» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



09/12/2010م - 6:14 م | عدد القراء: 1854


الصدق في إحياء عاشوراء

عبد الوهاب حسين

بتاريخ : 15 / ذو الحجة / 1431هج

الموافق : 22 / نوفمبر ـ تشرين الثاني / 2010م

نشر في : مجلة سنابل الطف ( العدد : 2 )

تصدرها : جمعيعية سترة وديان الحسينية

قال الله تعالى : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ( المائدة : 119 ) .


الصدق في اللغة : ضد الكذب، وهو مطابقة الكلام الواقع بحسب اعتقاد المتكلم، فللصدق شرطان :

·        مطابقة الكلام للواقع .

·        ومطابقة الكلام لاعتقاد المتكلم، قول الله تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } ( المنافقون : 1 ) فشهادة المنافقين على نبوة الرسول الأعظم الأكرم  ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ورسالته مطابقة للواقع، ولكنها غير مطابقة لاعتقادهم، لذلك قال عنهم الله سبحانه وتعالى بأنهم كاذبون .

فإذا فقد الكلام أحد الشرطين، كأن يكون مطابقا للواقع ولم يكن مطابقا لاعتقاد المتكلم ـ كما هو حال المنافقين ـ أو كان مطابقا لاعتقاد المتكلم ولم يكن مطابقا للواقع، لم يكن تام الصدق .

والصدق في الفعل : إتيانه كما يجب، وبعزم وإرادة وتصميم، وعدم الانصراف عنه قبل إتمامه .

والصدق في النية : العزم والثبات حتى بلوغ الفعل وتمام الإنجاز .

ويقال : صدق وعده : حققه، وصدق في القتال : اشتد واستبسل فيه، وصدقه النصيحة أو المحبة : أخلص فيهما .

والصادق : من يطابق ظاهره باطنه، ويسير على الصراط المستقيم، ولا يقول إلا ما يعتقد، ويطابق عمله قوله، ويخلص لما يؤمن به، ويضحي من أجله، قول الله تعالى : { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } ( الاحزاب : 8 ) أي : مطالبتهم بأن يظهروا ما في باطنهم من الصدق من خلال القول والعمل الصالح، وهذا هو الصدق الحقيقي في الدين والإيمان .

وإذا وصف الله سبحانه وتعالى بالصدق، قول الله تعالى : { قُلْ صَدَقَ اللَّهُ } ( آل عمران : 95 ) فالمراد : أنه لا يضل عباده، ولا يخلف وعده لهم، وأنه الضامن لتطابق تصوراتنا ـ في الحالة السليمة ـ للأشياء الخارجية، ونحوه .

والصّدّيق : الكثير الصدق، والذي يصدق عمله قوله، ولا يقول إلا ما يعتقد، وهو البار الدائم التصديق إلى الحق .

ولهم قدم صدق : أي لهم سبق في الفضل ومنزلة رفيعة .

والمراد بالصدق من الصادقين في الآية الشريفة المباركة، هو صدقهم في الحياة الدنيا، أي : الذين كانوا يتحلون بالصدق حين كانوا يعيشون مؤمنين في الحياة الدنيا، ويشمل الصدق في العقيدة والقول والعمل على كافة المستويات والأصعدة وفي جميع الأمور، فهم الأبرار الذين لا يفعلون إلا ما يقولون، ولا يقولون إلا ما يعتقدون، سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أي الناس أكرم ؟ فقال : " من صدق في المواطن " ( البحار . ج71 . ص9 ) .

فالصدق وصف جامع لأمهات فضائل العلم والعمل، وهو خلق يصاحب جميع الأخلاق الحسنة، مثل : العفة والشجاعة والحكمة والعدالة، والصادقون في الدنيا سوف ينفعهم صدقهم في الآخرة، ويكون سببا لنجاتهم، فيكونون راضين ..

·        بما قدموا من الصدق في العقيدة والقول والسلوك والمواقف، وبما صبروا وضحوا وتحملوا من المسؤوليات وعملوا من الصالحات .

·        وبما يعطيهم الله تبارك وتعالى من الجزاء والثواب .

ويكون الله جل جلاله راضيا عنهم، ورضوان الله تبارك وتعالى عنهم هو أكبر نعمة وأكبر فضل عليهم، وهذا الرضوان هو دليل على صلاح أنفسهم وكمالها، وليس فقط صلاح أعمالهم، فقد يصدر العمل الصالح ظاهرا عن نفس غير صالحة، وقد يصدر عمل غير صالح عن نفس صالحة إجمالا، فليس كل الصالحين معصومين عن الخطأ والمعصية، ورضوان الله ذي الجلال والإكرام عن الإنسان، هو غاية السعادة والفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه، وهو دليل على ..

·        قيمة الصدق ودوره في صلاح الإنسان، والدخول إلى أعمال الخير والفلاح، وتحقيق غاية وجود الإنسان، قول الله تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ( البقرة : 177 ) .

·        وعظمة مقام الصادقين .

·        وأن المقام المعنوي للإنسان عند الله تبارك وتعالى يدور مدار الصدق .

ومن صفات الصادقين : أن لا يعتقدوا ولا يقولوا إلا الحق، ولا يُغضبوا الله عز وجل بمعصية في قول أو فعل، ويصبروا على البلاء في جنب الله ذي الجلال والإكرام، فلا يتخلوا عن قول كلمة الحق، ولا يبخسوا أحدا من الناس شيئا من حقوقه المادية أو المعنوية، ولا يركنوا إلى الظالمين، ولا يتخلوا عن نصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض، وإن قرضوا بالمقاريض، ونشروا بالمناشير، فغايتهم هي معرفة الله ذي الجلال والإكرام، والوصول إليه، والدخول إلى حرمه الآمن، وإلى ساحة قدسه الطاهرة، والفوز بجنته ورضوانه والزلفى لديه تبارك وتعالى، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي " وقول الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين " وهم مطهرون من الصفات الذميمة، مثل : الأنانية والغرور والتكبر، وحب الدنيا، والبخل، والجبن عن مقارعة الظالمين والمستكبرين، ونحوها .

ويعتبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) والخيرة من أهل بيته وأصحابه المستشهدين بين يديه في كربلاء من أفضل النماذج وأكملها للصادقين، ونحن بحمد الله تبارك وتعالى نحيي ذكرى عاشوراء كل عام، والإحياء الواعي يدل على العلم بعظم منزلة صاحب الذكرى، وفضيلته العلمية والروحية والجهادية، وفضله العميم والمتميز على المجتمع والإنسانية، ودوره في النهضة والإصلاح، ويأتي الإحياء بهدف الاتباع لمنهج صاحب الذكرى، والاقتداء الصادق بسلوكه ومواقفه التضحوية العظيمة في الحياة، ولا قيمة للإحياء، ولا منفعة روحية ترتجى منه ـ كأي عمل يقوم به الإنسان ـ بدون الصدق فيه، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " الصدق رأس الدين " وقوله ( عليه السلام ) : " الصدق صلاح كل شيء " ( غرر الحكم ) .

والصدق في إحياء عاشوراء يتطلب أمور عديدة، منها :

·        إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في عملية الإحياء .

·        الحرص على تجلي القيم الروحية والحضارية في مراسيم الإحياء .

·        الالتزام بالأحكام الشرعية في مراسيم الإحياء وتطهيرها من جميع المخالفات الشرعية .

·        الالتزام بخط الولاية والبراءة من الطواغيت، قول الله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( البقرة : 256 ) .

·        التخلق بأخلاق الإمام الحسين ( عليه السلام ) وبأخلاق أصحابه الأوفياء المخلصين، والاقتداء بهم في السلوك والمواقف السامية والتضحوية العظيمة، الهادفة إلى إصلاح المجتمع وسعادة الإنسانية وخيرها .

·        الالتزام بالعدل، ونبذ الظلم، ومقاومة الظالمين، وعدم الركون إليهم .

·        نصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض .

·        الالتزام بالوحدة ونبذ الفرقة والتنازع .

·        تجنب الأعمال الضارة بسمعة الدين، وبمصالح العباد .

ولنعلم بأن البكاء والنحيب واللطم لا يعني صدق الإيمان وصدق المحبة وصدق الإحياء ما لم يقترن ذلك بالعمل الذي يعكس صدق الاتباع للخط والمنهج، والاقتداء بالإمام الحسين ( عليه السلام ) وبأصحابه الأوفياء المخلصين في السلوك والمواقف والبذل السخي في سبيل الله تبارك وتعالى، وفي سبيل مقاومة الباطل والظلم والرذيلة، وإقامة المجتمع الصالح، فقد بكى الكثير من الناس على الإمام الحسين ( عليهم السلام ) في حياته، ولكنهم خذلوه ولم ينصروه وأسلموه إلى أعدائه، حتى قتلوه غريبا عطشانا مع قلة من خيرة أهل بيته وأصحابه .

وينبغي التنبيه إلى ظاهرة خذلان الأمة الإسلامية إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعدم مناصرتها له في مواجهته لظلم يزيد بن معاوية وانحرافه، فكان أن قُتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع عدد قليل من خيرة أهل بيته وأصحابه الأوفياء المخلصين في كربلاء وسُبيت نساؤه وحرمه . وقد حدث ذلك في ظل ما يتمتع به الإمام الحسين ( عليه السلام ) من القداسة والسمعة الطيبة بين المسلمين، واليقين بعدالة القضية التي يحملها، وما يمتلك من الشرعية الدينية الكاملة، ووضوح الرؤية في التحرك، مما يثبت بأن السمعة الطيبة، وعدالة القضية، ووضوح الرؤية في التحرك، وتوفر الشرعية الكاملة، لا يكفي لدى بعض الناس لكي يستجيبوا لنداء النصرة من المجاهدين الشرفاء والوقوف إلى صفهم في سبيل النهضة والإصلاح وتحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم والازدهار في المجتمع ورخاء المواطنين وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فقد تخذل الأمة المجاهدين الشرفاء وإن كانوا يتمتعون بمثل ما كان يتمتع به الإمام الحسين ( عليه السلام ) من القداسة وحسن السمعة، ومن الشرعية الدينية الكاملة، ومن وضوح الرؤية، وعدالة القضية، وذلك في الحقيقة بسبب غلبة الحس على الإيمان بالغيب، وبسبب الحرص والخوف على الدنيا وزخارفها، وعدم الرغبة في البذل والتضحية، وإن زين لهم الشيطان ذلك وبرره بزخرف القول غرورا، وهو بخلاف الصدق في العقيدة والإيمان، وبخلاف حسن الاقتداء بالأولياء الصالحين، وبخلاف ما تمليه الفطرة السليمة على الإنسان من تحمل المسؤولية ووجهتها .

وأن الذكرى المتجددة لعاشوراء الإمام الحسين ( عليه السلام ) لتحمل الحجة المتجددة لله عز وجل على كل من ييأس من الإصلاح، ويقبل بالأمر الواقع المنحرف والظالم، ويترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويركن إلى الظالمين والمستكبرين والطوغيت، ويخذل المجاهدين الشرفاء ويتقاعس عن نصرتهم .

وينبغي التنبيه أيضا : أن الأمر في تبرير الخذلان والتقاعس عن نصرة المجاهدين الشرفاء المقارعين للظالمين والمستكبرين لدى مرضى القلوب والنفوس قد يصل إلى درجة إصدار الفتاوى الشرعية التي تقلب الموقف من وجوب مناصرة المجاهدين الشرفاء إلى وجوب محاربتهم والوقوف ضدهم، وهو الأخطر والأقبح عقلا وشرعا، وهو لا يأتي إلا من الزعماء الدينيين الكبار، كما فعل شريح القاضي، وهو كبير القضاة، حينما أفتى بجواز قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأنه خرج على إمام زمانه يزيد بن معاوية . فيجب على المؤمنين ..

·        الحذر الشديد من الركون إلى الظالمين .

·        ومن خذلان المجاهدين الشرفاء .

·        ومن تبرير أي شيء من ذلك بالدين، فإن تبرير أي شيء من ذلك بالدين، هو أقبح من الشيء نفسه، وأسوء منه عاقبة .

وتبارك الله ذي الجلال والإكرام