري، فهو أحد أهم أسباب النجاح والفشل، وينبغي للخطاب الإسلامي لكي يلعب دوره الإيجابي في النهضة الإسلامية الحضارية ..
( أ ) : أن يتحرر من الجمود، وأن يستجيب إلى متطلبات المشروع النهضوي في محاوره ( القضايا ) ولغته، فجمود الخطاب وتخلفه يعد من أهم معوقات النهوض الحضاري ويمنع تحقيق النصر في ساحة الصراع .
( ب ) : أن يكون منسجما مع مفاهيم ورؤى المشروع الإسلامي الحضاري، وقادرا على مخاطبة عقول الناس بذهنية ولغة عصرهم الذي يعيشون فيه، بحيث يفهمون الخطاب ويتفاعلون معه، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم " ) الكافي . ج1 . ص23 . الحديث : 15 ) .
( ج ) : أن يجمع المفردات الشرعية ضمن هيكلية متكاملة تكون الصورة العامة للتشريع، وتقدم المنظومة القانونية والحلول المناسبة لقضايا الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لتعطي صورة واضحة مشرقة عن المشروع الحضاري للأمة الإسلامية، وليس مجرد مفردات مبعثرة ذات اليمين وذات الشمال، تتكلم عن الطهارة والصلاة والزكاة والزوج والجيران وغيرها بدون رابط يربطها جميعا ضمن مشروع حضاري متكامل يقدم الحلول الواقعية لمشاكل الإنسان في الحياة .
( د ) : أن يخاطب إنسانية الإنسان وفطرته، يخاطب عقل الإنسان وقلبه ووجدانه، ويعكس قيم الإسلام الحضارية الراقية في الخطاب، مثل : الحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، قول الله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( النحل : 125 ) وقول الله تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } ( الإسراء : 53 ) حتى يشعر المخاطب بأن الإسلام الحنيف يخاطب إنسانيته، ويثري وجوده، ويعلي مكانته وشانه، ويؤمن له السعادة والحياة الكريمة الطيبة في الدنيا والآخرة .
( هـ ) : الانفتاح على المستجدات الفكرية والسياسية والاجتماعية ونحوها، وأن يهتم في الأصل بمعالجة قضايا الناس الحيوية وهمومهم اليومية ومشاكلهم الحياتية المختلفة، ويعكس تطلعاتهم، ليعيش الخطاب في صفوف المجتمع ولا يكون غريبا عنه، ويدرك الناس قيمة الإسلام الحنيف كمنهج راقي وصراط مستقيم للحياة .

الخاتمة : وفي ختام هذه الورقة أتمنى لأنفسنا في هذا المؤتمر المبارك، بأن لا نستغرق كثيرا في التنظيرات، وأن يكون اهتمامنا أكثر بالبرامج والجوانب العملية، فنحن غير مختلفين في تشخيص الواقع، وغير مختلفين في التطلعات والآمال، وقد نكون غير مختلفين في ترتيب الأولويات، ولكن هناك خلل واضح لدينا في البرامج العملية والقدرة التنفيذية، وهذا ما ينبغي علينا السعي لإيجاده بالشكل المناسب .

والحمد لله رب العالمين
انتهت الورقة


ملاحظة : سوف ترفق الصور اذا حصلنا عليها من لندن