» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



21/12/2010م - 11:09 ص | عدد القراء: 1809


لقاء الثلاثاء ( 71 )

مساء الاثنين ـ ليلة الثلاثاء

بتاريخ : 14 / محرم / 1432هج

20 / ديسمبر ـ كانون الأول / 2010م

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين

العناوين الرئيسية في التغطية ..

· حقيقة إحياء عاشوراء .

· الشفافية بين القيادة والجماهير .


·        تجلي إفلاس السلطة في ذكرى العيد الوطني .

·        الدلالات السياسية للاعتداء على سواد عاشوراء .

·        مسألة المعتقلين ومأزق السلطة .

·        مسائل متفرقة .

حقيقة إحياء عاشوراء ..

بدأ الأستاذ عبد الوهاب حسين حديثه الفكري في مجلسه لهذا الأسبوع حول حقيقة إحياء عاشوراء، وقال : كان ينبغي أن يكون هذا الحديث قبيل أيام عاشوراء، ولم نوفق إلى ذلك، إلا أن وقته لم يفت تماما، فما تزال فرصة الاستفادة من الحديث باقية، وسوف أضع فيه بعض حصيلتي من الموسم، وأسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعا التوفيق والتسديد والعون .

وقال : في الإحياء الصادق لعاشوراء الإمام الحسين ( عليه السلام ) ..

·        استحضار للإسلام المحمدي الأصيل في الفكر والوجدان والسلوك والمواقف والعلاقات مع الغير من الصالحين والطالحين، فلا تميل العلاقات مع الغير عن معايير الدين الحنيف بسبب المحاباة الناتجة عن التوافقات في الرأي والمواقف، ولا بسبب الاختلافات في الرأي والخصومات السياسية ولا غيرها، فكثيرا ما تخرج الخصومات السياسية بعض الناس من الحق إلى الباطل، ومن العدل إلى الظلم .

·        وعزم أكيد على الالتزام به ( أي الإسلام المحمدي الأصيل ) والامتثال له .

وذلك لما يمثله الإمام الحسين ( عليه السلام ) من أصالة جذرية في الدين لا تغيب ولا تخبو، ومن التزام عملي تام بالدين من الظاهر إلى أعماق الباطن، ومن أبسط الأعمال وأقلها كلفة إلى أشق الأعمال وأعظمها كلفة، فهو التجسيد الكامل التام الحي للدين الحنيف ليكون هو الدين في فهمه وتطبيقه والعمل به، وليكون كما قالت أم المؤمنين عائشة في الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كان خلقه القرآن " وهو المعنى الذي يؤيده حديث الثقلين، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي، ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( فرائد السمطين . ج 2 . الباب : 33 ) فالقرآن والعترة ـ ومنهم الإمام الحسين عليه السلام ـ لا يفترقا في علم ولا عمل ولا خلق، أي : أن علم العترة وعملهم وخُلقهم متطابق تمام التطابق مع القرآن الكريم في أبهى وأتم وأكمل صور التطابق، فلا يغادرون منه شيئا، وهم الدالون على ظاهر القرآن وباطنه ومحكمه ومتشابهه، وهم القدوة الحسنة الأتم والأكمل في فهم القرآن وتطبيقه والعمل به في جميع شؤون الحياة على المستويين الفردي والمجتمعي من الأسرة إلى الدولة .

وقال : في الإحياء الصادق لعاشوراء الإمام الحسين ( عليه السلام ) استحضار لأمور عديدة لدى المحيين، منها :

( أ ) : كمال الصدق والاخلاص في النية لله ذي الجلال والإكرام، فليس هناك من هم أكثر صدقا وإخلاصا في النية من الإمام الحسين ( عليه السلام ) والخيرة من أهل بيته وأصحابه المستشهدين بين يديه، بل الصدق والإخلاص هما أكثر ما يتجلى في أبهى الصور وأجلها وأتمها وأكملها في عاشوراء .

( ب ) : وكمال البر والإحسان، قول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فوق ذي كل بِرّ بِرّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه بِرّ" ( البحار . ج97 . ص10 ) هذا عن البر، وأما عن الاحسان فهو الدرجة التي تقف فوق سقف الواجب الشرعي في الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى ونهيه، على غرار قول الله تبارك وتعالى بشأن صيام كبار السن : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ( البقرة : 184 ) وقد تجلى الإحسان في أبهى وأكمل صوره وأجلها في إصرار أصحاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الاستشهاد معه بعدما أعطاهم الرخصة للإنصراف عنه، فقد سقط الواجب عنهم بمجرد حصول الرخصة لهم من الإمام الحسين ( عليه السلام ) بالانصراف، ولكنهم لم يقفوا عند حدود الواجب، بل تعدوه ارتقاءً إلى درجة الإحسان، قول الله تعالى : { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ( آل عمران : 146 ـ 148 ) ولاشك أن درجة الإحسان في الصيام، ليست كدرجة الاحسان في الجهاد، وفي جميع الأحوال : فالإحسان حالة إنسانية وروحية متقدمة جدا، وهي على النقيض تماما من حالة التبرير السخيفة، التي هي حالة مرَضِية نفسيا وروحيا، حيث يبحث الشخص عن التبريرات والأعذار الواهية للهروب من الفضائل والواجبات الشرعية، ليدس رأسه في التراب كالنعامة خوفا أو ليغرق نفسه كالخنزير في جب حب الدنيا ومشتهيات النفس طمعا، ومن أقبح التبريرات وأسخفها تلك التي يأتي بها المسلم من أجل الركون إلى الطواغيت والظالمين والمستكبرين ومسايرتهم في برامجهم العملية التي يسعون من خلالها لفرض الأمر الواقع الظالم والمتخلف على المسلمين، وهي حالة مناقضة للفطرة والعقل والدين والكرامة الإنسانية .  

( ج ) : وكمال الحضور والفناء في الله ذي الجلال والإكرام والبقاء به، قول الإمام الحسين ( عليه السلام ) :

تركت الخلق طرا في هواك وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطعتني في الحب إربا لما مال الفؤاد إلى سواك

فخذ ما شئت يامولاي مني أنا القربان وجهني نداك

أتيتك ياإلهي عند وعدي منيبا علني أحظى رضاك

أنا المشتاق للقيا فخذني وهل لي منية إلا لقاك

أقدم كل ما عندي فداء ومالي رغبة إلا فداك

سلكت الكرب والأهوال دربا وجئت مليبا أخطو خطاك

وطلقت الحياة بساكنيها وعفت الأهل ملتمسا قراك

تعهدت الوفاء بكل دين ودينك يوم عاشوراء أتاك

فهدي أخوتي صرعى ضحايا وأولادي قرابين هناك

وهذا طفلي الظامي ذبيحا فهل وفيت ياربي علاك

وهذي نسوتي حسرى سبايا تحملت البلايا من عداك

يموت أحبتي وجميع قومي ويبقى الدين يرفل في هداك

وقول حبيب بن مظاهر الأسدي : سيدي أبا عبدالله : واللهِ لو أني قُتلت ثم أُحرقت ثم ذُريت في الهواء ثم نُشرت، يفعل بي هكذا سبعين مرة ما تركتك حتى أستشهد دونك فكيف وهي ميتةٌ واحدة ؟

وقال : في الإحياء استحضار للتدافع والصراع الحتمي والمستمر بين محوري : ( التوحيد والطاغوتية ) قول الله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( البقرة : 256 ) فلا يقوم الدين الحنيف وحضارة التوحيد إلا بكفر الموحدين بالطاغوتية على جميع المستويات : الفكر، والقيم، والسلوك، والمواقف، والعلاقات، والمؤسسات، وغيرها، ففي كل مستوى من هذه المستويات يوجد التوحيد وفي مقابله توجد الطاغوتية، فهناك ..

·        الفكر التوحيدي، ويقابله الفكر الطاغوتي .

·        والقيم التوحيدية، وتقابلها القيم الطاغوتية .

·        والسلوك التوحيدي، ويقابله السلوك الطاغوتي .

·        والعلاقات التوحيدية، وتقابلها العلاقات الطاغوتية .

·        والمؤسسات التوحيدية الصغيرة، مثل : المدرسة، والنادي، والبنك، والحزب، والمؤسسات الكبيرة، مثل : الدولة، والأمة، والإمبراطورية، وتقابلها المؤسسات الطاغوتية .

وقال : بدون هذا التدافع يسقط الإصلاح ويظهر الفساد ويعم الأرض ويحاصر الدين ويضيق على المؤمنين وتضيع المقدسات وتسقط الحرمات، قول الله تعالى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ( الحج : 40 ) فالإحياء لذكرى عاشوراء يعني أن المحيي يسير في ركب الموحدين السعداء، ويسعى لإقامة التوحيد والعدل على جميع المستويات : الفكر، والقيم، والسلوك، والمؤسسات، ويخوض جميع ساحات الصراع : الفكري، والسياسي، والاقتصادي، والإعلامي، والعسكري، وغيرها ـ كل وفق شروطه الثابتة في الفقه الشرعي ـ وقد جاء في زيارة الأربعين : " وقلبي لقلبكم سلم، وأمري لكم متبع، ونصرتي لكم معدة حتى يأذن الله لكم، فمعكم معكم لا مع عدوكم " .

إذن هي أمور ثلاثة ..

·        الإيمان بولايتهم ( عليهم السلام ) والبراءة من أعدائهم .

·        الاقتداء بهم والاتباع لهم فيما يأمرون به وينهون عنه .

·        نصرتهم على أعدائهم الظالمين لحقهم، والسعي لإقامة العدل والصلاح بين الناس .

فهذا ما يريده الأئمة الأطهار من أهل البيت ( عليهم السلام ) من شيعتهم، وتترجمه حقيقة الإحياء لذكرى عاشوراء .

وقال : لا قيمة لاستحضار المعاني والقيم المذكورة سابقا بدون العزم الأكيد على الالتزام بها والامتثال لها من قبل المحيين للذكرى، فالإحياء الصادق يتضمن ..

·        استحضار المعاني والقيم السامية والعظيمة السابقة الذكر ونحوها .

·        والعزم الأكيد على الالتزام بها والامتثال لها .

والإخلال بأيهما هو إخلال بحقيقة الإحياء وتضييع إلى قيمته وأهدافه وغاياته، والإحياء بهذا المعنى يمثل الامتداد الفكري والروحي والحركي لملحمة عاشوراء العظيمة والاستمرار لها، وهو مما يجعل من حركة الإصلاح على ضوء منهج السماء النير حركة مستمرة دائمة باقية، فكلما وجد ظلم وتخلف وفساد في أي مجتمع من المجتمعات، ووجد فيه الإحياء، وجدت المقاومة الصالحة والجادة، وكل من يسكت عن الظلم والتخلف والفساد، فهو لا يعرف حقيقة الإحياء، ولا يعرف قيمته وأهدافه وغاياته، وقد جاء في زيارة وارث : " فلعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به " .

وقال : من عجائب هذا الموسم أن بعض الخطباء لم يكلف نفسه حتى الدعاء للمعتقلين المظلومين في السجون، فضلا عن مناصرتهم، ويزعم بأنه يحي عاشوراء الإمام الحسين ( عليه السلام ) ويبلغ رسالتها إلى الناس، ولا شك أن للاختلاف في الرأي، والخصومات السياسية، والخوف من السلطة الجائرة تأثير قبيح في ذلك، وإنها لفتنة لو أنهم يعلمون، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وقال : للأسف الشديد هناك من يحاول سرقة الإحياء وتضييعه، ليس من قبل أعداء أهل البيت ( عليهم السلام ) فحسب، بل من قبل بعض محبيهم أيضا، ومنهم من هو محسوب على علماء الدين وخطباء المنبر الحسيني، وذلك من خلال وقف الإحياء عند حدود الرثاء واللطم والبكاء، وإبعاده عن المواقف والعلاقات وساحات الصراع مع الطواغيت والمستكبرين والظَلَمة، ويدعي البعض بأن إبعاد الإحياء عن ساحة الصراع هو الكفيل بالمحافظة عليه، بل زعم البعض بأن هذا هو الإخلاص في النية للإحياء الخالي من شوائب الرياء والسمعة وحب الدنيا، وأرى بأن هذا الطرح السيء والسخبف جدا الذي يُشوه الإحياء ويُفرغه من مضمونه العظيم هو أكبر خدمة يقدمها هؤلاء الجهلة إلى الطواغيت والحضارة الطاغوتية، وذلك ليس بسبب نقص الوعي لديهم فحسب، بل لضعف أنفسهم، وتخلفهم الروحي، قول الله تعالى : { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } ( الأنعام : 119 ) فالارتقاء إلى مستوى حقيقة الإحياء لعاشوراء الإمام الحسين ( عليه السلام ) يحتاج إلى النضج النفسي وإلى السمو في الفكر والروح والسلوك والمواقف والأفعال .

وقال : أنا قلق من انتشار ثقافة الانهزام والتخاذل والتخويف والتبرير، وأرى بأن العامل الأكثر خطورة في انتشارهذه الثقافة المريضة ليست هي الأطروحات الفكرية التي تغذيها، فإن هذه الأطروحات السقيمة ما كانت لتزرع وتكتب لها الحياة لو أنها جاءت في أجواء سليمة أو أنها جاءت ضمن معادلة متوازنة على الأرض، ولكن هو إختلال في موازين المعادلة الحاكمة على الأرض لصالح هذه الثقافة الخطيرة التي تهدد سلامة الدين والمصالح الحيوية للعباد، وهو اختلال جاء نتيجة لتأثيرات من عوامل عديدة متشعبة ومتشابكة : ( فكرية ونفسية وروحية واجتماعية وسياسية ومصلحية وغيرها ) داخلية وخارجية، وما يكبح هذه الثقافة ويقضي عليها هو تعديل موازين المعادلة الحاكمة على الأرض وليس تقديم الأطروحات الفكرية القوية والأصيلة فقط، فالمشكلة لا تتعلق بأطروحة في مقابل أطروحة أخرى، وإنما بموازين المعادلة الحاكمة على الأرض، وتعديل هذه الموازين أمر صعب يحتاج إلى توفيق من الله تبارك وتعالى لإدراك أساس المشكلة والسبيل إلى معالجتها، وإلى وقت قد يطول، وجهود جماعية نوعية مضنية، وإلى بعد نظر وصبر وتحمل وطول نفس، ولا يستطيع النهوض بهذه المهمة الشاقة إلا جماعة من أصحاب اليقين والبصائر الذين يمتلكون الشعور العميق بواجب التكليف، والحكمة المستمدة من وضوح الرؤية والمنهج، والدقة في التشخيص، والدقة في خطط العمل .

وقال : قد وجدت بعض من يفترض فيهم أن يكونوا السباقين إلى التضحية، ويكونوا القدوة الحسنة إلى الناس في ذلك، أنهم بدلا من ذلك يطلبون المغانم، ويبخلوا بأقل القليل من التضحية، ويطلبوا المديح، ويحبوا أن يحمدوا بما لا يفعلوا، وليتني أمتلك ما أستطيع به أن أنبه البعض لحقيقة ما يحدث وإلى خطورته فينتبهوا ولو كان الثمن هو سفك دمي .

وقال : من العجب في أمر بعض الجهلة المتعصبين أنهم في الوقت الذي يَدْعُون إلى إبعاد الإحياء عن ساحة الصراع مع الطغاة والمستبدين والمستكبرين في سبيل المحافظة على بقاء الإحياء، وفي سبيل تخليته من الشوائب التي تشوب الإخلاص في النية ـ بزعمهم ـ فإنهم لا يتورعون عن إقحام التجاذبات السياسية بين المؤمنين بقوة في الإحياء، ويزعمون أنهم يتقربون بذلك إلى الله عز وجل !! فعليك أيها العزيز من أجل النجاة أن تسلك سبيل الخلاص الحقيقي، وهو قول الله تعالى : { قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ( الانعام : 91 ) وهذا يحتاج إلى واقعية وتمحيص وتصفية .

وقال : على ذلك الأساس المتين، وهو : ( استحضار المعاني والقيم السامية والعظيمة، والعزم الأكيد على الالتزام بها والامتثال لها ) كان لإحياء عاشوراء الفضل في بقاء الدين المحمدي الأصيل الذي جوهره الولاية الشرعية بجميع إمتداداتها : ( الأنبياء، والأوصياء، والفقهاء العدول الذين تتوفر فيهم شروط الولاية الشرعية ) وظهور الكيانات والجماعات الموحدة بحق وحقيقة في التاريخ الطويل، ومن صورها المعاصرة : الجمهورية الإسلامية في إيران، وحزب الله في لبنان، وذلك في مقابل الإسلام المُحرّف، والحكومات الطاغوتية المستبدة، والجماعات الضالة .

وقال : إن تراكمات الإحياء الصادق هذه، هي الممهد الحقيقي والفعلي للظهور المبارك لصاحب العصر والزمان ( أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ) فينبغي علينا أن نعرف حقيقة الإحياء وقيمته، وأن نعطيه من العناية ما يستحقها .

وقال : المطلوب في الإحياء مراعاة أمور عديدة، منها :

( أ ) : المحافظة على الإحياء التقليدي الذي يتمثل في السرد الأمين لأحداث الملحمة العاشورائية كما رواها أرباب المقاتل الموثوقين، والقصائد التي قيلت فيها، وإلقائها بالأطوار المعروفة، والبكاء والنحيب واللطم، والمسيرات العزائية بأشكالها المعهود، والزيارة بالنصوص المأثورة وآدابها الشرعية، وترديد الشعارات المأثورة عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه، مثل : هيهات منا الذلة، فهو ( أي الإحياء التقليدي ) يحفظ أصالة الإحياء، ويمثل المادة الخامة والمشترك الأصيل الذي يعاد تشكيله ويتجدد في الإحياء في طول التاريخ وعرض العالم .

( ب ) : الاستقامة في الإحياء وتعني فيما تعني تطهير الإحياء من جميع المخالفات الشرعية، وكل ما من شأنه الإساءة إلى الدين الحنيف ومدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) مع مراعاة الآداب الفقهية والمعنوية المذكورة في الكتب المعتبرة المختصة بهذا الشأن، وهذا في غاية الأهمية من أجل تحقيق مرضاة الله ذي الجلال والإكرام والأهداف الحقيقية للإحياء .

( ج ) : إدخال ما هو مفيد من وسائل وأدوات وأشكال تعبيرية، مثل : الفن والمسرح والعروض التلفزيونية، ومؤثرات، بشرط الإنسجام مع الجوهر والتعبير بشكل مستقيم عن أهداف الإحياء ورسالته، وتنويعها في سبيل مخاطبة جميع الأذواق والمستويات، وبه يكون النمو التاريخي : ( الطبيعي والإبداعي ) لعملية الاحياء الذي يحفظ لها حيويتها وتأثيراتها المتجدد في النفوس مع تطور الزمن والحضارة والاستفادة من الأدوات الحضارية المتطورة في تحقيق أهداف الإحياء، ويجب تحصين عملية الإحياء ضد كل ما من شأنه أن يُفرغ الإحياء من مضمونه الحقيقي ويحرفه عن أهدافه وغاياته الحضارية والرسالية والثورية .

( د ) : الحرص على تمثل القدوة الحسنة ( الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ وأصحابه ) واتباعها في جميع أبعادها المنهجية والفكرية والروحية والأخلاقية والسلوكية والثورية، ومن أبرز سماتها الإيثار والشجاعة والتضحية في سبيل الله ذي الجلال والإكرام بالنفس والنفيس وهو غاية البر، والجهاد من أجل البناء والإصلاح الحضاري الإسلامي الراقي الذي يقوم على أساس التوحيد الخالص، وصيانة كرامة الإنسان، وإقامة العدل، وبعث كافة أشكال الحياة الروحية والمدنية السليمة في المجتمع، قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ( الأنفال : 24  ) وليس الجهاد من أجل الانتقام وفرض السيطرة على الغير .

وقال : إن التأثير الفكري والروحي والحضاري الواسع والعظيم والممتد تاريخا لنهضة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وحركته الإصلاحية، هو في الحقيقة يعكس عمق الإخلاص في النية لله ذي الجلال والإكرام الذي كان يتمتع به الإمام الحسين ( عليه السلام ) والخيرة من أهل بيته وأصحابه، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " في إخلاص النيات نجاح الأمور " وقوله ( عليه السلام ) : " من أخلص بلغ الآمال " ( غرر الحكم ) فكلما كان الإخلاص في عمل العبد أكثر، كلما كانت البركة فيه والتأثير به في النفوس والواقع أكبر، فتأثير الإمام الحسين ( عليه السلام ) الممتد من آدم أبو البشر ( عليه السلام ) وحتى نهاية التاريخ، لا ينفصل عن صدقه وإخلاصه النية في عمله إلى الله ذي الجلال والإكرام .

وقال : إن ملحمة عاشوراء بقيمها العظيمة، وأشخاصها المؤمنين المباركين، وأحداثها الجليلة، وتجلياتها الفكرية والروحية والسياسية وغيرها، هي من العظمة والجلال إلى  الدرجة التي تجعلها تسري في التاريخ الطويل مثل الروح في الجسد، وتترك تأثيراتها النورانية المتجددة في تفكير البشرية ومشاعرها وأوضاعها، حتى ينتهي المطاف إلى الظهور المبارك لبقية الله في الأرض الحجة المهدي ( عليه السلام ) لتتحقق على يديه المباركتين الأهداف العظمى التي أرادها الإمام الحسين ( عليه السلام ) وضحى من أجلها .

وقال : هنا أرغب في الوقوف على بعض الحقائق التي تتعلق بالاقتداء ..

إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يحمل رؤية فكرية حول الكون والإنسان والحياة والتأريخ، وقد حوّل هذه الرؤية الفكرية إلى منظومة قيمية متكاملة، منها : الصدق والإخلاص والأمل والوفاء والشجاعة والإيثار ونحوها، ثم حوّل هذه المنظومة القيمية إلى واقع متحرك لعمارة الأرض وإحيائها، وذلك من خلال السلوك والعلاقات والمواقف والأفعال البناءة في الحياة، وبهذا صار قدوة حسنة للناس جميعا في جميع الأبعاد، وعلى كافة المستويات .

وقال : إن الأحاديث التي تذكر بأن العيون تدمع لمجرد ذكر اسم الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذه الخاصية ليست مرتبطة بالاسم في نفسه، فاسم حسين يطلق على الكثير من الناس، وليس بالشخص في نفسه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يعطي المقامات عبثا ولا جزافا، وإنما هي مرتبطة بالشخص القيمة والقدوة الحستة الكاملة الذي تجسدت فيه بشكل مكث كل تلك المعاني والقيم السامية والعظيمة، وقتلته تلك الطغمة المجرمة الفاسدة والمستهترة على تلك الحالة الشنيعة في كربلاء، فقد قتلتْ الأنانيةُ والإثرةُ الإيثارَ والجودَ والعطاءَ، ولكن دائما النور يبدد الظلام، والعكس مستحيل، ولهذا ظهر نور الإمام الحسين ( عليه السلام ) المشع في التاريخ الطويل، وهكذا يكون دائما نور المحقين .

وقال : البكاء على الإمام الحسين ( عليه السلام ) في حقيقته، هو ذلك التفاعل الوجداني الواعي والصادق مع منهج الإمام الحسين ( عليه السلام ) المتمثل في الاستقامة على الدين المحمدي الأصيل والتضحية في سبيل الله ذي الجلال والإكرام بالنفس والنفيس وهو غاية البر . والتفاعل الوجداني الواعي والصادق مع القيمة ( القدوة التامة الكاملة ) التي يمثلها الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه المنتجبين الأخيار، ويعشقها الإنسان بما هو إنسان ـ والمؤمن بشكل خاص ـ فإذا ذكر اسم الإمام الحسين ( عليه السلام ) استدعى الإنسان تلك القيمة والقدوة بكل أبعادها المنهجية والفكرية والقيمية والروحية والسلوكية والثورية الصادقة المضرجة بلونها القاني في سبيل العزة والكرامة ومرضاة الرب الجليل، وتحركت المشاعر الوجدانية الصادقة، وانهمرت الدموع بشكل تلقائي، ليسمو الإنسان ويرتقي في معارج الكمال والقرب من الله ذي الجلال والإكرام، وقد جاء في الزيارة : " أنا عبد الله ومولاك وفي طاعتك والوافد إليك التماس كمال المنزلة عند الله " .

وقال : العجب ليس في إنهمار الدموع لذكر الإمام الحسين ( عليه السلام ) فهذا من مقتضى الفطرة الإنسانية السليمة، ولكن العجب هو أن لا تنهمر دموع الإنسان لذكر الإمام الحسين ( عليه السلام ) والخيرة من أهل بيته وأصحابه، فهذا دليل على قساوة القلب وغلظته، والخروج عن مقتضى الفطرة الإنسانية السليمة .

وقال : إن الإحياء الذي يجسد الاقتداء الصادق بالإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه المنتجبين الأخيار الذين استشهدوا معه في كربلاء، هو الذي يبلغ بالإنسان المقام المحمود عند الله تبارك وتعالى، كما جاء في زيارة عاشوراء : " وأسأله أن يبلغني المقام المحمود الذي لكم عند الله " وهو المقام الذي تنال الإنسان فية صلوات ورحمة ومغفرة من الله تبارك وتعالى، قول الله تعالى : { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } ( البقرة : 156 ـ 157 ) وكما جاء في زيارة عاشوراء : " اللهم أجعلني في مقامي هذا ممن تناله منك صلوات ورحمة ومغفرة " .

وقال : إن شعار لأبكينك بدل الدمع دما، ليس المراد منه كثرة البكاء والنحيب، وإنما بذل الدم في الجهاد والقتال والتضحية والفداء في سبيل الله عز وجل، وهي الحالة الأكمل للإحياء والاقتداء . فالذين يترجمون شعار لأبكينك بدل الدمع دما بحق وحقيقة هم وحدهم المناضلون الصادقون الشرفاء والشهداء الصابرون، وفي مقدمتهم أصحابه الذين استشهدوا بين يديه، والذين خرجوا للأخذ بثأره من قتلته المجرمين، وليس منهم الجبناء والمتخاذلون الذين يكثر بكاءهم وعويلهم في المآتم، ثم يديرون ظهورهم هروبا من الظالمين والمستكبرين والطواغيت .

وقال : إن السكوت عن الظلم هو ظلم قبيح في منطق القرآن الكريم، قول الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } ( البقرة : 246 ) فقد كان الملأ من بني إسرائيل مظلومين، وبسكوتهم عن الظلم وقعودهم عن جهاد الظالمين أصبحوا هم ظالمين في منطق القرآن الكريم .

والراضي بالظلم كالمعين على الظلم شريكان للظالم في ظلمه، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) " العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به شركاء ثلاثة " ( البحار . ج75 . ص312 ) وفي الدعاء : " اللهم كرِّه إليَّ أن أكون مظلوماً كما كرّهت إليَّ أن أكون ظالماً " فالمظلوم الذي يستكين إلى الظلم ويستسلم إليه ولا يتحرك لرفعه يُكتب عليه الذل والهوان، ويُكتب عند الله جل جلاله ظالما، ولا يُكتب له النصر والعزة والكرامة .

والذي يخذل المظلومين والمجاهدين والمناضلين الشرفاء ويقعد عن نصرتهم، يكون في سنة الله عز وجل مستحقا للانتقام في الدنيا والآخرة، قول الله تعالى : { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } ( الشعراء : 226 ـ 227 ) فالوعيد في الآية الشريفة يشمل الظالمين والمعينين لهم والراضين بالظلم والذين يخذلون المظلومين والمجاهدين والمناضلين الشرفاء ولا يناصروهم، وقد جاء في زيارة عاشوراء غير المشهورة : " لعن الله أمة خذلتك وتركت نصرتك ومعونتك " ,

وقال : لا يستطيع أحد أن يلقي بالمسؤولية عن خذلانه للمظلومين على عاتق غيره، فنصرة المظلومين مسؤولية عينية يتحملها الفرد شخصيا ولا يعذر إذا تركها بحجة أن غيره سكت ولم يفعل شيئا .

وقال : إن خِيرَة المقتدين بالأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) يتحولون بدورهم إلى قدوات حسنة للمؤمنين في إقتدائهم الصادق بهم، وذلك ينطبق على الأفراد والجماعات، قول الله تعالى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ( الممتحنة : 4 ـ 6 ) وأرى بأن حزب الله في لبنان يمثل القدوة الحسنة للمؤمنين في الوقت الحاضر فيما يتعلق بالصدق في امتثال خط الولاية، والتضحية في سبيل الله عز وجل، وغيرها .

 وقال : من الدروس العظيمة التي نستقيها من كربلاء، هي : أن تعرض الأقليات الصالحة إلى الظلم والاضطهاد والحصار الشامل والتنكيل بهم والقتل لهم، وخذلانهم وحبس النصرة عنهم، لا يلغي فرصة النصر لهم ولو بعد حين، فقد انتصر الإمام الحسين ( عليه السلام ) رغم استشهاده وجميع الخيرة من أهل بيته وأصحابه الذين كانوا معه في كربلاء، ماعدا إبنه زين العابدين ( عليه السلام ) الذي تعلقت الإرادة الربانية ببقائه، لأن ببقائه يبقى الدين الحنيف ـ وقد شرحت ذلك بالتفصيل في مناسبات سابقة ضمن الحديث عن سنة الاستبدال في القرآن الكريم ـ وسُبِيَتْ نساؤه وأطفاله، وقد عكس الزعيم الهندي غاندي هذه الحقيقة في قوله : " تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فانتصر " أي تعلمت كيف أحوّل مظلوميتي إلى انتصار، وذلك من خلال المقاومة الجادة والإرادة الفولاذية الحرة والصبر والتحمل والشجاعة وحسن التصرف والإدارة الحكيمة للأمور فتتحول المظلومية إلى انتصار على الماكنة العسكرية والإعلامية الضخمة للطغمة الفاسدة من الطغاة والمستبدين والمستكبرين والظالمين .

وقال : المقاوم الحقيقي لا يخشى من أن يقع عليه الظلم أو أن يحاصر أو ينكل به، فهذه أمور يتوقعها من الطغاة والمستكبرين الظالمين جزاء مواقفه النضالية الشريفة، وكلها بعين الله العزيز الحكيم، ولكنه يخشى أن تضعف إرادته أو أن لا يحسن الإدارة والتصرف، فتذهب بسبب ذلك تضحياته ومظلوميته أدراج الرياح .

الشفافية بين القيادة والجماهير ..

وبخصوص العلاقة بين القيادة والجماهير، قال : الأصل في العلاقة بين القيادة والجماهير هي الشفافية والشورى، قول الله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } ( آل عمران : 159 ) وهذا حق طبيعي أصيل، والهدف منه ..

·        صيانة كرامة الإنسان والرفق به من خلال حفظ حقوقه الطبيعية في الحياة ـ ومنها الشفافية بين القيادة والجماهير، ومشاركة الجماهير في صناعة القرار من خلال الشورى ـ وعدم الاعتداء عليها أو تجاوزها .

·        خلق البصيرة لدى الجماهير بشأن الحياة ومسيرة الرسالة وتطورات الأوضاع وطبيعتها وحقيقتها في داخل الأمة ومحيطها، قول الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ( يوسف : 108  ) .

·        وإعدادهم ( أي الجماهير ) لتحمل المسؤولية العامة، قول الله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } ( التوبة : 71 ) وقول الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ( البخاري . ج3 . ص1459 ) .

وقال : الشفافية والشورى مما تقتضيه كرامة الإنسان العاقل الحر في العلاقة السوية بين القيادة والجماهير، فلا تجوز قيادة الإنسان العاقل الحر كقيادة القطيع من الأنعام، حيث يتبع القطيع الراعي بدون وعي ولا قناعة وقد يقوده الراعي إلى الهلاك أو المقصلة أو يضيع مستقبله . ويستثنى من ذلك الأمور المتعلقة بأسرار الحرب وأمن الجماعة والأمور الفنية والتفصيلية في الإدارة ونحوها فإنها متروكة للقيادة، وتحاسب القيادة من قبل الأمة على ضوء النتائج في هذه الأمور، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم، ولا أوخر لكم حقا عن محله، ولا أقف به دون مقطعه، وأن تكونوا عندي في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة " ( النهج . الكتاب : 49 ) .

وقال : وفي حال وجد لدى الأمة إشكال حول أطروحة أو موقف أو سلوك عام من القيادة، فإن على القيادة أن تكشف للأمة الحقيقة في ذلك، ولا تطالبها بالتسليم والاتباع على أساس الثقة العامة بدون وعي ولا قناعة، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " وإن ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر لهم بعذرك، وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق " ( النهج . الكتاب : 52 ) .

وقال : هذه هي سيرة العقلاء والمتشرعة التي كشفت عنها بعمق ودقة وشمول الآيات القرآنية التي تحدثت عن قضية كليم الله موسى بن عمران مع العبد الصالح ( الخضر ) ( عليهما السلام ) قول الله تعالى : { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا . أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } ( الكهف : 66 ـ 82 ) فسيرة العقلاء والمتشرعة تؤكد على أن تكون القاعدة العامة في الاتباع في الأطروحات والمواقف في الشأن العام عن فهم وقناعة، ولا تكفي في ذلك الثقة العامة في القيادة، وأن واجب القيادة أن تكشف للأتباع عن الحقيقة في الأمور الغامضة وغير المفهومة لديهم، وغير ذلك هو في الحقيقة والواقع شاق ومرهق للعقلاء والمتشرعة جميعا، في الوقت الذي ليس فينا من هو بمقام الخضر ( عليه السلام ) وليس فينا من هو أكثر تشرعا ولا أكثر صبرا ولا أكثر حكمة من كليم الله موسى بن عمران ( عليه السلام ) الذي لم يصبر على الإتباع في أمور لم يفهمها، وتبدو له في ظاهرها مخالفة لما يعلم من التكليف، رغم يقينه العام بعلم العبد الصالح وسداده، فالقاعدة العامة لدى العقلاء والمتشرعة أن يكون الاتباع في الأطروحات والمواقف في الشأن العام عن فهم وقناعة، ولا يصح منهم التسليم لغير المعصوم في أمور تبدو مخالفة لما يعلمون من التكليف، فضلا عن جعله ( أي التسليم المطلق لغير المعصوم ) قاعدة عامة في الاتباع للقيادات الدينية والمدنية .

وقال : الصدق في شفافية القيادة مع الجماهير، والعمل بالشورى بشكل جدي وناصح، يحتاج إلى أن تخرج القيادات من الأنانية والتمحور حول الذات إلى الاعتراف بالحقوق العامة الطبيعية إلى الناس والنزول عليها بنفس راضية طائعة، وهذا يحتاج بدوره إلى سعة أفق في التفكير، وتوازن دقيق في حسابات الربح والخسارة، وإلى رياضة نفسية وروحية، فلا يقدر عليهما ( الشفافية والشورى ) من القيادات إلا أصحاب النفوس العالية الذين يمتلكون سعة في التفكير، ودقة وتوازن في الحسابات، والذين يروا إنسانيتهم وسعادتهم الحقيقية في ذلك، ويمتلكون الثقة في نزاهة أنفسهم، وسلامة منهجهم، وصواب خياراتهم، والاستعداد للتصحيح وتحمل كلفة الخيارات الصائبة الثقيلة ودفع أثمانها، ولا يقدر عليهما أصحاب النفوس الضعيفة والواطية الذين لم يروضوا أنفسهم على تجاوز الذات والاعتراف بالحق العام والنزول عليه، ولا يرون في الأفق إلا أنفسهم والحسابات الدنيوية والمادية والخاصة لمصلحة النفس أو الحاشية أو الحزب ونحوها، ولا يقيمون وزنا للقيم والمبادئ والحياة الآخرة، ولا يمتلكون الثقة في نزاهة أنفسهم، ولا سلامة منهجهم، ولا صواب خياراتهم، ولا الاستعداد لدفع كلفة الخيارات الصائبة الثقيلة ودفع أثمانها، فلا ينزلوا عليهما ( الشفافية والشورى ) إلا مراوغين ومترددين، وهم مكرهين مرغمين، فإذا غاب عنهم الضغط والاكراه، فهم في غاية الاستبداد والتجاهل لحقوق الجماهير والاتباع، وهذا ما نشاهده بكل تجلي ووضوح لدى ملوك وحكام وقيادات المجتمعات المتخلفة روحيا وفكريا وسياسيا، وهو بعيد كل البعد عن خلق المؤمنين الاتقياء الصادقين .

وقال : التسليم المطلق للمعصوم جميل وحكمة وعاقبته حسنة، والتسليم المطلق لغير المعصوم قبيح وحمق، ويتحمل المكلف المسؤولية الكاملة عن نتائجه السيئة أمام الله جلال جلاله والتأريخ، فعاقبته سيئة جدا، وهو من العوامل التي تؤدي إلى أزلية الاختلافات المنهي عنها عقلا وشرعا التي لا يعذر فيها الإنسان، وتُغْلِق أبواب التصحيح والإصلاح في الجماعات والمجتمعات والدول والشعوب والأمم .

 تجلي إفلاس السلطة في ذكرى العيد الوطني ..

وبخصوص خطاب الملك بشأن التجنيس، قال : قال الملك في افتتاح الفصل التشريعي الثالث، بتاريخ : 14 / ديسمبر ـ كانون الأول / 2010م بشأن التجنيس : " ولقد أثبتت الممارسة في مجال التجنيس أنه من غير المعقول أن ينتمي إنسان إلى بوتقة الهوية الوطنية البحرينية والتي نعتز بها جميعا، إلا إذا كان متشبعاً بالروح الوطنية البحرينية العالية طبعاً وأخلاقاً وسلوكاً، ومحترماً للقانون الذي هو أساس تلك الروح العريقة، وأن يكون لديه انتماء، والوطن بحاجة إليه، وفي أضيق الحدود عدداً، وذلك ما يجب الالتزام به " .

وقال : الحقيقة أن الخطاب يتكلم من ناحية الشروط عما ينبغي أن يكون، إلا أن الحاصل على الأرض يختلف كثيرا عما ينبغي، والبعد بين ما ينبغي وما هو حاصل كالبعد بين التبر والتراب، ولم يقدم الخطاب أي معالجة للأضرار البالغة الحالية التي نتجت عما تم من التجنيس .

وقال : هناك قراءات عديدة خاطئة للخطاب، وبعضها حلق في آفاق وهمية بعيدة، مثل : حدوث ضغوط أمريكية على السلطة بشأن التجنيس، ونحو هذا .

وقال : ليس في مضمون الخطاب ما يحتاج إلى مناقشة، ولكن المهم ـ بحسب تقرير البندر، وقد ذكرت أنا وغيري ذلك كثيرا فيما سبق ـ أن مشروع السلطة في التجنيس يكتمل مع نهاية العام 2010م، وهذا يعني أن ما جاء في الخطاب هو إمضاء لما أنجزته السلطة في ملف التجنيس، مع أبقاء الباب مفتوحا لمزيد منه، وبدون أن يحدد الضوابط القانونية لذلك، ووضع السكان الأصليين أمام الأمر الواقع الصعب في هذا الملف الخطير جدا، ليقبل من يقبل راضيا أو مرغما، ومن لم يقبل فهذا هو الأمر الواقع الذي يتحداه أمامه، وعليه أن يظهر ما عنده إن كان يستطيع أن يفعل شيئا .  

وقال : موقفنا في تيار الوفاء الإسلامي في الموضوع واضح وقد ذكرناه سابقا، وهو : أننا نرى بأن ما حصل من تجنيس هو تصرف غير شرعي قامت به السلطة، وهو مخالف لإرادة السكان الأصليين، ومضر جدا ـ بحكم التجربة ـ بمصالحهم، ونطالب بأن يوضع ملف المجنسين منذ حُل البرلمان السابق في أغسطس / 1975م وحتى آخر مجنس بعد ذلك التاريخ في يد المجلس المنتخب، وذلك بعد حل المسألة الدستورية القائمة حاليا بالتوافق مع الشعب، وتشكيل مؤسسة برلمانية تعبر بصدق عن الإرادة الشعبية بالتفصيل الذي ذكرناه في رؤية التيار حول الانتخابات .

وقال : لقد تجلى بكل وضوح إفلاس السلطة في ذكرى العيد الوطني، فلم يكن هناك افتتاح لمشاريع تنموية جديدة، ولم يُقدم للشعب أي عطاء، حتى الكلمة الطيبة لم تقدم لأبناء الشعب، ولم يعط الأمل لحل أي من الملفات الحيوية الساخنة المعلقة، وسمع أبناء الشعب فقط الثناء على السلطة التنفيذية على إنجازات غير محددة، وسمع التجريم والتهديد والوعيد، والثناء على الجلادين والجلاوزة، والمطلوب من أبناء الشعب شد الحزام، والصبر والانتظار حتى يفتح الله العزيز الجبار عليهم بالخير .

وقال : لقد تبخر تماما ما يسمى بالمشروع الإصلاحي، فهل يشمر أبناء الشعب بجد عن سواعد العمل والمطالبة بالإصلاح الفعلي في البلاد وتحصيل الحقوق والحياة الطيبة الكريمة ؟!

وأجاب : هذا ما سيكشف عنه المستقبل، ويجب أن يدرك الجميع مسؤولية المواقف في الصراع مع السلطة، فهي مسؤولية مصير تقع فوق المجاملة والتهاون، ولا تنفصل فيها المسؤولية التاريخية والوطنية والقومية عن المسؤولية الدينية والمساءلة في الآخرة، وذلك نظرا لتأثير نتائج المواقف في الصراع مع السلطة على ..

·        مكانة الدين والحالة الدينية .

·        والمصالح الحيوية للمواطنين في الدنيا .

·        والعاقبة لأصحاب المواقف في الآخرة .

الدلالات السياسية للاعتداء على سواد عاشوراء ..

وبخصوص مشاركة أردغان في مراسم عاشوراء، قال : إن رئيس الوزارة التركي رجب طيب أردوغان جاء الى الحكم بإرادة شعبه عن طريق الانتخاب، فمن واجبه أن يحترم إرادة شعبه ويحترم مشاعرهم ومقدساتهم، وهو يشعر بحاجته إلى أن يكسب ود شعبه، لأن بقاءه في الحكم وقيامه بدوره كحاكم مرتبط بإرادة الشعب وتعاونه معه، فأمر طبيعي أن يشارك طيب أردغان في مراسم عاشوراء، ويندد بالطائفية ويتحدث بصدق عن الوحدة الإسلامية، لأنها تخدم سمعته السياسية وسمعة وطنه، وفيها مصلحة لشعبه، وهذا ما يفعله كل حاكم ديمقراطي مع شعبه، والحكام المستبدون الذين يحكمون بالأمر الواقع وبدون إرادة شعوبهم، هم وحدهم الحكام الذين يتحدون مشاعر شعوبهم ولا يحترمون مقدساتهم .

وقال : إن مشاركة الطيب أردغان في مراسم عاشوراء تعبر عن حالة روحية وقناعة فكرية وليست مجرد مشاركة سياسية في مراسم دينية يمارسها الكثير من السياسيين في بلدانهم وخارجها . فقد صرح الطيب أردوغان قبل أكثر من عام بتصريح هو أكثر أهمية وأكثر دلالة على شخصيته من مشاركته في مراسم عاشوراء، والتصرح بما معناه : " يجب على الأمة الإسلامية أن تعتذر لأهل البيت بسبب ما حصل للإمام الحسين (عليه السلام ) في كربلاء " وهذا التصريح يدل على أن الرجل يتمتع بشجاعة أدبية فائقة وروحية عالية .

وقال : لفت انتباهي من خلال تتبع أداء رموز الحكم الوراثي في الدول العربية والخليجية أن جيل الآباء والأجداد هم أكثر حكمة من جيل الآبناء والأحفاد في علاقتهم من أبناء الشعب وفي إدارة شؤون البلاد في معظم هذه الدول، فإن الأبناء والأحفاد قد إرتكبوا من الحماقات السياسية وغيرها ما لا يمكن أن يرتكبه جيل الآباء والأجداد لاسيما مع الشعائر الدينية، وهذا ربما يعود إلى العلاقات المباشرة التي كانت تربطهم مع أبناء الشعب .

وقال : أجد في البحرين فريقا في الحكم يعمل على خلق العداء والخصومة بين الشعب والحكومة، وقد امتدت يده الآثمة إلى انتهاك الحرمات واستفزاز مشاعر المواطنين بخصوص مقدساتهم الدينية، وهذه من التصرفات الحمقاء الخرقاء التي تعود بالسوء على الحكام، ونصيحتي إلى الحكام في البحرين أن يكونوا أكثر حكمة، فليس من مصلحتهم استفزاز مشاعر المواطنين من خلال المساس بمقدساتهم الدينية واستعداء أبناء الشعوب ضدهم .

وقال : الحاكم العادل هو الذي يحترم مشاعر أبناء شعبه وحقوقهم جميعا حتى الأقلية منهم .

وقال : لقد وجدنا في هذا الموسم غيرة بعض المؤمنين على السواد، فقد غضبوا كثيرا لأن السلطة قد أزالت بعض السواد من الشوارع العامة في القرى والمناطق، والاعتداء على السواد هو في الحقيقة تعدي على الحقوق، ولكني أتعجب كثيرا من إنسان مؤمن يغار على السواد ويغضب لإزالته ولا يغار ولا يغضب من انتهاك السلطة لحرمات المؤمنين وتعذيبهم في السجون والتحرش الجنسي بهم، رغم أن النصوص الدينية صريحة في أن حرمة المؤمن أشد من حرمة الكعبة، وهذا يدل قطعا على وجود خلل في التفكير والحالة الروحية والنفسية، وهي حالة تبعد صاحبها عن الحالة السوية للإنسان المؤمن التقي الناصح .

مسألة المعتقلين ومأزق السلطة ..

وبخصوص مسألة المعتقلين، قال : في بدء الهجمة القمعية كنت أتحدث إلى بعض السياسيين في تامعارضة بأن الهجمة القمعية قد أوقعت السلطة في مأزق، وكان بعضهم يستنكر بقوة هذا الطرح ويرى بأن السلطة تسير بخطى ثابتة وهي واثقة من نفسها، إلا أن هذا البعض أصبح يتحدث الآن عن وقوع السلطة في مأزق حقيقي، ويعتبر ذلك أمرا في غاية الوضوح والإثبات .

وقال : أريد أن أطمئن الجميع بأن السلطة لا تستطيع أن تتحمل استمرار الأزمة الأمنية إلى زمن طويل، فحتى لو أصدر قضاء السلطة حكما بالمؤبد على المعتقلين الأبرياء، فإنها لن تستطيع أن تستمر في تنفيذه، وذلك لثلاث أسباب ..

·        أن خسائر السلطة المالية في الأزمة الأمنية تقدر بالمليارات، وهي لا تستطيع أن تتحمل هذا النزيف في رصيدها المالي .

·        أن ما سمي بالمشروع الإصلاحي يقوم في الأساس على العلاقات العامة، وقد احترق هذا المشروع بسبب الأزمة الأمنية بالكامل في الداخل والخارج، فالكل يتكلم عن القمع والإرهاب في البحرين، ولا أحد يتكلم عن الإصلاح، حتى أمريكا وهي الحليف الاستراتيجي لحكومة البحرين أعربت عن قلقها لما يحدث في البحرين . وقد إلتقيت بالدكتور عبد الهادي خلف قبل يوم واحد من شهر محرم الحرام ـ وهو موجود حاليا في البحرين ـ وقال لي : بأنه منذ أن فتح عينيه على السياسة، لم يجد هجوما في الصحافة العالمية على حكومة البحرين كما هو الآن، وقال : إنه هجوم غير مسبوق في الصحافة العالمية على حكومة البحرين .

·        أن الأزمة الأمنية بدأت تؤثر على الحراك السياسي في البلد وتكاد تصيبه بالشلل، ومع استمرار الأزمة الأمنية فسوف يصاب الحراك السياسي في البلد بالشلل التام، وفي علم الاجتماع السياسي أن الركود السياسي يخلق أرضية لأحداث مفاجئة وغير محسوبة على الصعيد الأمني والسياسي، والسلطة تدرك خطورة ذلك .

وبخصوص إدارة تيار الوفاء للأزمة، قال : كنا حريصين منذ البداية على أن نثبت للسلطة قولا وعملا بأننا غير خائفين وغير مرتبكين، وأن تكون إدارتنا للملف إدارة مدروسة، وقد طالبنا الكثيرون بتنظيم المسيرات والاعتصامات والدعوة إلى الاحتجاجات الشعبية ذات البعد الأمني، إلا أننا لم نذهب لهذا الخيار، وركزنا على لم شمل العوائل، وتشكيل فريق الدفاع، والتواصل مع المؤسسات الحقوقية الدولية، والمصادر المؤثرة في صناعة القرارات، والإعلام الخارجي، وتوفير المراقبين للمحاكمات، ونحوها، وقد نجحنا من خلال ذلك في أن نثبت إلى العالم عدالة قضيتنا، وأن نكشف حقيقة النظام في البحرين، وتمت محاصرة السلطة في زاوية ضيقة حرجة، ولو أننا اندفعنا في الدعوة للمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات، لانشعل الاعلام بها، ولبقيت الصورة على ما كانت عليه في السابق، وهي الصورة المغلوطة عن العنف المتبادل بين السلطة والمعارضة، وهي الصورة المغلوطة التي انطلت حتى على رموز لنا في المعارضة تسكن في داخل البلد، وتحدثوا بها مرارا وتكرارا، ولم يقنعهم ما كنا نقوله عن مسؤولية السلطة وحدها عن هذا العنف، أما الآن فقد أصبحت الصورة في غاية الوضوح للقريب والبعيد في الداخل والخارج .

وقال : لو أننا انشغلنا بالمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات ـ رغم أهميتها في الأوقات المناسبة ـ ودخلنا في مناوشات أمنية مع السلطة، لانشغل الرأي العام في الداخل والخارج بهذه المناوشات، ولثبتت في الأذهان الصورة النمطية المغلوطة السابقة عن العنف المتبادل بين السلطة والمعارضة، ولغَطّتْ على أصل المسألة وعدالة القضية، ولم تتضح إلى الرأي العام في الداخل والخارج كما هي الآن، فلا أحد يحترم نفسه يمكنه الآن أن يتحدث عن العنف المتبادل بين اللسطة والمعارضة، فقد اتضحت الحقيقة حول المطالب العادلة، وعنف السلطة في مواجهة الأساليب السلمية للمعارضة .

وقال : لقد كان هدف الهجمة القمعية هو القضاء على خط الممانعة، وبدلا من ذلك أصبح خط الممانعة أكثر تجذرا واتساعا وأكثر قوة وخبرة، وأصبحت السلطة في مأزق، وليس أمامها من مخرج سوى التقدم بمبادرة سياسية تقنع خط الممانعة بالمشاركة في العملية السياسية، وهذه هي الحقيقة التي أتمنى على السياسيين في المعارضة أن يدركوها جيدا وأن يعملوا على أساسها، فلا يَسْتَجْدوا الحل من السلطة، وإنما يعملوا من أجل تحصيل المكاسب الأفضل لصالح هذا الشعب .

وقال : أوجه حديثي إلى الشباب والشابات، بأن خط الممانعة قد أثبت وجوده وصمد أمام الهجمة القمعية الشرسة عليه، وأن هذه الهجمة الأمنية الشرسة قد جاءت لما علمت السلطة وتيقنت من قوة وجود هذا الخط ومن دوره الفاعل على الساحة الوطنية، فهو رغم شحت إمكانياته المادية، ورغم الحصار القاسي المفروض عليه، إلا أنه نجح في أن يكون العامل الأكثر تحريكا لأوضاع الساحة الوطنية، ولكي يستمر في الصمود وينجح في تحقيق مطالب الشعب العادلة، فإنه يحتاج إلى مزيد من دعمكم ومساندتكم، فعليكم أن تضخوا الكثير من جهودكم وطاقاتكم في دعمه ومساندته .

وبخصوص الخشية من وجود ترتيبيات مع السلطة بشأن المعتقلين تروج لخط المشاركة وتضر بخط الممانعة، قال : نحن نتمنى الإفراج عن جميع الأخوة المعتقلين، ولا يملك أحد أن يفرض صيغة تسوية من شأنها أن تصادر إرادتنا، فقد أثبت خط الممانعة وجوده واستقلاليته وأن لا يمكن تجاوزه وفرض مالا يريده عليه، وهذه حقيقة قد ثبتت بالتجربة وتدركها السلطة والقوى السياسية، فلا يمكن فرض أي تسوية على هذا الخط لا يريدها .

وقال : نحن لا نخشي من أن يميل الناس إلى غيرنا، فللناس عقول وهم أحرار في خياراتهم التي يختارونها لأنفسهم، ونحن نرفض أن نقود الناس أو ينقادوا لنا على خلاف قناعاتهم، ونريد لهم أن يمضوا مع المنهج الذي يرونه صحيحا، ومع القيادة التي يقتنعون بها .

وقال : لا أحد يستطيع أن يسقط الجهود والتضحيات المخلصة، لأنها بيد الله العزيز الحكيم، ولا يستطيع أحد في الوجود أن يسقطها من يده، فنحن لا نخشى على نتائج جهودنا وتضحياتنا من الضياع، لإنها إذا كانت من أجل الله الغني الحميد فهي بيده، ولا أحد يستطيع أن يسقطها من يده عز وجل، وإن لم تكن من أجل الله الغني الحميد فلا خير فيها ولا أسف على ذهابها .

وقال : كل همنا ينصب على أن نتعرف على تكليفنا الشرعي وأن نفي في القيام به، ولسنا قلقين من أن يُنسب أي إنجاز نقوم به إلى غيرنا، نعم يقلقنا إنحراف المسيرة وتضييع الحقوق، وهذا ما نعمل على عدم حدوثه .

مسائل متفرقة ..

( 1 ) : وبخصوص الجانب القيمي في كربلاء، قال : من أبرز الأمور تجليا في ملحمة كربلاء هو الجانب القيمي، فقد تجلى نظامان قيميان متناقضان :

·        نظام قيمي تجلي في معسكر يزيد بن معاوية من أبرز مظاهره قتل النفوس المحترمة بأبشع الصور من أجل المال والمناصب .

·        ونظام قيمي تجلي في معسكر الإمام الحسين ( عليه السلام ) من أبرز مظاهره التضحية بالنفس والنفيس من أجل الدين والقيم والمبادئ السامية .

وقال : ينبغي أن يحظى الجانب القيمي في المعسكرين المتقابلين في ملحمة كربلاء بالبحث والدراسة نظرا لدلالاته ولأهميته البالغة في فهم حقيقة الصراع بين معسكر التوحيد ومعسكر الطاغوت .

( 2 ) : وبخصوص محاسبة الجلادين والجلاوزة ومجازاتهم، قال : قال الله تعالي { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ . أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } ( الرحمن : 7- 9 )  فمتى إختل ميزان العدالة في أي مجتمع إختل تبعا له ميزان الأوضاع كلها، لأنه يفقد الأساس الذي يقوم عليه الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار، فلكي يأمن المجتمع وتستقر أوضاعه، تجب محاسبة الجلادين ومعاقبتهم، وهذا ما تؤكده الشريعة الإسلامية المقدسة والمواثيق الدولية، وحق الضحايا لا يسقط بالتقادم، فمن حق أبناء الضحايا وأحفادهم أن يطالبوا بمحاكمة الجلادين وتصدر أحكاما قضائية تدين جرائمهم وهم أموات مدفونون في قبورهم، هذا عن العدالة في الدنيا، وأما عن العدالة في الاخرة، فقول الله تعالى : { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } ( الشعراء : 227 ) .

وقال : يوجد قرار سياسي لدى تيار الوفاء وحركة حق وحركة أحرار البحرين بأن يضعوا حدا للإنتهاكات التي تقوم بها السلطة لحقوق المواطنين والمعاملة الحاطة بالكرامة لهم، وهناك تفكير جدي في رفع دعاوى في الداخل والخارج ضد المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وهذا يتطلب فيما يتطلب توثيق حالات الانتهاكات، فأطلب من الجميع المساهمة في ذلك، وأطلب من الضحايا كل التعاون .

( 3 ) : وبخصوص التسويق إلى القيادات، قال : أشرت في مناسبات عديدة سابقا إلى أن المنهج الصحيح في التسويق للقيادات هو المنهج الذي يعتمد على تقديم أطروحات القيادات ومواقفها وإنجازاتها ويشرحها ويناقشها ليقتنع بها الناس فيكون الاتباع للقيادات مبني على قناعة واقعية تستند إلى أطروحاتها ومواقفها وانجزاتها، وليس الاتباع الأعمى المبني على الأوهام أو الوراثة ونحوها .

وقال : إن الترويج إلى القيادات من خلال المغالاة أو النقولات يدل على الضعف والإفلاس، وفيه استغفال للناس وتعمية عليهم، وليس فيه أدنى احترام إلى عقولهم، وهو مضر قطعا بمصالحهم .

صادر عن : إدارة موقع الأستاذ .